يتجنب طلاب جامعيون وسكان في دمشق استخدام بعض أنفاق وجسور المشاة بسبب الظلام والإهمال ومخاوف من التحرش والاعتداء، في حين يدفعهم ذلك إلى عبور طرق سريعة ومزدحمة بالسيارات.
وبين ضعف البنية التحتية وغياب الإنارة والرقابة وعدم التزام السائقين والمشاة بقواعد المرور، تتحول رحلة الوصول إلى الجامعة أو السكن إلى مخاطرة يومية.
لم تكن طالبة خارجة من كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بدمشق تتوقع أن يتحول عبورها نفق المشاة المقابل للكلية، عند الساعة الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي، إلى تجربة تصفها بـ"بيت الرعب".
وفي منشور متداول على فيسبوك، قالت الطالبة، التي نشرت تجربتها من دون إظهار اسمها، إنها شعرت بوجود شخص يسير خلفها بينما كانت تقترب من نهاية النفق، قبل أن يلحق بها ويوجه إليها عبارات تحرش ويبدأ بخلع ملابسه، ما دفعها إلى الركض بعيداً عنه وهي في حالة خوف شديد.
وسرعان ما امتلأ المنشور بتعليقات لفتيات وطلاب قال عدد منهم إنهم واجهوا تجارب مشابهة، أو إنهم يتجنبون النفق أساساً بسبب ما يسمعونه عنه، حتى إن بعض المعلّقين وصف عبور الطريق بين السيارات بأنه، بالنسبة إليهم، خيار أقل إثارة للخوف من النزول إلى النفق.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع الوقائع الواردة في تلك التعليقات، إلا أن تكرار الشكاوى يتقاطع مع شهادات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من طلاب يستخدمون المنطقة بشكل يومي، ويتحدثون عن مشكلة أوسع تتعلق بواقع أنفاق وجسور المشاة في دمشق.
"نقطع الشارع كمجموعة"
تقول لارا الطباع، وهي طالبة في الجامعة الافتراضية السورية وتقدّم امتحاناتها في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية "الهمك"، لموقع تلفزيون سوريا، إنها تتجنب المرور من النفق القريب من الكلية بسبب شعورها بعدم الأمان داخله.
وتشير إلى أن مخاوف الطالبات ترتبط، بحسب ما شاهدته وسمعته من زملائها، بوجود أشخاص داخل النفق وممارسات تتراوح بين التحرش اللفظي والسلوكيات المقلقة، ما يجعل عبوره منفرداً أمراً مخيفاً بالنسبة إليها.
لذلك، تختار لارا في كثير من الأحيان عبور الشارع مباشرة، رغم كثافة حركة السيارات، وتقول إن الطلاب ينتظرون بعضهم بعضاً حتى يتشكل عدد كاف منهم قبل الانطلاق معاً إلى الطرف الآخر من الطريق.
وتضيف أن الأمر لا ينتهي عند عبور الشارع؛ فحتى الوصول إلى الجامعة أو مغادرتها يصبح، وخصوصاً في أوقات المساء، أكثر صعوبة مع ضعف الإنارة في بعض المناطق المحيطة بالكلية والسكن الجامعي.
وتستعيد إحدى الخريجات لموقع تلفزيون سوريا تجربتها منذ عام 2014، عندما كان النفق مغلقاً وإشارة المرور المقابلة للجامعة لا تعمل بصورة منتظمة، بحسب شهادتها، فتقول إن الطلاب كانوا ينتظرون بعضهم لتشكيل مجموعة كبيرة قبل قطع الطريق.
وتصف عبور الشارع آنذاك بأنه كان "مرعباً"، مضيفة أن الطلاب كانوا يتعاملون مع التجمع كوسيلة لحماية أنفسهم قدر الإمكان من السيارات.
وتلفت إلى مشكلة أخرى تتعلق بالطريق المؤدي إلى السكن الجامعي المجاور، موضحة أن بعض أجزائه تصبح شديدة الظلمة بعد ساعات المساء، الأمر الذي يزيد شعور الطلاب، وخصوصاً الطالبات، بعدم الأمان.
وترى أن تأهيل النفق ضرورة، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن إعادة افتتاحه من دون إنارة ورقابة مستمرة قد تعيد المشكلة من جديد، داعية إلى ضمان بقائه مفتوحاً وآمناً، أو إيجاد بديل فعلي من خلال إشارة مرور فعالة يلتزم بها السائقون والمشاة.
تركض داخل النفق
المخاوف نفسها تتكرر لدى لميس الزيات، طالبة في كلية "الهمك"، التي تقول لموقع تلفزيون سوريا إنها تضطر أحياناً إلى استخدام النفق عندما تصبح حركة السير كثيفة إلى درجة تجعل عبور الشارع صعباً.
لكنها لا تعبره بهدوء. تقول لميس إنها تدخل النفق مسرعة، وفي بعض الأحيان تركض حتى تصل إلى الطرف الآخر، خشية التعرض للتحرش أو المضايقة.
وقبل أن تنزل الدرج، تلقي نظرة استباقية إلى الداخل. فإذا شاهدت شخصاً يثير وجوده مخاوفها، تتراجع عن استخدام النفق وتبحث عن طريقة أخرى للعبور.
وتشير لميس أيضاً إلى تراكم القمامة داخل النفق وانبعاث روائح كريهة منه، معتبرة أن الإهمال الخدمي يزيد عزلة المكان ويجعله أقل استخداماً، وهو ما يفاقم بدوره شعور المارة بعدم الأمان.
وبالنسبة إلى بعض الطالبات، بات الحل هو الانتظار إلى حين تجمع عدد من الزميلات أو مرافقة طلاب آخرين قبل المرور.
حلقة مفرغة: الخوف يقلل الاستخدام وقلة الاستخدام تزيد الخوف
تبدو المشكلة هنا أشبه بحلقة مغلقة: كلما تراجع استخدام النفق بسبب سوء النظافة والإنارة والمخاوف الأمنية، أصبح أكثر عزلة؛ وكلما ازدادت عزلته، زاد إحجام الطلاب عن دخوله.
ويقول عمار، وهو طالب في كلية "الهمك"، لموقع تلفزيون سوريا، إن إهمال البنية التحتية في بعض الأنفاق جعلها أقرب إلى مكبات للنفايات، إضافة إلى انتشار القوارض فيها، وفق وصفه.
كما يشير إلى غياب الإنارة ليلاً عن أجزاء منها، معتبراً أن الظلام يزيد احتمالات تعرض المارة للسرقة أو الاعتداء من دون وجود أشخاص يمكنهم التدخل أو طلب المساعدة.
وتتكرر هذه المخاوف في التعليقات التي رافقت المنشور المتداول على فيسبوك. فقد طالبت إحدى المعلقات بوضع دوريات قرب نفق "الهمك" وتركيب كاميرات مراقبة وتأهيله، بينما اقترح آخرون تشغيل المحال الموجودة داخله بدلاً من تركها مغلقة.
إحدى المعلقات، التي قالت إنها تسكن بالقرب من المكان، وصفت النفق بأنه ممتلئ بالمحال الفارغة والقمامة، ودعت إلى استثمار تلك المساحات وتركيب كاميرات وتوفير وجود أمني.
الجسور موجودة.. والمشاة في الشارع
ولا تقتصر المشكلة على الأنفاق. ففي الجهة المقابلة، تتكرر مشاهد أشخاص يعبرون الطرقات السريعة سيراً على الأقدام رغم وجود جسور مخصصة للمشاة.
يتحدث وسام عبيد، طالب في كلية الهندسة المعلوماتية، لموقع تلفزيون سوريا عن جسر للمشاة يقع قرب الباب الخلفي لكلية "الهمك"، ويقول إنه يفتقر إلى سقف يحمي مستخدميه من المطر في الشتاء وحرارة الشمس في الصيف، فضلاً عن حاجته، بحسب وصفه، إلى أعمال صيانة تمنح المستخدمين شعوراً أكبر بالأمان.
ويرى وسام أن سوء واقع بعض جسور المشاة يدفع طلاباً ومواطنين إلى تجنب استخدامها واختيار الطريق الأقصر، حتى لو كان يعني السير بين السيارات.
ويمكن رصد الظاهرة ذاتها على طرق أخرى، من بينها أوتوستراد درعا، حيث ينتظر بعض المشاة حتى يتجمع عدد منهم ثم يقطعون الطريق معاً.
