أطفال سوريا في خطر.. أزمة صحية تهدّد مستقبل التنمية

2025.10.21 | 20:34 دمشق

آخر تحديث: 21.10.2025 | 20:34 دمشق

45464
+A
حجم الخط
-A

أظهرت دراسة سورية منشورة عام 2025 أن نحو ربع الأطفال بين عمر سنة إلى خمس سنوات يعانون من فقر الدم، وأن حوالي الثلث يعانون من نقصٍ في النمو [1]. كما بيّنت الدراسة وجود علاقة وثيقة بين نقص النمو من جهة، والفقر والجهل من جهة أخرى.

فبعد أكثر من عقدٍ من الصراع في سوريا، تتكشف ملامح أزمةٍ صحيةٍ جديدة تُضاف إلى سلسلةٍ طويلةٍ من التحديات التي تواجه البلاد اليوم.

في هذا التقرير، سنستعرض أبعاد هذه الأزمة الصحية، ونحلّل تبعاتها الصحية والاقتصادية، ثم نقترح حلولًا واقعيةً ومستدامةً مستندةً إلى تجارب دولية ناجحة، علّها تحفّز الجهات المعنية في سوريا لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشكلٍ عاجل.

أولًا: حجم المشكلة الصحية

تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO) لعام 2019 أن نسبة فقر الدم لدى الأطفال السوريين بين عمر 6–59 شهرًا تبلغ 32.9%، بينما تصل إلى 76.25% في المناطق الريفية [2][3].

في المقابل، تبلغ النسبة في العراق 29.4%، وفي لبنان 22.8%، رغم الأزمات في كلا البلدين [2].

وعلى المستوى العالمي، انخفضت نسب فقر الدم خلال العقد الأخير بنحو 5% مقارنةً بتسعينيات القرن الماضي، لكن الصراع وانهيار النظام الصحي في سوريا أدّيا إلى تفاقم هذه الظاهرة [4].

ثانيًا: التبعات الصحية والاقتصادية

1. التبعات الصحية

يُعدّ فقر الدم ونقص الهيموغلوبين رأس جبل الجليد لمشكلاتٍ أعمق مرتبطةٍ بسوء التغذية وضعف النمو.

فقد قدّر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أن نسبة التقزّم بين الأطفال السوريين دون سن الخامسة بلغت 29.6% عام 2020 [5].

كما أثبتت دراساتٌ متعددة أن نقص التغذية مرتبطٌ بضعف المناعة وزيادة خطر الإصابة بالأمراض السارية، مما يؤدي إلى جيلٍ جديدٍ يعاني من أمراضٍ مزمنةٍ تحتاج إلى رعايةٍ طويلة الأمد، وبالتالي يزداد العبء على النظام الصحي المنهك أصلًا.

2. التبعات الاقتصادية

لا يقتصر تأثير فقر الدم على الجانب الصحي فحسب، بل يمتدّ ليشمل التطوّر العقلي والحركي للأطفال، مما ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي والإنتاجية المستقبلية.

انتشار هذه المشكلة على نطاقٍ واسع في سوريا يهدّد عجلة التنمية ويؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية.

وقد أظهرت دراساتٌ أن علاج فقر الدم الناتج عن نقص الحديد يُحسّن القدرات الإدراكية والانتباه والتركيز لدى الأطفال [6].

ثالثًا: الحلول المقترحة

تُعدّ سياسات تدعيم الأغذية (Food Fortification) من أنجح الاستراتيجيات التي استخدمتها أكثر من 81 دولة حول العالم لمعالجة فقر الدم الناتج عن نقص الحديد [4].

وتقوم هذه السياسة على إضافة عناصر غذائية أساسية مثل الحديد وحمض الفوليك (B9) إلى الطحين، ما أدّى إلى انخفاضٍ عالميٍ في نسب فقر الدم بمعدل 2.4% سنويًا [4].

في سوريا، بدأ تطبيق برنامج تدعيم الطحين عام 2003 لكنه توقّف عام 2011، ويُعتقد أن حوالي 5% فقط من الخبز المنتج حاليًا مدعّم غذائيًا [7].

وفي المقابل، نفّذت عدة دولٍ في المنطقة مثل الأردن ومصر والسعودية وعُمان وقطر وإيران برامج ناجحة في هذا المجال.

فعلى سبيل المثال، بدأت الأردن بإضافة الحديد إلى الطحين عام 2006، مما أدّى إلى انخفاض نسبة فقر الدم من 28.6% إلى 10.7% بحلول عام 2019 [7].

رابعًا: التوصيات

  1. إعداد خطةٍ وطنية قصيرةٍ وطويلة المدى لمعالجة أزمة فقر الدم وسوء التغذية.

  2. إشراك منظمات المجتمع المدني والقطاع الصحي المحلي بالتعاون مع المنظمات الدولية في تنفيذ الخطة.

  3. تحديد المناطق الأكثر تضررًا (مثل الأرياف والمخيمات) لتطبيق برامج تدخّلٍ سريعة من خلال عياداتٍ متنقلةٍ تقدّم فحوصات النمو وفقر الدم والعلاج الفوري.

  4. إعادة تفعيل برنامج تدعيم الطحين بالحديد والعناصر الغذائية الأساسية مع وضع آلية رقابةٍ فعّالةٍ على المطاحن.

  5. تنفيذ دراساتٍ ومسوحٍ دوريةٍ لمراقبة نسب فقر الدم وتقييم أثر البرامج الوطنية وتحديثها باستمرار.

خامسًا: الخاتمة

إن تدعيم القوت اليومي للسوريين بالعناصر الغذائية الأساسية مثل الحديد يُعدّ إجراءً بسيطًا منخفض التكلفة وعالي التأثير إذا طُبّق وفق المعايير الدولية.

واليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، تحتاج سوريا إلى إرادةٍ مؤسساتيةٍ حقيقيةٍ وتعاونٍ وطنيٍ فعّال لتبنّي خطةٍ شاملةٍ تعالج هذه الأزمة الصحية الصامتة التي تمسّ مستقبل الأجيال.

إعادة بناء سوريا لا تقتصر على الحجر، بل تبدأ من الإنسان.

فالاستثمار الأمثل لتحقيق الاستقرار والتنمية هو الاستثمار في صحة أطفالنا، لأنهم حجر الأساس لبناء وطنٍ قويٍ ومستقر.

آمل أن يسهم هذا التقرير في تسليط الضوء على أزمةٍ صحيةٍ حقيقية، وأن يكون دعوةً صادقةً للجهات المعنية في المؤسسات والمنظمات السورية للتحرّك العاجل واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل فوات الأوان.
 

المصادر:

1. Adi, R.M., Koenig, M., Alwan, A., El Khatib, S., Geisel, J., Eber, S., Chamaa, S. & Obeid, R. (2025) ‘Anemia, Growth Impairment, and Micronutrients Status in Syrian Children Aged 12–60 Months’, International Journal of Pediatrics, 2025, Article ID 6172527. https://doi.org/10.1155/ijpe/6172527

2. World Health Organization (2019) ‘Prevalence of anaemia in children under 5 years (0–59 months)’, WHO Global Health Observatory. Available at: https://www.who.int/data/gho/data/indicators/indicator-details/GHO/prevalence-of-anaemia-in-children-under-5-years (Accessed 10 October 2025).

3. Youssef, L.A., Albaroudi, I.N. & Khodder, M. (2014) ‘Prevalence of Iron Deficiency and Iron Deficiency Anemia in Syrian Infants’, Blood, 124(21), p. 5975. https://doi.org/10.1182/blood.V124.21.5975.5975

4. Barkley, J.S., Wheeler, K.S. & Pachón, H. (2015) ‘Anaemia prevalence may be reduced among countries that fortify flour’, British Journal of Nutrition, 114(2), pp. 265–273. https://doi.org/10.1017/S0007114515001646

5. World Health Organization – Eastern Mediterranean Regional Office (2023) Nutrition country profile: Syrian Arab Republic. Cairo: WHO EMRO. Available at: https://applications.emro.who.int/docs/WHOEMNUT308E-eng.pdf (Accessed 10 October 2025).

6. World Health Organization (2001) Iron deficiency anaemia: assessment, prevention and control. A guide for programme managers (WHO/NHD/01.3). Geneva: WHO. Available at: https://iris.who.int (Accessed 10 October 2025).

7. Majeed, S.A., Said, S., Hassan, D.A., Sadiq, F., Alhosani, M., Al-Jawaldeh, A., El-Obeid, T. & Tayyem, R. (2025) ‘Evaluating the effectiveness and risks of bread fortification programs in the Middle Eastern region: a comprehensive review’, Frontiers in Public Health, 13, 1530380. https://doi.org/10.3389/fpubh.2025.1530380