وفق تقرير أصدرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تراجعت حركة عودة اللاجئين السوريين خلال الربع الثاني من عام 2026 إلى أقل من نصف العدد المسجل في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، في وقت أظهرت فيه بيانات المفوضية أن غالبية العائدين يعتزمون البقاء في مناطقهم، لكنهم يواجهون صعوبات ترتبط بالعمل والسكن والخدمات والوثائق.
وجاءت هذه النتائج في تقرير "الحماية وإعادة الاندماج" الذي أصدرته المفوضية في 4 آب، بالاستناد إلى 9038 مقابلة أسرية أجراها 12 شريكاً في المحافظات السورية الأربع عشرة و157 ناحية خلال الربع الثاني من 2026. وشكّل اللاجئون العائدون 52 في المئة من الأسر المشمولة، والعائدون من النزوح الداخلي 26 في المئة، وأفراد المجتمعات المضيفة 22 في المئة.
عودة أبطأ بعد الموجة الأولى
استندت المفوضية إلى أرقام الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية للقول إن أكثر من 1.7 مليون لاجئ عادوا إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024. وسجّل الربع الأول من 2026 أكثر من 268 ألف عودة، مقابل نحو 131 ألفاً في الربع الثاني، وهو ما وصفته المفوضية بأنه تباطؤ في وتيرة العودة.
وأظهرت خريطة أحدث نشرتها المفوضية أن عدد اللاجئين العائدين بلغ مليوناً و747 ألفاً و668 شخصاً حتى 23 تموز 2026. وبحسب تقرير الربع الثاني، قدم 40 في المئة من العائدين منذ كانون الأول 2024 من لبنان، و39 في المئة من تركيا، و17 في المئة من الأردن، في حين توزعت النسبة الباقية على العراق ومصر ودول أخرى.
ولا تتطابق أرقام عبور الحدود بالضرورة مع أعداد العائدين بصورة دائمة. فقد نقل تقرير المفوضية عن السلطات السورية عبور 739 ألفاً و183 شخصاً من لبنان إلى سوريا بين آذار وموعد إعداد التقرير، بينهم 581 ألفاً و409 سوريين، لكن 134 ألفاً و940 فقط من السوريين المسجلين على الحدود، أي 23 في المئة، أفادوا بأنهم ينوون العودة الدائمة.
وعزت المفوضية قرار عودة اللاجئين الذين قابلتهم إلى تحسن الوضع الأمني بنسبة 57 في المئة، ولمّ شمل الأسرة بنسبة 55 في المئة، واستعادة المسكن أو الأرض أو الملكية بنسبة 41 في المئة. كما قال 36 في المئة إن سقوط النظام كان من العوامل المؤثرة في قرارهم، و20 في المئة إن الوصول إلى الخدمات الأساسية أسهم في القرار.
رغبة في البقاء مع اتساع دائرة التردد
خلال الربع الأول، قال 82 في المئة من اللاجئين العائدين والعائدين من النزوح الداخلي إنهم يعتزمون البقاء في مناطقهم. وفي الربع الثاني، تراجعت النسبة إلى 78 في المئة بين اللاجئين العائدين و79 في المئة بين العائدين من النزوح الداخلي. في المقابل، أبدى نحو سدس المشاركين عدم تأكدهم من خططهم خلال الأشهر الستة التالية للمسح.
وسجل المسح، في المقابل، تحسناً في تقييم الأمان الشخصي. إذ قال 83 في المئة من اللاجئين العائدين إنهم يشعرون بالأمان ليلاً ونهاراً، مقارنة بـ77 في المئة خلال الربع الأول. وارتفعت النسبة بين العائدين من النزوح الداخلي من 69 إلى 73 في المئة، وبين أفراد المجتمعات المضيفة من 51 إلى 61 في المئة.
وتتقاطع هذه النتائج مع "مؤشر مجتمعات العودة" الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة في حزيران، استناداً إلى بيانات جمعها 372 باحثاً ميدانياً من 19 ألفاً و275 مخبراً مجتمعياً في 3898 موقعاً بين 5 نيسان و10 أيار.
