أيُمكن لمدينة سورية أن تكون شخصية سينمائية؟

أيُمكن لمدينة سورية أن تكون شخصية سينمائية؟

الصورة
18 كانون الثاني 2019

رغم وفرة الأفلام السينمائية المنبثقة من "الثورة السورية"، إنْ تكن الأفلام وثائقيةً أو روائية، إلاّ أن حضور المدينة، كشخصية سينمائية، نادرٌ فيها. ورغم الخراب اللاحق بمدنٍ سورية عديدة، جرّاء الحرب الأسديّة المستمرة منذ بداية الحراك المدنيّ العفوي والسلميّ (18 مارس/ آذار 2011)، المُضاف إليها طغيان الأصوليّ والجهادي أيضًا، إلاّ أن الأفلام مبتعدةٌ عنها كشخصية سينمائية مستقلّة بحدّ ذاتها، مع اهتمام بها ـ في الوقت نفسه ـ كفضاءٍ إنسانيّ وعمرانيّ وثقافيّ وحضاريّ يتعرّض لتدمير وحشي بهدف تغييبه كلّيًا، في مقابل ندرة أعمالٍ تتّخذ من أسماء البعض القليل للغاية من تلك المدن عناوين لها، كحمص وحلب تحديدًا. والندرة، هنا، غير مكتفية بالاسم عنوانًا، فبعض الأفلام يُحوِّل المدينة إلى شخصية كاملة، بتصويرها وتناولها وسرد حكاياتها إمّا عبر أفرادٍ يروون وقائع المعاناة اليومية لهم ولها، وإمّا عبر صُوَر مكثّفة دراميًا، تختزل شيئًا من دمارها وشقائها.

بعض هذه العناوين منبثقٌ من حالةٍ إنسانية تشهدها هذه المدينة أو تلك، كأن يُنجز السوري فراس فيّاض مثلاً "آخر الرجال في حلب" (2017) لتوثيقٍ سينمائيّ لسِيَر رجال "الدفاع المدني السوري" في عملهم ومواجهاتهم اليومية تحدّيات الموت والخراب. أو كأن يتجوّل السوري علي الإبراهيم في شوارع المدينة نفسها، لالتقاط يوميات أناسٍ مُقيمين فيها رغم الموت، في "يوم في حلب" (2017)، الذي يُشارك فيّاض في كتابته وينتجه أيضًا، علمًا أنه يُستشفّ من الفيلم القصير هذا (24 دقيقة) ملامح مدينة تتمكّن من أن تكون شخصية سينمائية تروي، هي، حكايتها عبر كاميرا الصحافي الإبراهيم، وإنْ بمواربة مُحبَّبة.

لعلّ "حلب: صمت الحرب" (2018) للإيراني أمير أوسنلو، أحدث الإنتاجات السينمائية المتعلّقة بالحرب الأسديّة على سوريا والسوريين، يبقى الأجمل في تصوير المدينة

وإذْ تلتقط أجهزة الهواتف الخلوية والكاميرات صغيرة الحجم، منذ بداية الحراك الشعبي السلميّ، وقائع الحدث السوري بيومياته ودقائقه وتفاصيله، توثيقًا وأرشفة بما يُشبه التأريخٍ البصريّ المباشر والواضح لليومي والمعيش في ظلّ ما يجري؛ فإنّ السينما تلتحق بالثورة والانقلابات المدمِّرة عليها بعد وقتٍ، مُشاركةً في التوثيق والتأريخ، لكن بعيدًا عن الفعل المباشر والوضوح اللذين يؤثّران سلبًا على المنحى السينمائي الجمالي، مع أن الوثائقيات تحتاج غالبًا إلى فعل ووضوح كهذين، مع إتاحة حيّز كبيرٍ للفن السينمائي في اشتغالاته المختلفة. وفي مقابل تمكّن أجهزة الهواتف الخلوية والكاميرات الصغيرة من توثيق مجريات الأحداث في الشوارع والمدن، كأنها تحفظ للزمن المقبل تحوّلات تُصيب عمرانًا وأناسًا فيها؛ تبقى الأفلام السينمائية بعيدة عن تبيان الحضور متنوّع المستويات للمدينة في الحرب الأسديّة، رغم أن سينمائيين قليلي العدد يغوصون في تفاصيلها، أو يروون حكاياتها، أو يُصوّرون مساراتها ومصائرها، فتظهر كأنها شخصية سينمائية لن تؤدّي دورًا، بل تعيش واقعًا ومسارات.

لعلّ "حلب: صمت الحرب" (2018) للإيراني أمير أوسنلو، أحدث الإنتاجات السينمائية المتعلّقة بالحرب الأسديّة على سوريا والسوريين، يبقى الأجمل في تصوير المدينة، وسرد لحظاتٍ من خرابها وراهنها وانكساراتها. ففي 30 دقيقة، يروي أوسنلو بلغة الكاميرا فقط واقع حلب عبر لقطات متتالية لأمكنة مدمَّرة، ومصانع وأبنية معطَّلة، وشوارع مليئة بأنقاضٍ وغبار، تاركًا لأصوات الريح ولصدى آليات محطّمة أو معطوبة أو صدئة أن تروي الحكاية من دون إضافات تقنية أو مؤثّرات استثنائية. كأن حلب نفسها تروي، بالصُور والمؤثّرات الطبيعية، عيشًا في هوّة الجحيم، وموتًا على أمل قيامة مؤجّلة، أو ملغاة.

وهذا، إذْ يُميّز "حلب: صمت الحرب"، يظهر أيضًا كهاجسٍ أوّل عند الأرمني الحلبي آفو كابرئليان، الذي يُنجز "منازل بلا أبواب" عام 2015 مُصوِّرًا "حي الميدان" (الواقع عند خطوط التماس في حلب) من شرفة المنزل العائليّ. لكن الهاجس، المبطّن في طيات النصّ السرديّ، غير متمكّن من اكتشاف المدينة في خرابها، رغم أن كابرئليان مُقيم في حيّز أساسيّ يُتيح له مخاطبة المدينة عبر الكاميرا، وفي الوقت نفسه يُتيح للمدينة أن تكون الراوي المطلوب لسرد حكايتها، وحكاية 100 عامٍ من الهجرة الأرمنية إليها، إثر ارتكاب العثمانيين المجزرة بحقّهم منتصف الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).

لكن هذا لن يحول دون التقاط مجريات الحدث السوري من شرفة منزل مُطلّ على الحيّ وناسه، وعلى الذاكرة ومواجعها، وعلى التاريخ وحاضره. ورغم أن الثقل الجماليّ كامنٌ في النصّ والحكايات، إلاّ أن ترجمته البصرية عادية، والمدينة فيها غير متمكّنةٍ من التحوّل إلى شخصية سينمائية، مع أنها أساسيّة في جوهر النصّ، فهي التي تُعاني آثام الخراب، بعد مرارات عديدة تُلمُّ بها في تاريخها الحديث، وبعد تحوّلها إلى بؤرة اجتماعية وعمرانية وحضارية وتجارية للأرمن اللاجئين إليها عبر السنين؛ وهي التي تُصاب بأعطابٍ عديدة، "عقابًا" لها على مشاركتها في ثورة مدنيّةٍ، تطالب بحقّ طبيعي في عيشٍ سليمٍ وإنساني.

في الإطار نفسه لـ"منازل بلا أبواب"، تندرج أفلامٌ تحمل عناوينها اسم حلب، من دون أن تجعلها شخصية سينمائية، كـ"آخر الرجال في حلب" لفيّاض و"يوم في حلب" للإبراهيم

