icon
التغطية الحية

أهالي أطفال التوحد في سوريا.. رحلة علاج شاقة بين قلة المراكز وارتفاع التكاليف

2026.08.12 | 06:39 دمشق

تحديات أطفال التوحد (1).jpg.jpeg
 تلفزيون سوريا ـ خاص
+A
حجم الخط
-A

لا تتوقف معاناة عائلات الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد في سوريا عند مرحلة التشخيص، بل تبدأ بعدها رحلة شاقة للبحث عن العلاج والتأهيل، في ظل محدودية المراكز المتخصصة، وتفاوت مستوى الخدمات بين المدن، وارتفاع تكاليف الجلسات والتنقل، إلى جانب تحديات التعليم والاندماج في المجتمع.

وتجد أسر كثيرة نفسها مضطرة إلى التنقل بين المدن للحصول على خدمات قد لا تكون متوفرة في مناطق سكنها، بينما تشكل الكلفة المالية عائقاً أمام الاستمرار في جلسات التأهيل، التي يحتاج إليها الطفل لفترات طويلة بحسب حالته واحتياجاته.

من جبلة إلى اللاذقية مرتين أسبوعياً

في مدينة جبلة بريف اللاذقية، تضطر "أم محمود" إلى السفر برفقة طفلها المصاب بالتوحد إلى مدينة اللاذقية مرتين أسبوعياً، للحصول على جلسات التأهيل، في ظل عدم توفر مركز متخصص في مدينتها.

وتقول "أم محمود" لموقع تلفزيون سوريا إن الرحلة أصبحت جزءاً ثابتاً من حياتها، وإنها لا تستطيع إيقاف الجلسات رغم الأعباء التي تفرضها عليها، لأن طفلها يحتاج إلى المتابعة المستمرة.
وتوضح أن كلفة الرحلة الواحدة، بما فيها أجور الجلسة والمواصلات، تصل تقريباً إلى 700 ليرة سورية جديدة. وباحتساب رحلتين أسبوعياً، تصل الكلفة إلى نحو 1400 ليرة أسبوعياً، أي ما يقارب 5600 ليرة شهرياً على أساس أربعة أسابيع، من دون احتساب أي جلسات إضافية أو تغير في أسعار العلاج والمواصلات.
وتضيف: "ليس العلاج وحده ما يرهقنا، حتى الوصول إلى العلاج أصبح مشكلة. نضطر إلى السفر مرتين في الأسبوع، وكل مرة لها كلفتها، لكننا لا نستطيع إيقاف الجلسات لأن طفلنا يحتاج إلى الاستمرار".
ولا تقتصر معاناتها على الكلفة، إذ إن الانتقال المستمر بين مدينتين يستهلك وقتاً وجهداً، ويجعل جلسة التأهيل مهمة تمتد لساعات بالنسبة إلى الأسرة، بدلاً من أن تكون خدمة قريبة يمكن الوصول إليها بسهولة.

ضعف الإمكانات والاختصاصيين

تروي مريم، وهي أم لطفلة مصابة بالتوحد وتقيم حالياً في ولاية هاتاي التركية، تجربتها في البحث عن مركز لذوي الاحتياجات الخاصة في اللاذقية، أملاً في العودة إلى مدينتها بعد سنوات طويلة من الغربة.

وتقول مريم لموقع تلفزيون سوريا: "جئت في إجازة إلى سوريا لأستطلع إمكانية العودة والاستقرار بعد العثور على مركز مناسب لعلاج ابنتي، لكنني فوجئت بالواقع. فالمراكز المتخصصة قليلة جداً، ومعظمها خاص ومرتفع التكلفة، في حين نحصل في تركيا على دعم مالي وعلاج مجاني. كما تفتقر غالبية المراكز هنا إلى الوسائل اللازمة والبنية التحتية والاختصاصيين المؤهلين، لذلك قررت تأجيل عودتي في الوقت الحالي".

وتختلف احتياجات الأطفال المصابين بالتوحد من حالة إلى أخرى، لكن بعضهم يحتاج إلى أكثر من نوع من خدمات التأهيل، بينها علاج النطق واللغة، والعلاج الوظيفي، والتدريب السلوكي، وتنمية مهارات التواصل والاستقلالية. ويعني ذلك أن الأسرة قد تجد نفسها أمام أكثر من جلسة أسبوعياً، ما يرفع الكلفة الشهرية، خصوصا عندما تكون الخدمات في مراكز خاصة.
ولا تتوقف المصاريف عند أجور الجلسات، فهناك أيضاً تكاليف المواصلات والاستشارات والفحوصات وبعض الأدوات التعليمية والتدريبية التي قد يحتاج إليها الطفل. وتتحمل بعض الأمهات كذلك عبء متابعة الطفل في المنزل، أو تقليل ساعات العمل أو ترك الوظيفة لمرافقته إلى الجلسات ومتابعة تطوره، ما يحرم الأسرة في بعض الحالات من جزء من دخلها.

