أطفال بلا نسب.. أزمة جديدة يخلّفها المقاتلون الأجانب في سوريا

تاريخ النشر: 15.02.2019 | 13:02 دمشق

آخر تحديث: 15.02.2019 | 21:44 دمشق

حسام الجبلاوي - تلفزيون سوريا

أفرزت الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات أزمات اجتماعية عديدة طالت كيان الأسرة وساعدت على تشتيتها، وكان من هذه الظواهر الزواج من المقاتلين الأجانب مجهولي الهوية والنسب، والتي انتشرت مع سيطرة التنظيمات الإسلامية على مناطق واسعة في سوريا، ونتج عنها آلاف الأطفال المحرومين من نسبهم وحقوقهم بعد اختفاء آبائهم.

"من زوجك؟"

ونتيجة لظروف النزوح والأوضاع الاقتصادية المتردية لبعض العوائل، وازدياد معدلات العنوسة، ولأسباب بعضها شخصية، أجبرت مئات العائلات على تزويج بناتهن من شبان جهاديين لم يُظهروا من أسمائهم سوى ألقابهم، حيث لم تخضع معظم تلك الزيجات لأي ضوابط أو قوانين تحمي حقوق المرأة وأبنائها في المستقبل، لتجد كثيرات من النساء أنفسهن في بيوت أهلهن بعد مدّة نتيجة اختفاء الزوج أو مقتله، ودون أن تتمكن من المطالبة حتى بأدنى الحقوق المترتبة على الزوج.

وتعتبر مشكلة الأطفال الذين ولدوا من هذه الزيجات واحدة من المشاكل الاجتماعية التي باتت تواجه المجتمع السوري في ظل بقائهم من دون قيود رسمية، نتيجة عدم تسجيل معظم واقعات الزواج في المحاكم الشرعية أو النظامية، وبقائهم بلا نسب في الشرع والقانون.

ووفق أرقام وثقتها حملة محلية انطلقت في إدلب قبل أشهر قليلة لمواجهة هذه الظاهرة وحملت عنوان "من زوجك؟" توصل الفريق إلى أنّ عدد السوريات المتزوجات من أجانب قد وصل إلى 1735 امرأة، 193 منهن أرامل ومطلقات، و165 أزواجهن مفقودون، و1124 منهن لديهن أولاد.

وقدّر القائمون على هذه الحملة الأعداد بأكثر من ذلك بكثير لاسيما في محافظات أخرى مثل دير الزور والرقة، حيث تحول عوامل اجتماعية دون الإفصاح عن وضعهم.

أزمة هوية

تروي هبة الله وهي نازحة سورية في منتصف العشرينات من عمرها تفاصيل قصتها التي انتهت بها مشرّدة مع طفلها في مخيم الأنصار بريف جسر الشغور بلا أي سند أو معيل.

تقول هبة "انضم أخي الوحيد إلى تنظيم الدولة بعد سيطرته على الرقة، كنا ننظر إلى المقاتلين المهاجرين على أنهم نماذج من الأخلاق، وفي أحد الأيام جاء أخي وقال أنه يريد تزويجي من مهاجر مغربي، لم يكن لي أي رأي في ذلك، وتم الأمر خلال أيام قليلة، لم أعرف من اسمه غير أنه يلقب بأبو أحمد المغربي، استمر زواجنا سبعة أشهر ثم قال أنه ذاهب في مهمة قتالية خارج المحافظة، ومن يومها لم أسمع عنه أي خبر، اضطررت للنزوح مع ابني ذي التسعة أشهر بعد فقدان زوجي و استشهاد كامل عائلتي في أحد الغارات الجوية على الرقة".

بعيون حزينة تنظر هبة إلى طفلها الرضيع وتتساءل "ماذنب هذا الطفل حتى تكون عاقبته هكذا؟ ماذا سأقول له عندما يسألني عن والده من هو ومانسبه؟ دفعتُ ضريبة هذا الزواج من حياتي، أتمنى أن لا يدفع ابني عاقبة ذلك أيضا".

