أنا أقبض بالدولار

تاريخ النشر: 18.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:10 دمشق

حديث أبي المراديس

الأشخاص الأسوياء، والدول الطبيعية، والأنظمة السياسية المحترمة، ينظرون إلى الدولار على أنه إحدى العملات النقدية المتوفرة على سطح الكرة الأرضية، ويتعاملون بها بيعاً وشراءً وتصريفاً وتحويلاً وادخاراً دون أي تعليق، بل إن الدولار يتصدر قائمة العملات الصعبة ‏التي لا يستطيع الناسُ (والدولُ) تجاهلَها، أو القفزَ فوقها.

أما النظام السوري، وهو نظام غير محترم كما تعلمون، فقد وضع التعاملَ بالدولار في منزلة واحدة مع اختراق العِرْض، حاشاكم، فإذا أراد إعلام النظام السوري أن يشتم شخصاً ما فإما أن يقول له يا أخو الشرموطة، أو يقول له: يا حقير يا واطي يا متعامل بالدولار!

أنا ابنُ بلدة "معرتمصرين" الواقعة في شمالي إدلب، وهي بلدة مُحَافِظة يفضل الواحدُ من أهلها أن يَطوي ثلاثَ ليالٍ متواصلة دون أي قوتٍ على أن يسمح للنسيم العليل بالهبوب على عِرْض أخته.. وفوق ذلك ابن أسرة مَلَّاك زراعي، تمتلك جرعة إضافية من التشدد تجاه العِرْض، وأخوالي، "بيت الشيخ" ربما يغلبوننا في مضمار التشدد، ولذلك كان من المستحيل أن أكون "أخو شرموطة"، ولكنني أصبحت، في وقت متأخر من حياتي، واحداً من المتعاملين بالدولار.

أمضيتُ القسم الأكبر من حياتي وأنا لا أعرف الدولار، ولم أكن أراه حتى في المنام، وكبرتُ، وترعرعتُ- كما كنا نكتب في الاستمارات الأمنية في الثمانينيات- وأنا أعيش في المدرسة النضالية التي أرساها حافظ الأسد، أبغضُ المتعاملين بالدولار، وأشتمهم، وأزيد من الشتائم فأقول: فلان يتعامل بالـ (بترودولار)، أي بذلك الدولار الخليجي، الرجعي، المرتبط بعجلة الإمبريالية الأميركية حامية حمى الصهيونية العالمية المعادية لقضية شعبنا، وقضية فلسطين.. إلخ.. ولكنني، في أوائل التسعينيات، غيرتُ رأيي بالدولار، وغيرت موقفي منه.

لأن نظام الأسد المقاوم كان يخشى على عقولنا مما ينشر في تلك المجلة من أفكار هدامة، فيمنع بعضَ أعدادها من الدخول إلى سورية

حكاية هذا التغيير هي أنني أرسلتُ قصة قصيرة لمجلة شهرية تصدر في العاصمة المغربية اسمها "الوحدة"، ولم أكن أعرف أن المجلة نشرت قصتي، لأن نظام الأسد المقاوم كان يخشى على عقولنا مما ينشر في تلك المجلة من أفكار هدامة، فيمنع بعضَ أعدادها من الدخول إلى سورية، عرينِ الأسد، وأحياناً يكتفي بتمزيق بعض صفحاتها، وفي كل الأحوال لم تكن تصل إلى مكان إقامتي إدلب.. وفجأة، أخبرني أحدُ الأصدقاء أن المجلة أرسلت لي مكافأة مقدارها 100 دولار مع الرئيس الأزلي لاتحاد الكتاب العرب علي عقلة عرسان، شخصياً!

للتوضيح أقول: كان علي عرسان يشارك في وفود اتحاد الكتاب كلها، حتى ولو كان الوفد مختصاً بأدب الأطفال، أو بالترجمة عن اللغات الشرقية القديمة، وفي إحدى زياراته الوفدية إلى المغرب، أرسلت إدارةُ المجلة معه قائمة بأسماء الكتاب السوريين الذين نشروا مساهمات في المجلة، وقد لجأت المجلة إلى هذا الإجراء نظراً لصعوبة التحويل الإفرادي، وقد سلمني "عرسان" المبلغ بعد أن وقعت له على القائمة المرسلة من محاسب المجلة، بكل أمانة، ولكن الغريب في الأمر هو كيف رضي هذا الممانع المعادي للعملة الإمبريالية الحقيرة أن يحمل الدولارات وينتقل بها بين البلدان ويسلمها لأناس يمتلكون موقفاً مبدئياً من الدولار مثلي أنا؟  

لأن البنك التجاري كان يغتصبُ نسبة لا تقل عن 20 بالمئة من أي شخص تسول له نفسه التعامل مع الدولار

كان مبلغ الـ 100 دولار، في ذلك التاريخ، يساوي نصف راتبي الوظيفي، أنا الجامعي، مما جعلني (أسخسخ) أمامه، وأتلمظ.. وفي الفترة ذاتها شرعتُ أنشر بعض مقالاتي في صحيفة البيان الإماراتية، وكان محاسب "البيان" يصرف مكافآتي بالدرهم، ولكن بنك التحويل الوسيط كان يقلبها إلى الدولار، وأنا كنت أتلقف الشيكات الدولارية مثلما يتلقف الجائع رغيفاً تنورياً ساخناً- على حد تعبير أستاذنا حسيب كيالي- لاسيما أن أي شيك يصل لم يكن مبلغه يقل عن ضعفي راتبي الشهري، فكنت أصرف دولاراتي في السوق السوداء، لأن البنك التجاري كان يغتصبُ نسبة لا تقل عن 20 بالمئة من أي شخص تسول له نفسه التعامل معه، وحينما يمتلئ جيبي بالفلوس، كنت أجخ وأتبرجح، وأملأ خزاني بالمازوت، وقطرميزاتي بالجبن والمكدوس، وأسطواناتي بالغاز المخصص للطبيخ.. 

راتبنا الذي لم يكن، في تلك الأيام، يتجاوز الـ 200 دولار، كان إعلام النظام السوري يعتبره أعطية من أعطيات القائد التاريخي حافظ الأسد، الذي تبين أنه أودع باسم ابنه "الباسل" الذي قتل بحادث سيارة في أواخر سنة 1994،  22 مليار دولار، وكان لدى الباسل عَم فقير، درويش، على باب الله الكريم، اسمه جميل الأسد، تحدث الناس، حينما مات في سنة 2004، عن خلافات بين زوجاته وأبنائه حول تركته التي بلغت خمسة مليارات دولار، فقط، ليس غير.