مراكز جديدة.. وحاجة أكبر

وفي بانياس بريف طرطوس، أسهمت إعادة افتتاح مركز "أنا وطفلي" بدعم من منظمة "يونيسف" في شهر أيار الماضي، في تخفيف معاناة كثير من أهالي الأطفال المصابين بالتوحد.
وتقول هند المصري، وهي أم لطفل مصاب بالتوحد، إن وجود المركز في بانياس أراحها من السفر إلى مدن أخرى، لكنها تشير إلى أن الطفل يحتاج إلى متابعة مستمرة، وأحياناً إلى أكثر من نوع من الجلسات لا تتوفر في المركز.

وتضيف: "نحن لا نبحث عن شيء زائد، نريد أن يستمر طفلنا بالتقدم. عندما نلاحظ أنه اكتسب مهارة جديدة، لا نستطيع أن نتوقف، لأننا نخاف أن نخسر ما وصل إليه". وتطالب الأم بزيادة عدد الاختصاصيين والجلسات، وتطوير المركز بشكل أكبر، بما يساعد الأسر على الاستمرار في التأهيل من دون أن تصبح التكاليف سببا للتوقف.
وشهدت الأشهر الماضية افتتاح عدد من المراكز والمبادرات التي تستهدف الأطفال ذوي الإعاقة واضطراب طيف التوحد في مناطق مختلفة من سوريا.
وفي حماة، افتتح مركز "أنا وطفلي" التابع لمديرية الصحة، ويقدم خدمات علاجية وتأهيلية مجانية للأطفال ذوي الإعاقة، ومن بينهم الأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد ومشكلات النطق والاضطرابات النمائية.

كما افتتح في دمشق مركز صحي متخصص في كفرسوسة، يضم غرفة للعلاج الوظيفي، وأخرى لتقويم الكلام واللغة، وثلاث غرف للتدخل الفردي.
وفي ريف دمشق، افتتح مركز "خذ بيدي" لتأهيل أطفال طيف التوحد، ويقدم خدمات تشمل تحليل السلوك، والنطق واللغة، والدعم التعليمي، وتنمية التواصل ومهارات الحياة اليومية، إضافة إلى إرشاد الأسرة.

وتشكل هذه المراكز خطوات مهمة في توفير الخدمات، لكنها لا تلغي مشكلة التوزيع الجغرافي، إذ ما تزال عائلات في مدن وبلدات تضطر إلى الانتقال إلى مناطق أخرى للوصول إلى اختصاصيين أو خدمات غير متوفرة بالقرب منها.

التعليم.. تحد لا يقل صعوبة

بعد رحلة التشخيص والتأهيل، تواجه العائلات تحدياً آخر يتعلق بالتعليم. ويحتاج بعض الأطفال المصابين بالتوحد إلى بيئة تعليمية مختلفة، وطرق تدريس تراعي قدراتهم واحتياجاتهم، إضافة إلى كوادر لديها معرفة كافية بكيفية التعامل مع اضطراب طيف التوحد.
وتقول أم محمود من جبلة إن طموحها لا يقتصر على حصول طفلها على الجلسات، بل تريد أن يتمكن مستقبلاً من التعلم والتواصل والاعتماد على نفسه قدر الإمكان. وتضيف: "نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن يحصل طفلنا على فرصة مثل بقية الأطفال، وتوفير بيئة مناسبة تساعده على التطور والعلاج".
ولا تتعلق الصعوبات بالتعليم وحده، إذ تواجه بعض الأسر نظرة اجتماعية غير متفهمة لسلوك أطفالها، الأمر الذي قد يدفعها إلى تجنب بعض الأماكن العامة خوفا من التعليقات أو التنمر.
وبالنسبة إلى عائلات الأطفال المصابين بالتوحد، لا يمثل العلاج مرحلة قصيرة يمكن تجاوزها، بل مساراً طويلاً يحتاج إلى الاستمرارية والصبر والقدرة المالية.
وبين الحاجة إلى مزيد من المراكز والأخصائيين، وتوفير خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة، وتدريب الكوادر التعليمية، تبقى عائلات الأطفال المصابين بالتوحد أمام سؤال أساسي: كيف يمكن ضمان حصول الطفل على التأهيل الذي يحتاج إليه، بصرف النظر عن مكان سكنه أو قدرة أسرته المالية؟