وصنّف المؤشر ظروف السلامة والأمن بأنها "ملائمة إلى حد كبير" بمتوسط 3.9 من خمس درجات، وقال إن الحركة لم تكن مقيدة في 92 في المئة من المجتمعات المشمولة. لكنه رصد ألغاماً أو ذخائر غير منفجرة في 29 في المئة من المواقع، وعدم وجود عمليات لإزالتها في 60 في المئة من المواقع الملوثة.
وشددت المنظمة على أن بياناتها تعكس تقديرات المخبرين المجتمعيين خلال فترة الجمع، وقد تتأثر بالمعلومات الناقصة أو الآراء الشخصية، كما لا تشمل التطورات اللاحقة في كل موقع.
أظهر مسح مفوضية اللاجئين أن البطالة كانت أكثر انتشاراً بين اللاجئين العائدين مقارنة بمجمل المشاركين في سن العمل؛ إذ طالت قرابة أربعة من كل عشرة عائدين، مقابل نحو الثلث بين عموم المشاركين.
وكانت النساء الأكثر تأثراً، إذ بلغت البطالة بينهن 39 في المئة، مقابل 28 في المئة بين الرجال. وفي مؤشر منفصل، قالت أكثر من ثلث النساء إن العمل المنزلي غير المدفوع يشكل نشاطهن الأساسي.
السكن بين الدمار وكلفة الترميم
وضع اللاجئون العائدون في مسح المفوضية محدودية السكن في مقدمة موانع العودة بنسبة 43 في المئة، تلتها محدودية البنية الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه، بنسبة 37 في المئة. وأشار 28 في المئة إلى نقص الموارد اللازمة للعودة، والنسبة نفسها إلى المخاوف الأمنية.
ووجدت المنظمة الدولية للهجرة أن 40 في المئة من المواقع التي قيّمتها تضم مساكن مدمرة أو متضررة بشدة. وفي نحو 70 في المئة من المجتمعات التي سجلت دماراً كبيراً، لم تكن عمليات إعادة البناء قد بدأت عند إجراء التقييم. وقالت المنظمة إن الإصلاحات في المواقع الأقل تضرراً كانت في الغالب ممولة من السكان أنفسهم، ولذلك ارتبطت قدرة الأسرة على إصلاح مسكنها بدخلها ومدخراتها وشبكات الدعم المتاحة لها.
ويقدر البنك الدولي قيمة الأضرار المباشرة في المباني السكنية السورية بنحو 33 مليار دولار حتى نهاية 2024، وكلفة إعادة بنائها بنحو 75 مليار دولار. وجاء ذلك ضمن تقييم قدّر إجمالي احتياجات إعادة إعمار المباني والبنية التحتية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، مع تركّز الأضرار الأكبر في حلب وريف دمشق وحمص.
خدمات ومساعدات لا تصل إلى الجميع
قالت مفوضية اللاجئين إن 33 في المئة من الأسر التي شملها مسح الربع الثاني حصلت على مساعدة إنسانية، مقارنة بـ45 في المئة في الربع الأول، بينما ارتفعت نسبة غير القادرين على الوصول إلى الدعم من 55 إلى 67 في المئة. وأرجع غير المستفيدين ذلك إلى عدم توفر الخدمة بنسبة 63 في المئة، ونقص المعلومات بنسبة 31 في المئة، وغياب الجهات المقدمة للخدمة بنسبة 24 في المئة.
وفي إحاطة أمام مجلس الأمن في 21 تموز، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن 15.6 مليون شخص في سوريا ما زالوا يحتاجون إلى مساعدة، وإن عودة الأسر ليست نهاية المسار، لأن كل أسرة عائدة تحتاج إلى الأمان والخدمات وما يساعدها على البقاء. ودعا المكتب إلى وصل الإغاثة بإعادة تأهيل المساكن والمدارس والمرافق الصحية وشبكات المياه وفرص العمل.
وأظهرت تداعيات نقص التمويل حجم الفجوة في الخدمات. فقد نقلت "رويترز" في أيار عن برنامج الأغذية العالمي أنه خفّض المستفيدين من مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص، وأوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يصل أثره إلى أربعة ملايين شخص يومياً، بسبب نقص التمويل.
قرار العودة من دون معاينة سابقة
قال 78 في المئة من اللاجئين العائدين الذين شملهم مسح المفوضية إنهم لم يزوروا سوريا قبل العودة. وأفادت المفوضية بأن كثيراً من القرارات اعتمد على معلومات الأقارب والمجتمع المحلي ووسائل التواصل ومصادر غير مباشرة. ومن بين الذين أجروا زيارة مسبقة، قال 88 في المئة إن الزيارة أثرت في قرار العودة الدائمة.
وتؤيد دراسة منفصلة أجرتها المفوضية في لبنان خلال حزيران أهمية المعلومات المسبقة. واستندت الدراسة إلى مسحين تمثيليين شمل كل منهما نحو 800 لاجئ، و16 جلسة نقاش شارك فيها 149 لاجئاً، إضافة إلى مقابلات حماية ومراقبة حدودية.
وبحسب الدراسة، قال 7 في المئة فقط من اللاجئين السوريين الباقين في لبنان إنهم ينوون العودة خلال 12 شهراً، مقابل 62 في المئة لا يعتزمون ذلك و31 في المئة لم يحسموا قرارهم. وحدد المستجيبون غياب المأوى بنسبة 38 في المئة وغياب سبل العيش بنسبة 32 في المئة بوصفهما أبرز رادعين. ومن بين الذين كانوا يفكرون في العودة ثم غيروا قرارهم، قال 36 في المئة إن معلومات وصلتهم عن الظروف المعيشية داخل سوريا أسهمت في التراجع.
وفي الأردن، أوردت وثيقة اعتمدتها المفوضية الأوروبية في 29 تموز، نقلاً عن أحدث مسح لنوايا اللاجئين أجرته مفوضية الأمم المتحدة، أن 80 في المئة من السوريين المسجلين الباقين في المملكة يخططون للبقاء خلال الأشهر الاثني عشر التالية، بسبب نقص الوثائق وعدم الاستقرار الاقتصادي وعدم وضوح الظروف داخل سوريا.
إجراءات حكومية ودولية معلنة
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 10 آذار المرسوم رقم 59 لعام 2026، ونص على تشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث لإعادة تهيئة البنية التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة السكان، ورفع مستوى الخدمات في مناطق النزوح الداخلي.
وفي أيار، قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي إن العودة ينبغي أن تكون "طوعية وآمنة وكريمة"، وإن تحقيق ذلك يتطلب دعماً لأولويات التعافي الحكومية، ولا سيما إعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما قالت المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في سوريا سيلين شميت، في تصريحات نقلتها "سانا" في كانون الثاني، إن المفوضية تدعم العائدين بالنقل والمنح النقدية والاستشارات الخاصة بالوثائق المدنية والصحة النفسية والمأوى وسبل العيش عبر شبكة من المراكز المجتمعية، مع ربط نطاق المساعدة بالقدرات والتمويل المتاحين.
وبحسب البيانات المنشورة، تجمع تقارير المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي على أن تحسن الأمان ولمّ شمل الأسر ساهما في حركة العودة، في حين بقيت الوظائف والسكن والخدمات والوثائق عوامل تحدد قدرة العائدين المشمولين بهذه الدراسات على الاستقرار. وتظهر الأرقام أيضاً أن تباطؤ العودة لا يلغي رغبة غالبية من عادوا في البقاء، لكنه يتزامن مع ارتفاع محدود في نسبة المترددين وتراجع الوصول إلى المساعدات خلال الربع الثاني.






