ربما لأنها أجمل قصيدة على الإطلاق، شاء الشعرُ أن يكون يومه العالمي متزامناً مع عيد الأم. فالعبارات هنا، تحتاج بلاغةً لا تكتفي ببسالة الكلمات ومضاء المعنى.. لأنها الأم الكبرى سوريا.. والأم الثائرة التي عانت الأمرَّين طوال سنوات.. الأم الشهيدة واللاجئة والمكافحة من أجل لقمة العيش.. المنذورة للشقاء والصبر، والحنونة العطوف كلما ضاقت بنا الدنيا..
رغم أن هذا اليوم، مخصص للاحتفاء بجميع أمهات العالم، إلا أن أمهات سوريا، يحتجنَ حفاوةً، تربك اللغة وتفتك بالجُمل كل عامٍ، عندما تحل هذه المناسبة المرتبطة أيضاً بالربيع والخصب والتجدد. ترى، هل يفيد تدبيج التشابيه والاستعارات، في الغوص إلى قاع المعنى؟ أم أن نساء سوريا الحرّات، تجاوزن اللغة واكتفينَ بالدلالات الكامنة خلف أمومة الأرض الطيبة؟.
الأم السورية.. أمومة للشقاء والصبر
الأمهات المكافحات في شوارع دمشق، ينقذنَ اللغة من عجزها، وهنَّ جالسات خلف البسطات وأمام الأفران، الحرّات يأكلن بسواعدهنّ، ويربين قبائل الأطفال بثقة.. تقول أم مجد: "ربّيت أبنائي وأحفادي من وراء هذه البسطة، بعد أن مات رب العائلة". لا تخفي تلك المرأة غصتها، عندما تتذكر ابنها الشهيد، لأن "من خلف ما مات".. ونسألها عن مناسبة عيد الأم، وكيف يحتفي بها أبناؤها وأحفادها، فتبتسم وهي تؤكد: "أنا من يحتفي بالجميع.. ويكفيني أن يبقوا بخير".
في سوق الفحامة، الباعة هنا معظمهم نساء يتقن صنع مواد المؤونة، ويحفظن أسماء الأعشاب التي يقطفنها من جرود القرى.. هل تعرف كم يعذبنا قطف "السلبين أو العكوب"؟ تقول أم أحمد، وهي تفرد كفيها، كي تظهر آثار "المنكوش" بسبب الحفر في الأرض.. الأمومة تبدو منحوتة بالسكين عند هذه المرأة.. وتضيف: "عشنا مع البساطة، ونادراً ما نحتفي بالمناسبات، لأن الأمومة حدث يومي مستمر لا يتوقف".
لا يتفاجأ الزائر، وهو يسمع القصائد، تتدفق بعفوية في إجابات النساء العاملات.. حيث تقضي أم محمد، كامل يومها أمام الفرن، وهي تبيع ربطات الخبز، لتكسب قليلاً مما يسدّ الرمق.. تقول: "الأطفال صغار، وراتب واحد لا يكفي.. جميع أفراد العائلة يعملون كي نعيش". هكذا نستحي أن نقول لأم محمد: "كل عام وأنت بخير"، فالعبارة تبدو ضيقة جداً، أمام وساعة ما نراه.. وإلى متى ستبقين تبيعين الخبز في الشوارع؟ فتبتسم وتجيب: "طالما هناك خبز مطلوب للعيش، سأبقى..".
"يا دلّو اللي ما عنده أم".. العبارة تخرج قاسيةً عندما تنطقها أم محمد، التي خبرت اليتم والشقاء جيداً، "لكن الكثيرين لا يعرفون قيمة هذا الكنز، إلا عندما يفقدونه". هكذا تختصر حديثها، قبل أن تمضي لالتقاط الرزق.
أمهات سوريا.. فقر وعمل وتربية أطفال
تكبّدت أمهات سوريا، الكثير من الخسائر، منذ بداية الثورة قبل 15 عاماً. وخلال هذه المدة، أضافت نساء سوريا، مهمات كثيرة إلى وجودهنّ، وربما كانت أمهات الشهداء، الأكثر أسى وألماً.. إحداهنّ تعرفت إلى رفات ابنها في المقبرة الجماعية، من سترته التي كان يرتديها قبل أعوام عندما اختفى.
اضطرت الأمهات لمغادرة المنزل بسبب الدمار، فأصبح بعضهنّ لاجئات في البلد.. واختار بعضهن الآخر، مغادرة البلاد لأن الغربة في الخارج أخف عبئاً من البقاء.. وكثيرات فقدن كل ما يملكن، من أجل مساعدة أبنائهن على تأمين تكاليف السفر، وهنّ اليوم وحيدات، يكتفين باتصال يأتيهنّ كل أسبوع من "ضنى القلب"، مع قليل من المصروف الشهري. فأي نساء أولئك اللواتي يتحملن الفقر ويعملن ويربين الأبناء ويؤمنّ مستقبل الشباب؟.
تقول أم ياسر: "أديت الرسالة على أتم وجه.. صحيح أنني أعيش وحيدة اليوم، لكن وجود أبنائي في الخارج، يجعلني أكثر اطمئناناً عليهم".
أمهات سوريا، ذاكرة كاملة وغنية، تحتاج إلى توثيق، حتى تتحول لمرويات يتناقلها الأبناء فلا تندثر.. "كيف تلقيت نبأ استشهاد ابنك؟ وهل لديك أمل بأن يعود المفقود؟ المسافرون من الأبناء، هل سيعودون، كي يكونوا قرب أمهاتهم وهي تشيخ؟". أسئلة كحد السكين، تتلقفها أمهات سوريا، حيث الصبر قدر، والتمسك بالأمل خيار.
تكتفي أمهات سوريا، بالضمّة والكلمة الطيبة والاطمئنان على فلذات أكبادهن، في عيد الأم.. تقول أم ياسر: "عيدنا ومعايداتنا، هي أن يبقوا بخير"، هكذا تختصر "ست الحبايب" سيرة أحبتها من الأبناء والأحفاد.. إنهنّ أمهات سوريا.

