أيها السادة: الأقنعة تتساقط تحت جدران "الفيس بوك" !

أيها السادة: الأقنعة تتساقط تحت جدران "الفيس بوك" !

أيها السادة: الأقنعة تتساقط تحت جدران "الفيس بوك" !

تاريخ النشر: 05.10.2018 | 00:10 دمشق

آخر تحديث: 08.11.2018 | 04:22 دمشق

 لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً ومحوريّاً في كسر القيود الأمنية والرقابة إبان انطلاق ثورات الربيع العربي. وكانت ولما تزل شبيهةً بعالمٍ دون خرائط، ولا حدود، يجمع مَن في الصين بالمغرب والخليج، ويلم شمل الناس المتناثرين بين أصقاع الكرة الأرضية. أما "الفيس بوك" بالتحديد، كان الدينامو الرئيس والأشهر من بين كل وسائل التواصل على الأنترنت، وإن قلنا أصبحت أهميته تجاري الصحافة المكتوبة والمرئية، فإننا لا نبالغ. فالفيس بوك صار هواءً يومياً لــ 2 مليار مشترك حول العالم بحسب موقع " gadgetsnow " الهندي حتى نهاية عام 2017؛ إذن، نحن أمام ثورة رقمية (علمية) اجتاحت البشرية بعد عام 2005، وكان لها صدى واسع في بدايات عام 2011 داخل الوطن العربي خاصة. فالدور البارز الذي لعبه الفيس بوك ضمن العديد من الدول العربية التي

أخذ الفيس بوك طابعاً مغايراً عن هدفه الأساسي الذي صُمّمَ لأجله؛ إذ إنه أصبح بالنسبة لأغلبية مستخدميه في الوطن العربي نافذةً سريّة يتداولون عبرها آراءهم السياسية، ويتواصلون من خلاله ثقافياً وأدبياً

اندلعت فيها الثورات، كان بمثابة الانقلابات العسكرية إن صح التعبير، وكان له البصمة الكبيرة في التوعية وكشف الحقائق، وتشكيل الرأي العام لدى شرائح كبيرة في المجتمعات، وخاصةً الشباب الذين حوّلوا هذه المنصة الزرقاء إلى عمل سياسي وثوري، بعيداً عن صبغتها الاجتماعية بالأصل.

بعد عام 2007 في سورية ،كان الفيس بوك مجرد منصة اجتماعية لم تنل الشهرة بعد، ولم يتعرف إليه الكثير من الناس، سوى بعض من التقنيين والفنيين الذين يعملون في مجال الحاسوب وشبكات الأنترنت. وكما أسلفنا، أخذ الفيس بوك طابعاً مغايراً عن هدفه الأساسي الذي صُمّمَ لأجله؛ إذ إنه أصبح بالنسبة لأغلبية مستخدميه في الوطن العربي نافذةً سريّة يتداولون عبرها آراءهم السياسية، ويتواصلون من خلاله ثقافياً وأدبياً، وأيضاً، كانت غرف الفكر والفلسفة التي تدار ضمن أروقته أشبه بالمنتديات الحقيقية بعيداً عن الرقابة.

 ولما كانت الثورة السورية العظيمة في آذار 2011، تم حجب الفيس بوك من قبل النظام السوري، إضافةً إلى اليوتيوب، ما دفع أغلب الناشطين السوريين إلى استخدام " بروكسي" لرفع الحجب؛ بذلك، لم تستطع أجهزة المخابرا ت السورية إلقاء القبض على (التّكنولوجيا) وزجّها في السجن بتهمة التواطؤ مع الثوار! الأمر الذي أجبر النظام السوري على رفع الحجب واستخدام أسلوب المصيدة كي يوقع بالناشطين الذين يوثقون انتهاكاته ودمويته، وينشرون جرائمه التي فاقت حدّ الخيال.

فإن استخدام الفيس بوك تغيّر بشكل جذري لدى السوريين بعد عام 2011؛ إذ تحول هذا العملاق الالكتروني بين صفوف الشعب الثائر إلى وسيلة مجدية في التجمّعات وتنسيق التظاهرات وتبادل المعلومات حول الأماكن الخطرة والآمنة، إضافةً إلى ذلك، صار الفيس بوك منصة بديلة عن معظم الإعلام المرئي والمكتوب الذي يقيّد الحقائق ويحوّرها بذريعة سياسة النشر وأمور أخرى تنتهجها بعض من وسائل الميديا العربية والغربية لإضفاء صبغة طائفية وإسلامية متشددة على سلمية الثورة السورية وتشويه أهدافها السامية.

فمن أروقة الفيس بوك انطلقت صفحات التنسيقيات الثورية التابعة للمحافظات والمدن والقرى السورية، التي كانت تؤرّق النظام السوري وأجهزته الأمنية، التي ما انفكت تلاحق أعضاءها وتحاول إغلاقها عن طريق ما يسمى بــ " الجيش الالكتروني السوري". ورغم تضييق أجهزة المخابرات السورية الخناق على مستخدمي الفيس بوك، فقد نجح السوريون بطرق شتى من تجاوز هذه الرقابة، وخلق أجواء آمنة لتبادل المعلومات الخاصة بالثورة، حيث إن حسابات الفيس بوك مع استخدام "البروكسي" تصبح خارج عن نطاق المراقبة المباشرة، المتمثلة بالفرع 211 المختص بالمعلوماتية ومراقبة الاتصالات اللاسلكية ونشاط الأنترنت وحجب المواقع في سورية.  

