وقف الفلاح أحمد العزة فوق الأرض المتشققة في حقول القمح الذاوية القريبة من مدينة دير الزور التي طالها تدمير شديد، وأخذ يتفحص ما تبقى من الموسم الذي فسد.
أكوام مبعثرة من الحبوب المحصودة تناثرت بين مساحات قاحلة من الأرض. ومن حظيرة الحيوانات المجاورة لبيته المستأجر، يأتي صوت ثغاء الخراف ذاوياً، مثله مثل الأرض، ما يوحي بأنها تعاني من نقص واضح في التغذية، وماتزال رائحة الذبح تفوح في الأجواء.
يعلق العزة على ذلك بالقول: "إن أغنامي وحقولي تعاني من الجفاف، فقد خرب الموسم".

انحسار المياه في قنوات الري بمنطقة الرقة التي تعتبر إحدى المناطق المنتجة للقمح في سوريا
تاريخ الصورة: 6 حزيران 2025
بعد أن كانت منطقة دير الزور حجر الزاوية في إنتاج القمح بسوريا، أصبحت اليوم تقف كمثال جلي على تراجع الحياة الريفية بسبب الحرب وضغط المناخ وإهمال الدولة، فقد أوصلت سنوات من الجفاف الحاد مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في سوريا إلى حافة الانهيار. أما نهر الفرات الذي كان في زمن من الأزمان شريان الحياة بالنسبة للزراعة المحلية، فقد تراجع منسوب مياهه بشكل كبير، مخلفاً قنوات ري جافة ومهدداً أرزاق الناس بالفناء.
وهذا ما جعل فلاحين مثل العزة يعانون لتأمين أبسط المقومات، وجعل سوريا تسعى للبحث عن سبيل لاستعادة إنتاجها الغذائي الذي كان وفيراً وسط الركام الذي خلفته الحرب.
شح في المياه في ظل الحرب
يزرع الفلاحون في منطقة دير الزور القمح القاسي والطري والشعير، وجميع هذه الأنواع تعتمد على الري بشكل كبير، ومعظم محاصيل الفلاحين هناك تشتريها الحكومة السورية والتجار العرب، كما تباع من حين لآخر لمشترين كرد في شمال شرقي سوريا المستقل ذاتياً. وبوسع الفلاح أن يزيد مدخوله من خلال بيع المواشي.
سنة إثر سنة، أضحت أرقام مبيعات أحمد العزة ضئيلة، وهي بذلك تعكس الصورة الكاملة، فقد هبط إنتاجه من القمح ليصل إلى 50 كيلوغراماً فحسب للدونم الواحد خلال هذا العام، أي ما يعادل سدس محصول الموسم الماضي، وهذا يعني أنه سيحصد 1100 رطلاً فقط من القمح من كامل أرضه التي تعادل مساحتها عشر دونمات.
أما الدخل الذي يحصله من خلال المواشي فقد انهار هو أيضاً، إذ خلال العام الماضي تمكن من بيع 50 حيواناً بقيمة ثلاثة ملايين ليرة سورية عن كل رأس، ولكنه خلال هذا العام لم يبع سوى 40 رأساً، وبقيمة تقل عن السعر القديم بكثير. ويشرح لنا الوضع بقوله: "لم يشتر أحد صغار الأغنام المولودة حديثاً لأنها هزيلة جداً، كما تراجعت الأسعار كثيراً بسبب التقلبات في سعر الصرف بين الليرة السورية والدولار".
ومع ازدياد الجفاف ووصول أسعار الأعلاف لمستويات قياسية، أعلن العزة هو وغيره من مربي المواشي عن عجزهم عن تأمين العلف، كما أن الوصول إلى المراعي خطر، لأن رعي المواشي للأعشاب القليلة الغنية بالمواد الغذائية والتي تنمو في سهوب منطقة البادية القريبة يهدد تلك الحيوانات بالدوس على أحد الألغام الأرضية التي زرعها النظام البائد وحلفاؤه.
عين علي العلوش منذ فترة قريبة مديراً لمديرية الزراعة بدير الزور، فأكد لنا هذا الرجل بأن الجفاف الذي ضرب سوريا هذا العام خلف أضراراً كبيرة على المحاصيل والمواشي في هذه المنطقة التي أهملت منذ أمد طويل، بل حتى موسم عيد الأضحى لم يحقق أي تحسن، ولذلك يقول: "صار الرعاة يبيعون أغنامهم بأسعار زهيدة".
يخبرنا الدكتور علوش بأن القمح في سوريا يزرع عادة في شهر كانون الأول ويحصد في حزيران وتموز، ولكن موسم الزراعة الفائت لم يكن موسماً مضموناً بعد الإطاحة بنظام الأسد. والأشهر التي أعقبت ذلك كانت الأرض فيها بحاجة للسقاية من خمس إلى ست مرات، وهذا ما عجز الفلاحون عن تأمينه، إذ بسبب انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار الوقود لمستويات غير مسبوقة بات من شبه المستحيل تشغيل مضخات المياه المتوفرة، كما أن معظم الفلاحين يزرحون بالأصل تحت وطأة الديون.

فلاحون سوريون يستعينون بحصادة في موسم الحصاد الذي أتى بمحصول متواضع
تاريخ الصورة: 6 حزيران 2025
ومما زاد الوضع سوءاً شح الهطولات المطرية خلال هذا العام، إذ لم يهطل على سوريا سوى 95 مليمتراً من المطر خلال الربع الأول من عام 2025، لتكون تلك النسبة هي الأدنى منذ عام 1997، كما أنها أقل بكثير من متوسط الهطول المطري ما بين عامي 1989-2015 والذي وصل إلى 165 ملم، بحسب ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والتي حذرت من الأضرار التي يمكن لهذا الجفاف غير المسبوق أن يخلفها على أرزاق نحو 16 مليوناً من السوريين.
كما أورد تقرير نشرته مؤخراً منظمة Mercy Corps الإنسانية غير الربحية، بأن: "الإنتاج الزراعي تراجع في عام 2022 بنسبة 82% مقارنة بموسم الزراعة في عام 2020".
سلة خبز قاحلة
يمثل الشح الزراعي أحد جوانب التراجع الكبير الذي حدث على مدار فترة طويلة من الزمن بحسب رأي الدكتور علوش الذي قال: "منذ بداية الثورة في عام 2011، هبط إنتاج القمح بشكل مطرد، ولم تعد الحكومة تهتم بالزراعة بل ركزت بشكل أساسي على الأمور العسكرية... كما شهدنا إخلاء كثير من القرى بسبب ممارسات النظام أو تنظيم الدولة، وهكذا نزح الأهالي من معظم أنحاء مدينة دير الزور وريفها".
يحدثنا عن ذلك أحمد السليمين المتخصص بزراعة القمح فيقول: "كانت سنة 2010 آخر سنة خير، فقد كان الماء يصلنا من دون انقطاع، أي لم يكن تأمين الماء مصدر قلق بالنسبة لنا، لكني خسرت أموالاً طائلة على مدار سنين طويلة، وبقيت أزرع وأخسر مزيداً من الأموال، لدرجة اضطررت معها إلى بيع أرضي لأسدد ديوني ولآكل".
يقع ثلثا المناطق التي تنتج الحبوب في سوريا ضمن منطقة الشمال الشرقي حيث يسيطر الكرد، أما الثلث الأخير فيقع ضمن منطقة دير الزور التي تسيطر عليها دمشق لكنها من المناطق القصية التي طالها أشد التدمير خلال الحرب، ويخبرنا عنها محمود، شقيق أحمد، فيقول بإنها: "كانت تعرف بسلة الخبز" ومحمود فلاح يزرع الشعير، ويصف لنا الموسم بأنه كان: "سيئاً بل غاية في السوء، من ناحية المياه والأسمدة والبذور"، وتعتبر مشكلة المياه أخطر مشكلة، لأن انقطاعها جعل إنتاج حقول الشعير لديه يهبط إلى السدس.
يعتزم محمود، وهو أب لخمسة أولاد، أن يواصل عمله في الزراعة نظراً لعدم وجود فرص عمل أخرى، ويعلق على ذلك بقوله: "إن حسبت ما أستثمره في الأرض فإني أخرج صفر اليدين، وهذه هي السنة الرابعة التي نضحك فيها على أنفسنا باعتقادنا بأن الأمور ستتحسن في نهاية المطاف".
من يزاولون الزراعة اليوم هم إما ملاك أراض لم يرحلوا عنها أصلاً، أو عائدون استأجروا تلك الأراضي، أما التعامل مع السوق فيعتبر تحدياً بحد ذاته، بما أن بيع الحبوب أصبح منذ عام 2024 يحتاج لشهادة رسمية.
إحياء قطاع الزراعة
في السابق، كانت سوريا دولة مكتفية بما تنتجه من القمح، واليوم تتحدث السلطات المحلية الجديدة عن رغبتها بالعودة إلى ذلك الوضع، ولذلك فإن خطط المسؤولين تشتمل على الترويج لبذور قمح مقاومة للجفاف من أجل موسم الزراعة المقبل، مع تحديث نظم الري، كما يعتزمون شراء أدوات تعمل على تسوية الأرض بالليزر، كونها تساعد على تحديد الانحدار الأمثل للتوفير في استخدام المياه.
وتتضمن أولويات تلك المنطقة إعادة تأهيل التربة التي تعاني من التملح، والتوسع في الأراضي المزروعة بالقمح، بحسب ما ذكر الدكتور علوش الذي يتمنى من الفلاحين أن يعتمدوا تقنيات مثل الري بالتنقيط وذلك عبر الاستعانة بأنابيب ترش الماء بكميات محددة، إلى جانب التخلي عن طريقة الري بالغمر التي ماتزال منتشرة، والتي تهدر من خلالها القنوات المفتوحة كميات كبيرة من المياه المتوفرة.
ويعلق علوش على الأوضاع بقوله: "إن الناس يعودون بالتدريج إلى أراضيهم وحقولهم، وهذا ما ينذر بتحسن الأمور".
المصدر: The Christian Science Monitor