أطفال الشعلة وتعقيم الشعب السوري

أطفال الشعلة وتعقيم الشعب السوري

الصورة
03 نيسان 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

من المعروف كم هي خطيرة الآثار التي تتركها النزاعات على مستوى الدول أو على الصعيد المجتمعي بما تخلفه من كوارث إنسانية، والتاريخ مليء حد التخمة بالأمثلة والشواهد، قديمًا وحديثًا، ومنها ما يحصل أمام أعيننا اليوم، خاصة في المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، فالحرب الأميركية على العراق نموذج، والصراع في السودان الذي دام أكثر من عشرين عامًا نموذجٌ، والصومال نموذج آخر، والعشرية السوداء في الجزائر، والحرب الأهلية في لبنان التي دامت أكثر من خمسة عشر عامًا، واليوم اليمن وليبيا وسوريا.

وفي حروب كالتي تشهدها سوريا كنموذج، من النزاعات الداخلية والخارجية التي شاركت فيها العديد من الدول والقوى الإقليمية، فإن تقويض مؤسسات الدولة وانهيار أجهزتها بما لا يسمح لها بأداء وظائفها المختلفة أمر شائع كنتيجة لحرب من هذا النوع ولا يمكن التنبؤ بنهايتها، ومما يزيد من خطورة هذا الوضع الذي لا يحدث بطريقة دراماتيكية أو مدوية بالرغم من فداحة الأحداث، إنما يحصل بالتدريج بحيث يعتاد الناس شيئًا فشيئًا ويتأقلموا مع هذا النمط من الحياة باعتباره الناتج الحتمي والفاتورة التي يجب أن يتحملها الشعب أمام ما يحاك من مؤامرات على الوطن، وهو الخطاب الذي تروجه الأنظمة ويقبله جزء كبير من الشعب باعتبار أن البديل هو الانهيار الشامل للدولة ويقصد به انهيار السلطة المركزية للدولة، وانهيار النظام وما ينجم عنه من حدوث حالة من الفوضى الشاملة بما لا يسمح لأي من الجماعات المتنازعة بالسيطرة على الحكم بصورة كاملة، كما حصل في الحرب الليبيرية وما خلفت من مسلسل عنف مديد، حتى صارت الحرب لأجل الحرب فقط، والكل يحارب الكل من أجل مصالحه. لكن التجارب التاريخية ليست متطابقة وإن كانت هناك قواسم مشتركة بين الكثير منها.

إن ضعف سلطة الحكومة وترهل جهازها البيروقراطي واستشراء الفساد وهيمنة اقتصاد الحرب على حياة الناس وتحكم تجار الأزمات

الواقع يشير إلى أن الأطفال والنساء الشريحة الأكثر استهدافًا وتعرضًا للانتهاكات

بمعيشتهم وأمنهم، وما ينجم من عجز الدولة عن فرض سيطرتها على جميع أقاليمها، إلى مطالبة بعض الجماعات بالانفصال عن الدولة الأم ومحاولة إنشاء كيان سياسي آخر مستقل، كل هذا يمكن رؤيته في الحالة السورية.

منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا إلى اليوم، بعد أن دخلت الأزمة عامها التاسع، تعرّض ويتعرّض السوريون إلى مختلف عمليات التنكيل وتتعرض الضحايا لعمليات التعذيب والاعتداء الجنسي والاغتصاب بأبشع أشكاله وانتهاك الحياة والكرامة، والواقع يشير إلى أن الأطفال والنساء الشريحة الأكثر استهدافًا وتعرضًا للانتهاكات، وإذا نظرنا إلى لغة الأرقام فإن نتائج الإحصائيات عن شريحة الأطفال مخيفة، بما يعانون من انعدام فرص التعليم والرعاية الصحية والنفسية والفقر والتشريد والجوع، فإن الواقع يُظهر فظاعة أكبر وأكثر رعبًا مما يتعرض له الأطفال، وقبلهم جيل الشباب الذي لم يكن أمامه فرصة من أجل مواجهة هذه الجرب غير الهروب بطرق متنوعة، وإلاّ فحمل السلاح هول الخيار الوحيد المتوفر والمفروض عليهم في كل المناطق وتحت سيطرة كل الفصائل المتحاربة، وأمام هذا الواقع كانت المخدرات إحدى الوسائل المتاحة ليهرب الشباب من الواقع الحارق إلى عالم الوهم الذي يشل تفكيرهم ويشل قدراتهم ويسلبهم عمرهم الباقي وإمكانية العيش الطبيعي.