هذه الأيقونة الزرقاء التي فتحت فضاءً واسعاً من الحريات أمام السوريين كما فعلت في بلدان الربيع العربي، أصبحت مثارَ جدلٍ بين شرائح واسعة في الشارعين العربي والإسلامي، منهم من يعتبرها برنامجاً من برامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية شبيهة بمركز دراسات أنثروبولوجية، تعمل على مراقبة سلوك المجتمعات مع جمع البيانات الشخصية للأفراد والجماعات، ومنهم من يرى الفيس بوك عبارة عن مشروع اجتماعي يسعى إلى تبديد المسافات ورتق الفجوات وتسهيل عملية التواصل بين الناس؛ وهذان الرأيان أو الاحتمالان، فيهما من الصواب ما يستحق النقاش؛ وبالإشارة إلى ذلك، بأن موقع الفيس بوك على علاقة بالاستخبارات الأمريكية، هو (العرض الذي قُدِّمَ من قبل "بيتر ثيل" مؤسس موقع " باي بال PayPal " التجاري، إلى مارك زوكربيرج مالك موقع الفيس بوك، بتمويله بمبلغ 500 ألف دولار سنوياً مقابل نسبة 10 % بُعيد تأسيس الموقع)؛ وهذا "بيتر ثيل" شارك في تطوير "السوفت وير" لاستخدامات الــ " سي آي إيه CIA ". كما تداول ناشطون أمريكان بأن الكونغرس قام بتمويل موقع "الفيس بوك" بملايين الدولارات وأوكل المسوؤلية الكاملة بذلك لوكالة الاستخبارات المركزية. وغير ذلك، في عام 2015 قضت المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي بفضّ اتفاقية "الملاذ الآمن" بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وذلك سمح للشركات الأمريكية المختصة بالتكنولوجيا وفيس بوك بنقل بيانات ضخمة للمستخدمين وأرشفتها ضمن ملفات تتبع لأجهزة المخابرات.

أما عن كون الفيس بوك عبارة عن مشروع تواصل اجتماعي، فهذا من البديهيات بعيداً عن الوجه الآخر له من حيث علاقته بالاستخبارات ومراكز الرصد والإحصاء.

أخذ الفيس بوك أيضاً دوراً من أدوار الوكالات التي تنشر الفضائح السياسية والاجتماعية، وهذا الدور لا يقل أهمية عن " التويتر" الذي يعتبره الكثيرون

اليوم بعد مضي ثماني سنوات على الثورة السورية، خفتَ ضوء الفيس بوك (الثوري)، ليتحول عند جزء لا يستهان به من السوريين إلى حلبة مصارعة واقتتال وتخوين، وتسريب رسائل وفضائح لشخصيات معروفة

منبراً للشخصيات الهامة والمشهورة؛ ورغم أن عدد مستخدمي التويتر في العالم تجاوز المليار و300 ألف مستخدم حتى عام 2018 ، نجد أن الانطباع الأول لدى الشريحة الكبرى في الوطن العربي يميل إلى استخدام الفيس بوك، لسهولة العمل عليه، إضافة إلى الميزات الكثيرة التي يمنحها للمشتركين.

اليوم بعد مضي ثماني سنوات على الثورة السورية، خفتَ ضوء الفيس بوك (الثوري)، ليتحول عند جزء لا يستهان به من السوريين إلى حلبة مصارعة واقتتال وتخوين، وتسريب رسائل وفضائح لشخصيات معروفة، وصور بأوضاع مخلة أدبياً لشبان وفتيات. عدا عن ذلك، نجد أن أحداً ما كتب جملة ضد النظام السوري على صفحته ذات يوم، يرى نفسه الوصي الوحيد على الثورة! وهو عراب الإغاثة وعراب السياسة والضحية الحزينة التي دخلت المعتقل وخرجت لتبدأ بالتنظير وإعطاء النصائح الثورية للأغبياء.

 

أختم كلامي عن الغباء بحادثة واقعية لها علاقة بالفيس بوك حصلت تحت جسر "صحنايا" في دمشق:

عند الحاجز.. فتح الجنديُ "الباسل" باب الحافلة بإباء رافعاً أنفه قائلاً:

ــ هنتو من وين جايين؟

ارتبكت" vestibular labyrinth" المتاهة الدهليزية المسؤولة عن التوازن لدى الجميع!

ــ "ع الشغل سيدي ــ ع البيت ــ لعند ماما ــ اشتري بطاطا ــ تأجيل دراسي" .. جاوب الجميع بعشوائية.

الجندي :

ــ اللي معو فيس بوك ينزلو بسرعة تا شوف .. حيواااانات .

عندها .. اندهشنا.. واندهشت الكرة الأرضية، وأصبح لدينا قناعة تامة بأننا نعيش في وطنٍ محقونٍ بالسيليكون. 

مقالات مقترحة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا
10 حالات وفاة و139 إصابة جديدة بكورونا في سوريا
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا