أنا وسيادة الرائد وشنطة المثقف

تاريخ النشر: 07.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 24.04.2018 | 23:31 دمشق

إنه يوم الخميس موعد المغادرة، والمغادرة في لغة الجيش السوري، هي الإجازة القصيرة التي لا تتجاوز الثماني وأربعين ساعة. جميع طلاب الكلية يقفون أرتالاً منتظمة، وهم يحملون حقائبهم. ولسوء طالعي، سأكتشف بعد قليل بأني كنت الوحيد بين الطلاب الضباط الذي يحمل حقيبة يد صغيرة، بنّية اللون ومن النوع الذي يُحمل عادةً في راحة اليد. كان كل شيء سينتهي كالمعتاد، وسأغادر الكلية بشكل طبيعي، منطلقاً من حلب إلى دمشق، لولا أن سيادة الرائد المسؤول عن دورة الطلاب المجندين، لمحَ حقيبتي، فأشار إليَّ أن أخرج من الصف وأتوجه نحوه.

ما إن وصلتُ أمامه في منتصف ساحة الاجتماع، حتى قام بسرعة خاطفةٍ، ودون أية مقدمات بسحب الشنطة من يدي، وبحركة واحدة (تدعو للإعجاب) مزقها إلى نصفين. على الأرض تناثرت مفاتيحي وهويتي العسكرية وسجائري وبعض القطع النقدية. لم يكتفِ سيادة الرائد بفعلته التي ربما اعتقدَ أنها قد تبدو غريبة للبعض، فقدم للدورة شرحاً نظرياً مُقتضباً: "هاي.. مشان ما حدا يعملّي حالو مثقف. الشنطة هيك بتكون" وأشار بيده ناحية الطلاب الضباط المتطوعين، الذين بدت على ملامح وجوههم علامات الفخر، وربما الشماتة بتلك الكائنات الرخوية التي تُخرِّجها الجامعات.

وأنا ألملم أشيائي المبعثرة على الأرض، التفتُّ إلى من يجب أن يكونوا قدوتي بحسب سيدي الرائد. فوجدت مشهداً بالغ الرزانة. بزيّهم العسكري الخاص بالإجازات، كان الطلاب المتطوعون -ودون أي استثناء- يحملون حقائب "السامسونايت" السوداء برؤوس محلوقة، ووجوه شاحبة لشبان في العشرينيات. كان السيد الرائد محقاً فعلاً، فقد بدوا في مشهدهم (المهيب)، وكأنهم مستشارون عسكريون محترفون في واحد من أهم جيوش بلدان جنوب شرق آسيا.

لم يقلل من قوة صورتهم في ذهني في تلك اللحظة، معرفتي بأن الحقائب لم تكن تحوي سوى بعض الألبسة الداخلية المتسخة. ولا هزّ مهابتهم لدي، ما كان قد علق في ذهني من أحاديثهم عمّا بعد التخرّج. كانت تجمعهم،

"تلميحهم الدائم، الذي لا يخلو من حسد، لما يجنيه أسلافهم الضباط هناك من عمليات التهريب وغيرها"

إضافة للسامسونايت وهي الثابت الأهم في حياتهم، أمنيتان مشتركتان، الأولى حلم الخدمة في لبنان بهدف تسريع بناء مستقبلهم الشخصي، مع تلميحهم الدائم، الذي لا يخلو من حسد، لما يجنيه أسلافهم الضباط هناك من عمليات التهريب وغيرها. أما الثانية فكانت ضراعتهم الدائمة إلى الله سبحانه بأن يديم حافظ الأسد قائداً للأمة.

جمعت أشيائي المبعثرة، وعدت إلى الصف وأنا أحاول توزيعها بشكل عادل على جيوبي الصغيرة. تلك الحادثة المفصلية كانت كافية لجعلي أتخذ قراراً حاسماً بعدم حمل أي شنطة يدٍ تسمح للخيال أن يمارس شططهُ، فأبدو مثقفاً.

شنطة مماثلة تماماً، لكنها سوداء هذه المرة، كانت في يدي عندما دخلت إلى صيدليةٍ يعمل فيها أحد زملاء السجن. كان قد مضى على حادثة الكلية العسكرية قرابة خمسة عشر عاماً، قضيتها بكامل الإخلاصٍ في خدمة الدولة. بعضها في خدمة الجيش الإلزامية، وجلّها في فرع فلسطين وسجن صيدنايا، وفترة قصيرة في وظيفة حكومية كنت أشغلها قبل سجني وقبل حرماني من الحقوق المدنية، وبالتالي من العمل وشرف خدمة الوطن. ويجب ألا يفوتني التنويه هنا، أن الله سبحانه خلال كل تلك الفترة الطويلة الماضية، قد استجاب فعلاً لأمنية الطلاب الضباط الثانية، وأبقى لهم حافظ الأسد قائداً للأمة، وقد يكون حقّقَ أماني بعضهم وكانت خدمتهم في لبنان.

لا أدري بعد كل تلك الفترة ما الذي جعلني أنسى حادثة كلية الشؤون الإدارية، فأخالف قراري وأعود لحمل شنطة مشابهة. كنت أتحدث لصديقي، وأتابع بارتياب النظرات القلقة وغير المفهومة لصاحب الصيدلية، الذي ما لبث بعد لحظات أن اقترب منا. بوجهه الذي كان يوحي ببعض اللطف الزائف، طلبَ من صديقي أن يُعرِّفه عليّ. وما أن لبّى زميل السجن طلب ربّ عمله حتى انفجر الرجل ضاحكاً وهو يقول: " إذا كنت صديقهُ، ليش حامل هالشنطة؟" ولما لمح استغرابي من سؤاله، أردف: "والله ظنيتك مراقب تموين.. ولاد الكلب كل يوم بيمرّوا، وعلى شفط مصاري". ثانية كان عليّ أن أرمي حقيبتي، ولا أعود لحملها أبداً. فأنا لا أرغب أن يعتقد أحد ما، بأني حائزٌ شرف الانتماء لهذه الفئة من الموظفين الحكوميين.

أمس وبعد خمس عشرة سنة أخرى، وبعد أن ناءت جيوبي بما أحمل، وفي اسطنبول (التي أقيم فيها منذ ست سنوات بدوافع سياحية بحتة، وليس كما يمكن أن تأخذكم الظنون) وقفت أمام محل يعرض مصنوعات جلدية.

 "خمّنت فوراً (بما أنني أجهل رمزية الشنطة في اسطنبول) بأنها قد تعطي عني انطباعاً مالا أعرفه، وربما لا أرغبه".

خطر لي أن أدخل وأشتري حقيبة صغيرة، فقد زادت السنوات من مقتنياتي المحمولة. إذ جاءني تقدم السنوات بنظارة القراءة، وجاءتني الحداثة بالموبايل.

قبل أن أدخل المحل، وأقدم على خطوتي المتهورة تلك تذكرت. نعم، تذكرت. ولأن سلوك الإنسان محكوم غالباً بذاكرته، فقد خمّنت فوراً (بما أنني أجهل رمزية الشنطة في اسطنبول) بأنها قد تعطي عني انطباعاً ما، لا أعرفه، وربما لا أرغبه. وقد لا أسلمُ من التصورات الملتبسة التي قد تتولد لدى الأصدقاء السوريين عن حملي للحقيبة. فرغم التغيرات الانقلابية التي شهدتها الشخصية السورية عموماً بعد الثورة، ورغم أن قائد أمتنا قد مات منذ زمن طويل، إلا أنّه، لخبثهِ الشديد، لم يمتْ فينا تماماً بعد.

هكذا مرتبكاً، تابعت طريقي بجيوبي المنتفخة، بعد أن قاومت بصرامةٍ نزوة شراء حقيبتي الثالثة. لكن وقبل أن أصل البيت، فإن فكرةً عبقرية كانت قد انبثقت في دماغي. فكرة مُجرّبة سوف تحلُّ مشكلتي وأكثر. غداً سوف أسأل أين يبيعون حقائب السامسونايت في اسطنبول.