تتشابه قصص النساء اللواتي تزوجن من مقاتلين أجانب في نهاياتها، والتي ما تكون غالباً اختفاء الزوج وفقدانه بعد بضعة أشهر لتبدأ مسيرة الشقاء لهؤلاء النسوة اللاواتي يبقين في المجهول.

الوضع القانوني

لا يحمل المقاتلون أوراقاً ثبوتية لشخصياتهم، يحملون ألقاباً فقط ولا يعلم أحد أسماءهم الصريحة، ولا أي تفاصيل عنهم، ويمتنع معظمهم عن تسجيل واقعة زواجه في المحاكم الشرعية، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة تسجيل الأبناء فيما بعد.

هذا الأمر ينتج عنه أيضا صعوبات يومية للأمهات مثل التسجيل في المدارس، وعند زيارة المراكز الصحية والحصول على الإغاثة، حيث تفتقد الأم لجميع الأوراق الثبوتية اللازمة لتييسر أمورها.

وحول الوضع القانوني لهؤلاء الأبناء وطريقة تعامل المحاكم السورية معهم أوضح المحامي ياسر حمّود المقيم في مدينة إدلب أنّ "زواج السوريات من أجانب ليس ممنوعاً لكنه مشروط بتواجد كافة الأوراق الثبوتية التي تظهر شخصية الزوج، وفي حال غياب واقعة الزواج يجب على الأم في هذه الحالة تثبيت واقعة الزواج وجهالة النسب أمام القاضي الشرعي، حيث يُمنح الطفل الجنسية السورية من جهة الأم حكماً، وفقاُ للمادة الثالثة من قانون الجنسية السوري الصادر عام 1962 والمُعدّل بنص القانون 1967".

لكنّ في الوقت ذاته يؤكد حمّود أنّ هذا الأمر صعب جداً حالياً، حيث حالات الزواج بمعظمها لم يتم تثبيتها بشكل رسمي، كما أنّ حكومة النظام تعتبر هؤلاء الأبناء هم لمقاتلين "ارهابيين"، ومعالجة هذه المشكلة تتطلب تشريع قانون جديد يعالج هذه المسألة باعتبارها قضية إنسانية.

إثم الآباء

داخل مخيمات النزوح التي أقامتها قوات سوريا الديمقراطية ينتشر مئات الأطفال ممن يسمون "أطفال داعش" بعضهم لأمهات سوريات، وآخرون ينحدرون من جنسيات أخرى. لقب يرافق هؤلاء الأطفال رغم حداثة بعضهم في هذه الدنيا، لكنهم أصبحوا يشكلون صداعاُ كبيراً للحكومات التي تنتنمي إليها أسرهم على خلفية مطالبة أقربائهم باستعادتهم.

وترفض حكومات دول أوربية عديدة حتى الآن إعادتهم، فيما يقول المسؤولون في "قسد" إنّ من تحت حراستهم من الأجانب يمثلون 900 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية و500 امرأة وأكثر من ألف طفل.

وخلال الأشهر القليلة الماضية رفعت العديد من الأسر في بلجيكا وفرنسا وهولندا دعاوى قضائية على الحكومات للتدخل وإعادة ذويهم إلى البلاد، لكنها قوبلت برفض .

بقاء هؤلاء الأطفال في سوريا قد يكون أمراُ وارداً لكنّ تحديات الهوية والاعتراف والحصول على حقوق هؤلاء الأطفال سيمثل المشكلة الأكبر.

مقالات مقترحة
سفير النظام في روسيا: لقاح سبوتنيك سيصل إلى سوريا هذا الشهر
كورونا.. 8 إصابات جديدة في مناطق شمال غربي سوريا
كورونا.. 8 وفيات و110 إصابات جديدة معظمها في اللاذقية