في الإطار نفسه لـ"منازل بلا أبواب"، تندرج أفلامٌ تحمل عناوينها اسم حلب، من دون أن تجعلها شخصية سينمائية، كـ"آخر الرجال في حلب" لفيّاض و"يوم في حلب" للإبراهيم، بالإضافة إلى "زهرة حلب" (2016) للتونسي رضا الباهي مثلاً. فهذا الأخير منشغلٌ بما يجري في المدينة، بعد وصول أمٍّ تونسية إليها للبحث عن ابنها الوحيد، المتورّط مع جهاديين تونسيين يُحاربون في سوريا. لذا، تغيب المدينة كحيّز إنساني مفتوح على التاريخ والجغرافيا والثقافة والعمارة والاقتصاد والراهن، وتظهر ـ في المقابل ـ كديكور يُراد له أن يكون واقعيًا في ظلّ الحرب السورية، خصوصًا أن الباهي مهمومٌ بقراءة حالة تونسية ناشئة في الأعوام اللاحقة لـ"ثورة الياسمين" (18 ديسمبر/ كانون الأول 2010 ـ 14 يناير/ كانون الثاني 2011)، تتمثّل بالتحاق شباب تونسيين عديدين بجماعات جهادية أصولية متشدّدة تُحارب في سوريا.

أما "بلحٌ تعلق تحت قلعة حلب" (2013) للّبناني محمد سويد فمختلفٌ، إذْ تغوص صُوره في جسد المدينة وروحها، كما في أحوال أناسٍ هم أبناؤها الذين يلتقطون آلامها، ويجعلون صمتها المدوّي بوحًا لشدّة المهانة التي يُريد نظام البعث الأسديّ إنزالها بها وبهم، فيتمكّنون من مواجهةٍ حقّة رغم قسوة البطش. والتجربة هذه، التي يصنعها سويد رفقة السوريين محمود الباشا وميزر مطر ومهند الخليل النجار، تؤسّس نمطًا سينمائيًا يشهد خطوة إضافية له مع "ماء الفضّة" (2014) للسوريين أسامة محمد ووئام سيماف بدرخان. تجربة تتمثّل بحصول المخرجين سويد ومحمد على صُوَر كثيرة من الداخل وعنه (حلب للأول المُقيم في بيروت، وحمص للثاني المهاجر إلى باريس)، لتحقيق فيلمين تختلط فيهما شهادات أناسٍ بصُور تعكس شيئًا من بوح المدينتين. كأن حمص تلتحق بحلب فتتحوّل إلى شخصية سينمائية، يتمكّن أسامة محمد من صُنعها، وإنْ مواربة، أي من خلال صُور مسجّلة من داخل سجونٍ وفي شوارع وبين أبنية وأنقاضٍ، أو من خلال سرد بصريّ مغلَّف بنصٍ ذاتيّ، يروي ببعض الكلمات ما يُكمِل أقوال الصُور.

مع محمد سويد، هناك مزيج بين الذاتيّ والعام من خلال حكاية مضر النجّار، أحد أبرز القادة الميدانيين في حلب؛ وهناك شهادة بصرية مستلّة من أزقّة المدينة وروحها وفضائها المفتوح على الموت والغبار. وإذْ يُتيح السينمائيّ اللبناني لشخصيات الفيلم مساحة واسعة لقول وعيشٍ يومي أمام الكاميرا، فإن المدينة تتمكّن من المشاركة بالقول والعيش أيضًا. وهذا شبيهٌ، إلى حدّ ما، بفعل سينمائي يمارسه أسامة محمد متعاونًا مع وئام سيماف بدرخان، إذْ لن يكتفيا بما تبوح به الصُور الملتقطة، رغم أهميتها القصوى وجمالياتها البصرية التي تعكس قسوة مضامينها، بل يذهبان بعيدًا في تكثيف الحضور الإنساني للمدينة (حمص) أيضًا.

هذا نقاش غير منته. السابق محاولة لفهم موقع المدينة السورية في أفلام تواكب حراك الثورة والانقلاب الدموي عليها. الأفلام المعنيّة بالثورة وما بعدها مستمرة في إنتاج كمٍ من الصُور المحمّلة بجماليات سينمائية، وفي التقاط نبض الشارع وأحوال ناسه، أفرادًا قبل الجماعات، بمنطق الصورة وفنّها لا الخطاب وتحجّره. والمدينة السورية، وإنْ يبقى سؤال كونها شخصية سينمائية ملتبسًا ومعلّقًا، حاضرةٌ في أقوال ومسالك ومرويات وانفعالات، كما في رغبات موؤودة، وأحلام معطّلة، وتمنيات مبتورة.

شارك برأيك