أميركا بالأبيض والأسود

أميركا بالأبيض والأسود

2020-06-01t000000z_1082793660_rc2n0h99wral_rtrmadp_3_minneapolis-police-protests-washington.jpg
11 حزيران 2020

لم يكن ينقص دونالد ترامب، إلا مشهده رافعاً إنجيلاً ومتوجهاً سيراً على الأقدام إلى أمام كنيسة. ليس المشهد إلا تعبيراً عن الارتكاس الاجتماعي العالمي إلى نوازع عاطفية ومعنوية، بعيدة عما له علاقة بالسياسة كفكرة. وإذا ما أجمع كثر على أن فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2016، هو نتاج لغياب أي بديل لدى الحزبين المتنافسين تاريخياً، وهو دليل عجز سياسي مديد. فإن النتيجة، تقابلها صورة ثابتة أميركياً ترتبط بتحركات مطلبية من قبل السود في سبيل تحصين حقوقهم عند كل أزمة اقتصادية واجتماعية.
 
لذلك، فبعد اندلاع هذه الاحتجاجات لم يكن ترامب بحاجة إلى طرح مشاريع وخطط وأفكار، إنما اللجوء إلى قاعدة أخرى في التعاطي السياسي مع الأزمة، وهو الاستثمار بها إلى أقصى الحدود، مرتكزاً على صورته رافعاً للإنجيل، وعلى تلويحه باستخدام الجيش أو الحرس الوطني. كان يكفي التلويح بهذا المشهد ليستخدم ترامب لعبة أصبحت مشهودة في كل الأصقاع، من بريطانيا إلى نزعات أوروبية أخرى، إلى روسيا وبوتين الذي يقدم نفسه حامياً للروس وللدور الإمبراطوري التاريخي لهم.
 
يشهد الزمن على انهيارات كثيرة للقيمة السياسية كفكرة ومراس. يعبر عنها فشل الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أميركا على خوض صراع سياسي غير قائم على هذا التفريق العنصري، الذي استمر في عهد باراك أوباما إذ لم يتمكن من تمرير أي مشروع من مشاريعه باستثناء الرعاية الصحية.

ما يجري هو جزء من التاريخ الأميركي، فعندما تتأزم أميركا اقتصاديا واجتماعيا، ويتنامى منسوب البطالة، تظهر العنصرية الأميركية بشكل جلّي

ما يجري هو جزء من التاريخ الأميركي، فعندما تتأزم أميركا اقتصاديا واجتماعيا، ويتنامى منسوب البطالة، تظهر العنصرية الأميركية بشكل جلّي. وهو لا ينفصل عن صراع تاريخي قديم بين شمال أميركا وجنوبها، منذ أيام الحرب الأهلية. هو الجرح القديم الذي لم يندمل، ولم ينجح في تحرير السود من النظرة العنصرية وليس فقط من العبودية. الهوة لم تردم، ولم يتم إنشاء المجتمع المنسجم. فتحت قشرة العنصرية ضد السود، هناك صراع يتكامل معه بين التيارات المحافظة المتدينة والإنجيلية ضد التيارات الليبرالية التي تؤيد تحرر السود، والتحرر الجنسي وحق المرأة في الإجهاض.
 
منذ أواخر الخمسينيات، وبعد الحرب العالمية الثانية اتجهت أميركا إلى الانفتاح وأنها الديمقراطية والمعارضة والمحاربة للفاشيات والعنصريات على أراضيها، شهدت صعود طبقة وسطى سوداء وبيضاء. فبدأ السود بأخذ حقوقهم وتحقيق دمج المجتمعات لإلغاء التمييز العنصري القانوني، بالإضافة إلى حقهم بالانتخاب. استمرت الحركة المدنية بعد اغتيال جون كينيدي واستتبعت مع جونسون حيث حققت هذه الحركة المدنية أهم المكتسبات. في ولاية جيمي كارتر حصل هبوط اقتصادي حاد، أدت إلى صدامات كبيرة بين السود والبيض.
 