والمفارقة أن وجود إشارات مرور لا يعني بالضرورة أن الطريق يصبح آمناً؛ إذ يشكو مستخدمون من عدم التزام السائقين بالإشارات، في الوقت الذي يعبر فيه بعض المشاة أيضاً من أماكن غير مخصصة لهم.
وفي بعض النقاط، يتحول شرطي المرور عملياً إلى حل بديل، إذ ينتظر تجمع عدد من الموظفين أو الطلاب قبل أن يوقف حركة السيارات ليسمح لهم بالعبور.
لماذا لا يستخدم الناس الجسور؟
الأمر لا يرتبط دائماً بالخوف أو سوء الصيانة. يقول أحد الأشخاص الذين يعبرون الطريق بصورة يومية لموقع تلفزيون سوريا إنه يفضل قطع الشارع مباشرة على استخدام جسر المشاة، لأن الصعود والنزول يستغرقان وقتاً أطول بالنسبة إليه.
وهنا يظهر جانب آخر من المشكلة يتعلق بسلوك المشاة أنفسهم، إذ لا يمكن تفسير هجر جميع الجسور والأنفاق بالإهمال الخدمي وحده.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه هذه المنشآت إلى الصيانة والإنارة والرقابة، يحتاج نجاحها أيضاً إلى التزام المشاة باستخدامها، والتزام السائقين بإشارات المرور وممرات عبور المشاة.
لكن مطالبة الناس باستخدام مرفق عام تصبح أكثر صعوبة عندما يشعر مستخدموه بأنه غير آمن أو غير نظيف أو غير مناسب أساساً للعبور.
الاستثمار بدلاً من ترك الأنفاق مهجورة
وسط هذه الشكاوى، يطرح طلاب وسكان في المنطقة مجموعة من الحلول التي لا تقتصر على التنظيف أو الصيانة المؤقتة.
ومن أبرز المقترحات إعادة تأهيل الأنفاق وطرح المساحات التجارية الموجودة داخلها للاستثمار، وفتح أكشاك ومحال مرخصة تضمن وجود حركة مستمرة للمارة والعاملين طوال ساعات النهار وجزء من المساء، بما يقلل من عزلة تلك الأماكن.
كما تشمل المطالب تركيب إنارة دائمة وكاميرات مراقبة عند المداخل والمخارج وفي الممرات الداخلية، وربطها بجهة مسؤولة عن المتابعة، إلى جانب وجود عناصر أمن أو دوريات في محيط الأنفاق التي تسجل شكاوى متكررة.
ويشير أصحاب هذه المقترحات إلى أن مجرد إعادة فتح نفق أو تنظيفه مرة واحدة لن يكون كافياً، في حال عاد بعد فترة قصيرة إلى الظلام والإهمال وإغلاق المحال الموجودة فيه.
أما في المواقع التي يصعب فيها تأهيل الأنفاق أو الجسور سريعاً، فتبرز المطالبة بتأمين بدائل واضحة لعبور المشاة، مثل إشارات مرور فعالة وممرات محددة، مع تطبيق القواعد على السائقين والمشاة معاً.
من يتحمل المسؤولية؟
تكشف الشهادات أن المشكلة لا تملك سبباً واحداً ولا حلاً واحداً. فالجهات المعنية مسؤولة عن توفير بنية تحتية صالحة وآمنة ومضاءة، وعن صيانة الأنفاق والجسور والرقابة عليها ومنع تحولها إلى أماكن مهجورة.
وفي المقابل، لا يمكن فصل حوادث عبور الطرقات الخطرة عن عدم التزام بعض المشاة بالممرات المخصصة لهم، كما لا يمكن ضمان سلامة أي معبر سطحي إذا لم يلتزم السائقون بالإشارات وبحق المشاة في العبور.
لكن المعضلة الأساسية تبقى حين يُجبر الشخص على المفاضلة بين خطرين: نفق يخشى المرور داخله، أو شارع سريع يخشى أن تصدمه سيارة أثناء قطعه.
وبين هذين الخيارين، تبدو الحاجة إلى معالجة متكاملة للأنفاق والجسور وإشارات المرور والإنارة والرقابة، بدلاً من التعامل مع كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة.
فالغاية من نفق المشاة أو جسره ليست مجرد إبعاد الناس عن مسار السيارات، بل منحهم طريقاً يشعرون بأنه أكثر أماناً من الشارع نفسه.






