تستعد فرنسا لتوقيع اتفاق مباشر مع السلطات السورية لتسليم نحو 32 مليون يورو من عائدات بيع ممتلكات رفعت الأسد المصادَرة، مع استمرار عمليات بيع أخرى قد ترفع القيمة النهائية للأموال المستردة.
وأكدت مصادر دبلوماسية فرنسية أن المبلغ المتوافر حالياً يناهز 32 مليون يورو، نتج عن بيع جزء من الأصول التي صادرتها السلطات الفرنسية بعد إدانة رفعت الأسد بقضايا تتعلق بالكسب غير المشروع وتبييض الأموال. وأوضحت أن عمليات بيع ممتلكات أخرى لا تزال جارية، ما يعني أن الرقم النهائي لم يُحسم بعد.
وأدانت محكمة فرنسية عام 2020 رفعت الأسد، عم رئيس النظام المخلوع، بتهم تتعلق بتكوين ثروة عقارية ضخمة في فرنسا بطرق غير مشروعة، تشمل فنادق وقصوراً وعقارات فاخرة. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم لاحقاً، وصادرت الدولة الفرنسية الممتلكات المعنية. وذكرت وكالة "فرانس برس" حينها أن قيمة الأصول المصادَرة قُدرت بعشرات ملايين اليوروهات.
وأبدت باريس استعدادها لتحويل الأموال إلى الجانب السوري عبر اتفاق رسمي، على أن تُحدَّد آليات استخدامها بشكل واضح وشفاف. وأشارت المصادر إلى أن القانون الفرنسي يفرض إجراءات صارمة لضمان تتبع الأموال المستردة من قضايا الفساد، والتأكد من توظيفها في مجالات تخدم المصلحة العامة.
وأكدت أن النقاش لا يقتصر على تسليم الأموال، بل يشمل كيفية إدارتها والجهة الوطنية التي ستتولى الإشراف عليها، وفق ما تقرره السلطات السورية. وأضافت أن باريس تشترط وضوح آليات الصرف والرقابة قبل إتمام أي تحويل مالي.
دعم مسار العدالة الانتقالية
ناقشت فرنسا مع ممثلين عن المجتمع المدني السوري ومسؤولين سوريين مقترحات تتعلق بتخصيص جزء من الأموال لدعم مسار العدالة الانتقالية. وتركزت المحادثات على تحديد الأولويات التي ترى الجهات السورية أنها ملحّة في هذا المجال.
وتشمل هذه الأولويات دعم جهود توثيق الانتهاكات، وتعزيز قدرات المؤسسات القضائية، وتمويل برامج جبر الضرر للضحايا. وأشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن ملف المحاسبة والعدالة الانتقالية يشكل أحد أبرز التحديات في سوريا بعد سنوات من النزاع.
وأكدت المصادر أن باريس استمعت إلى مقترحات متعددة، ولم تفرض تصوراً جاهزاً، بل طلبت من الجانب السوري تحديد المجالات ذات الأولوية. ولفتت إلى أن قطاعات أخرى طُرحت للاستفادة من الأموال، من بينها الزراعة، بوصفها قطاعاً حيوياً يمكن أن يساهم في دعم الأمن الغذائي وتحريك الاقتصاد المحلي.
ملف المقابر الجماعية والتعاون التقني
بحث الجانبان أيضاً ملف المقابر الجماعية، الذي يشكل أحد أعقد ملفات ما بعد النزاع. وأعربت السلطات السورية خلال لقاءات أخيرة عن حاجتها إلى تدريب متخصص وأدوات تقنية متقدمة للتعامل مع هذا الملف.
وعرضت فرنسا تقديم خبرات تقنية في هذا الإطار، تشمل دعم القدرات المخبرية، وتوفير تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الواقع المعزّز للمساعدة في تحديد مواقع الدفن وتحليل البيانات.
وأكدت المصادر أن هذا التعاون سيجري ضمن إطار تقني بحت، ويهدف إلى دعم جهود الكشف عن مصير المفقودين وتحديد هويات الضحايا. وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى وجود آلاف المفقودين في سوريا، ما يجعل ملف المقابر الجماعية أولوية إنسانية وقضائية.
وسبق أن دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التابعة للأمم المتحدة، إلى الحفاظ على المقابر الجماعية وحمايتها، وضمان إجراء تحقيقات مهنية وفق المعايير الدولية.
مجلس الأعمال السوري–الفرنسي واستكشاف فرص الاستثمار
على الصعيد الاقتصادي، أُسس مجلس الأعمال السوري–الفرنسي، ويعمل حالياً على تعزيز التواصل بين رجال الأعمال في البلدين. وأكدت المصادر أن المجلس يشكل منصة لتبادل المعلومات واستكشاف فرص الاستثمار في المرحلة المقبلة.
ونسقت باريس مع الجانب السعودي في هذا السياق، نظراً إلى وجود شركات فرنسية تنشط في المملكة العربية السعودية، وإبداء اهتمام بتطوير أنشطة استثمارية مشتركة في سوريا. وأشارت إلى أن التعاون الثلاثي قد يفتح المجال أمام مشاريع في قطاعات محددة.
وأكدت أن فرنسا تمتلك خبرات يمكن توظيفها في قطاعات ذات أولوية، لا سيما الصحة والزراعة. وأوضحت أن أي عودة واسعة للاستثمار الفرنسي ترتبط بعوامل عدة، في مقدمتها تحقيق استقرار عام، وتعزيز سيادة القانون، وضمان بيئة اقتصادية مستقرة.
وشددت على أهمية الاستقرار النقدي ودور البنك المركزي في إدارة السياسة المالية، إضافة إلى وضوح القوانين الناظمة للاستثمار. ولفتت إلى أن باريس تعمل على طمأنة الشركات الفرنسية بأن العقوبات الأوروبية رُفعت، وأن سوريا بدأت تعود تدريجياً إلى المنظومة الاقتصادية العالمية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن في مراحل سابقة تخفيفاً تدريجياً لبعض القيود المرتبطة بأنشطة إنسانية واقتصادية، مع الإبقاء على أطر قانونية تنظم التعاملات المالية. وأكد مسؤولون أوروبيون، وفق ما نقلت وكالة "رويترز"، أن أي انخراط اقتصادي أوسع سيبقى مرتبطاً بتطورات المسار السياسي واحترام المعايير القانونية.
اشتراط الشفافية وتحديد الجهة المشرفة
يركز النقاش الحالي بين باريس ودمشق على تحديد الجهة الوطنية التي ستدير الأموال المستردة، وضمان خضوعها لآليات رقابة واضحة. وأكدت المصادر أن الجانب الفرنسي لن يحول المبلغ إلا بعد الاتفاق على إطار قانوني يضمن الشفافية والمساءلة.
وأوضحت أن التجربة الفرنسية في إدارة الأموال المصادَرة من قضايا الفساد تعتمد على تخصيصها لمشاريع تخدم السكان، مع تتبع مسار الإنفاق وتقديم تقارير دورية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يتعلق باسترداد أموال مرتبطة بقضايا فساد عابرة للحدود، إذ تسمح القوانين الفرنسية بتوجيه العائدات إلى البلدان المتضررة، شريطة وجود ضمانات كافية.
وتفتح عملية تسليم أموال رفعت الأسد الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون المالي والتقني بين باريس ودمشق، مع بقاء مصير المبلغ النهائي رهناً باستكمال بيع الأصول المتبقية، والتوصل إلى اتفاق واضح حول أوجه الصرف وآليات الإشراف.