هو مسار طويل عريض للهوّة الموجودة بين مجتمع السود ومجتمع البيض، في انعدام تساوي الفرص والعدالة الاجتماعية. تنفرز هذه من العنصرية القديمة، فتجعل المجتمع الأسود أقل مستوى من مجتمع البيض. وهذا صراع دائم وامتداد للصراع العنصري. حتى فقراء البيض ومتوسطي الحال في الأرياف، لديهم خوف دائم من استحواذ السود على مكتسباتهم. ما يجري هو تداعيات لظلم تاريخي مستمر منذ سنوات، على الرغم من كل التشريعات التي تلزم بتحقيق العدالة الاجتماعية.

حتماً هو يراهن على الاستفادة من هذه التحركات ومشاهد "الشغب" في الشارع الأميركي، سيستثمر فيها بتقديم نفسه حامي الأميركيين البيض، وهو في الأساس لا ينال أصوات السود
 
في غياب أي قدرة لتحقيق الإصلاح الاجتماعي الحقيقي، الذي يخفت لفترة ويعاود التفجر، تتقدم صورة دونالد ترامب وتلويحه باستخدام الجيش بالمشهد. بينما ليس لدى الديمقراطيين أي طرح جدّي بديل حتى الآن. ثمة قراءة أميركية أن ولايتي أوباما كانتا جزءاً من الوقت الضائع، بنتيجة الخوف من المنظومة الأميركية البيضاء، كما أن الجمهوريين نجحوا في عرقلة مشاريعه. بينما ترامب سيستغل خوف البيض لتجديد ولايته، وقوفه أمام الكنيسة رافعاً الإنجيل، والتهديد باللجوء إلى الجيش واستخدام الحرس الوطني، هو دافع لتخويف البيض أكثر وأن لديهم رئيساً لحمايتهم. كما يحاول استمالة الطبقة الوسطى لأسباب اجتماعية واقتصادية، حتى ولو لم يكونوا عنصريين.
 
الثابت أنه بعد كل موجة من هذه الصدامات، يتقدم الحزب الجمهوري، فالصراع الذي استمر في الستينيات بعد حزمة قرارات إصلاحية لتحقيق المجتمع العظيم، انتهت فيما بعد إلى انتخاب ريتشارد نيكسون الجمهوري اليميني المتطرف، وكذلك في عهد أوباما أول رئيس أميركي أسود، اندلعت موجة احتجاجات من قبل السود في عدد من الولايات كانت مؤسسة لانتخاب دونالد ترامب. يراهن ترامب على نفس اللعبة، وهو الرئيس الذي ما قبل كورونا كان قد حقق أرقاماً خيالية في خفض البطالة بالتاريخ الأميركي. وكانت عودته محسومة إلى البيت الأبيض.
 
حتماً هو يراهن على الاستفادة من هذه التحركات ومشاهد "الشغب" في الشارع الأميركي، سيستثمر فيها بتقديم نفسه حامي الأميركيين البيض، وهو في الأساس لا ينال أصوات السود على الإطلاق، إلا بنسبة ضئيلة منهم لا تتخطى الـ 2 بالمئة. بينما بخطوته الاستثمارية سيدفع بتكتل البيض حوله، والكثير من اللاتينيين والآسيويين أصحاب الخصومة والتنافس التاريخي مع السود. كما يراهن على الاجتماع ما بين الكاثوليك والإنجيليين لدعمه بمواجهة الحزب الديمقراطي وطموحاته. 

 

 

مقالات مقترحة
إصابتان جديدتان بفيروس كورونا في ريف حلب
إصابة العشرات بفيروس كورونا في وادي بردى
نقابة المحامين تحمّل النظام مسؤولية وفاة 15 محامياً بـ"كورونا"
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام