أميركا تكرس سوريا ساحةً للحرب على إيران

أميركا تكرس سوريا ساحةً للحرب على إيران

الصورة
مقاتلات حربية للجيش الأميركي (إنترنت)
24 أيار 2019

شادي علاء الدين

صحافي وكاتب ومعد برامج تلفزيونية لبناني

تسعى إيران في ظل الحملة الأميركية الخليجية المتصاعدة ضدها، والتي تشهد في كل يوم ارتفاعا في وتيرتها وحدتها، إلى اختيار ساحة التصعيد أو ساحة المعركة وإجبار خصومها على خوض نزالاتهم معهما في تلك الساحة. لا تخرج كل الرسائل التي تبرمجها وتديرها وتوكل إلى حلفائها تنفيذها عن هذا الإطار. الرسالة الصاروخية التي استهدفت المنطقة الخضراء و الرسائل عبر الطائرات من دون طيار التي استهدفت ناقلات النفط في الفجيرة وغيرها، تكشف بشكل واضح أنها تريد خوض المعركة في حال كان لا بد منها خارج أرضها، أو صرف النظر عن محاربتها في ساحة نفوذها الأساسية في المنطقة والتي تمثل أهمية قصوى في تركيب منظومة تمددها أي سوريا.

وفي حين تبقى الضربات الإسرائيلية المتكررة على مواقعها ومواقع حزب الله في إطار محدود ويمكن التعامل معه، ولكن المنحى الجديد للتعامل معها والذي تم وضع أسسه في الرسالة التي وجهها حوالي 400عضو من أعضاء الكونغرس الأميركي إلى الرئيس دونالد ترمب تحدد بشكل لا يقبل الجدل كيفية إدارة الصراع معها وآليات عمله.

الجديد أن مؤشرات الخطر التي تم تحديدها تدرج الإرهاب وروسيا وإيران وحزب الله في صورة موحدة عنوانها فتح معركة مع إيران في سوريا

بينما كانت كل المؤشرات تقول إن إدارة الرئيس ترامب ميالة للخروج من سوريا تحول الأمر إلى إعادة تموضع، وهو مرشح حاليا ليتحول إلى تفعيل الوجود وتعزيزه وتفعيل شراكتها مع القوى الموجودة في الداخل السوري وتمكين قدراتها. كشفت الرسالة عن نية أميركا في البقاء شمال شرق سوريا وتوكيل قوات سوريا الديمقراطية التي تضم 60 ألف مقاتل بسد أي فر اغ يمكن أن يحصل في منطقة شرق الفرات، ما يقطع الطريق على جل عمليات الوصل التي تحاول إيران إقامتها بين لبنان وسوريا والعراق.

وكان لا فتا أن التوصيف الذي قدمته الرسالة للأزمة السورية قد تعامل معها كحالة تتسم بدرجة عالية من التعقيد بعد فترة بدت فيها الإدارة الأميركية ميالة إلى اعتبارها قد قاربت على النهاية مع الإعلان على القضاء على الإرهاب.

الجديد أن مؤشرات الخطر التي تم تحديدها تدرج الإرهاب وروسيا وإيران وحزب الله في صورة موحدة عنوانها فتح معركة مع إيران في سوريا وتوسيع مداها والفرض على كل الأطراف المشاركة فيها. تصنيف روسيا كمشكلة يعود إلى أنها لا تلتزم بالحد من نفوذ إيران كما تم ربط الإرهاب بما تتسبب به إيران من فوضى ميليشوية وتسيب أمني واضطرابات سواء عبر حضورها المباشر أو من خلال شبكة الميليشيات التابعة لها، وأبرزها حزب الله.

ولعل ذكر حزب الله في إطار منفصل عن إيران لا يسعى إلى إقامة تمايز ما بينهما، بل يأتي انسجاما مع شبكة التحرك الأميركي في المنطقة وحركة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد المكوكية إلى لبنان، بهدف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في ظل مرونة لافتة أبداها حزب الله، الذي يحرص حاليا على لعب دور المرشد الاقتصادي للبلد.

وتنطوي هذه الاستراتيجية الأميركية على حرص لـ تحويل أي مغامرة لحزب الله من داخل لبنان إلى عملية انتحارية شاملة

يعني ذلك أن أميركا تسعى الآن إلى تكريس سوريا كساحة للصراع وجر حزب الله وإيران إلى هناك، لأنها تعلم أن سقوط الحضور الإيراني في سوريا سيجعلها عاجزة عن التحرك في كل الميادين.

لا يعني ذلك أن هناك تحييدا للبنان أو خلق وضع خاص له ولكن التعامل معه بالشكل الذي يضمن أمن إسرائيل، ويخلق شبكة من المصالح والتسويات بين مختلف الأفرقاء تفصل بين مسار الانفراجات في لبنان وبين المسار الإيراني أو فكرة فتح العلاقات مع نظام الأسد الذي تعمل على إغراقه بالعقوبات المشددة على غرار إيران.

وتنطوي هذه الاستراتيجية الأميركية على حرص لـ تحويل أي مغامرة لحزب الله من داخل لبنان إلى عملية انتحارية شاملة، تضعه في مواجهة كل الأطراف في البلد، إضافة إلى تفعيل استهدافه في سوريا ليس من قبل إسرائيل وحسب، بل إن ما تشير إليه أميركا يقول إنها تعمل على جعل إيران وحزب الله  هدفا عاما لجل القوى الفاعلة الموجودة في سوريا وأبرزهم روسيا نفسها من خلال ربط شبكة مصالحها في سوريا بشكل محكم بمحاربة النفوذ الإيراني.

الجدية التي تبديها أميركا في محاربة إيران لا تعود إلى صفقات أبرمتها السعودية معها بل تعود بشكل خاص إلى أنها  تحولت إلى المجال الذي يستخدمه منافسوها وخصومها للتحرك ضدها فالصين تعمل على دعم إيران بكل الوسائل الممكنة، وكذلك روسيا التي تحاول استخدام حلفها مع إيران للتفاوض حول شؤون اقتصادية وسياسية تضعط بها على أميركا.

تحولت إيران إلى مشكلة أميركية لذلك يرجح أن تميل الأمور إلى التصعيد الذي يمكن أن يسفر عن مفاوضات شاقة بشروط تضعها أميركا أو عن انزلاق إلى مواجهة يجهز كل من الطرفين ساحاتها التي تناسبه.

تمتلك أميركا قدرة عسكرية ومالية ضخمة وقد اختارت سوريا كساحة لحربها مع إيران، ما يعني أن المأساة السورية وأبعادها مرشحة للتمادي، كما أن إيران لا تهوى أن تشرب كأس السم على أرضها أو وحيدة لذا فإنها في حال بلغت الأمور طريق اللاعودة ستعمل على نشر كؤوس السم الميليشوية على امتداد خريطة المنطقة.

 

شارك برأيك