أما الأطفال المرميون للشارع والأقدار والساحات العامة والحدائق ينامون فيها، فليس أمامهم إلاّ تخدير عقولهم ومشاعرهم بأرخص الأثمان، إنها "الشعلة". فمن يبحث على اليوتيوب عن مشاهد حول هذا الأمر سوف يمطره اليوتيوب بعشرات بل بمئات المشاهد المصورة عن أطفال الشعلة في سوريا، خاصة في مدينة دمشق، لكن الفيديو الأخير عن تلك الفتاة المستلقية على حافة نهر بردى، ولا تتجاوز الأعوام العشرة أو الاثني عشر كحد أقصى، مشوشة الوعي بطيئة الاستجابة حدّ الخبل، فلقد أثار عاصفة من المشاعر بين حزن وتعاطف وغضب واستياء.

طفلة مستلقية على حافة نهر بردى في وسط العاصمة دمشق، في أكثر المناطق ازدحامًا ومرورًا، يلتقطها شخص يبدأ معها التحقيق وهي بهذه الحالة المهينة لكل ضمير حي ونزيه، يمطرها بالأسئلة بنبرة حادة تحمل في نبرتها الإدانة وليس التعاطف، وكأنها المسؤولة عن مصيرها وهي الطفلة التي لم تُدرك ذاتها بعد. طفلة أبوها في السجن وأمها ميتة كما قالت، فهل هناك ظرف أقسى وأكثر إجرامًا بحق طفل من أن يكون بلا أبوين ولا مأوى؟ يسألها الـ "محقق" الذي لا نراه بنبرة تأنيبية: ليش عمتشمي الشعلة؟ ثم يحاول انتزاع الكيس من بين يديها فتقاوم وتتشبث به، ربما هو مصدر الدفء والحنان الوحيد لديها، ربما هذا الكيس هو الحياة التي تتشبث بها في مواجهة واقع يهدد بالموت كيفما أدارت وجهها، تتشبث الطفلة بالكيس وهو يحاول انتزاعه ثم ينتقل المشهد إلى الطفلة وهي تبكي بكاء هلع واستغاثة وقد صارت في مجرى النهر تقف على حافة حجرية هي عبارة عن عتبة على طول مجرى بردى لمن  يعرف بردى، ولقد سقطت عنها وعادت لتعتليها كي لا يجرفها تيار المياه، الطفلة تبكي بمرارة، بكاؤها يمزق نياط أي قلب لم يملأه الحقد والضغينة وما زالت فيه بقية دماء من الرحمة. لا نعرف كيف سقطت الطفلة في النهر بعد المشادة على الكيس، لكننا نرى في المشهد وقد تجمع بعض الأفراد يحاولون إنقاذها بمد بعض الأحزمة التي لا تصل إليها، لكن أخيرًا يتم إنقاذها عن طريق عكاز طبية يستعملها أولئك الأشخاص مبتوري الأطراف السفلية أو الذين يعانون من عطب في إحدى الساقين. تُرفع الطفلة من المياه وتُنقذ من تيار النهر الذي كان وحده سيقرر مصيرها، والمفارقة

أطفال سوريا كانوا أعظم وقود لهذه الحرب اللعينة ولم يتحرك ضمير هذا العالم

المؤلمة أن العكاز الذي تم إنقاذها به كان لشخص يلبس ثيابًا مموهة كثياب الجيش، ربما كان عسكريًا مصابًا في هذه الحرب اللعينة، إنها مهازل القدر ووجها التراجيديا السورية، تراجيديا الموت المبتذل الجبار.

ليس إدمان الشعلة وحدها، بل هناك حالات من الإدمان تظهر الكم الهائل من الرضوض النفسية والتشظي الروحي الذي يعاني منه هؤلاء الأطفال، كل هذا يحصل أمام أعين العالم، فلم يعد هناك أمر يمكن التستر عليه في عصرنا الراهن، أطفال سوريا كانوا أعظم وقود لهذه الحرب اللعينة ولم يتحرك ضمير هذا العالم، كما لم يتنازل أي فريق من أطراف النزاع ويقدم شيئًا لهذا الشعب، فما الذي ينتظر بلادًا يموت أطفالها؟ من سيبنيها بعد أن تتوقف الحرب؟ ما يتعرض له الشعب السوري هو عملية تعقيم ممنهجة ومدروسة، فتعقيم الشعوب يبدأ بشبابها وأطفالها وإذا ما استمرت الحال بهده الوتيرة فالكارثة الكبرى قادمة بأسرع مما متوقع لها. والمؤسف أيضًا أن استطلاعات الرأي التي يجريها بعض الذين يصورون أطفال الشوارع وأطفال الشعلة ويجرون تحقيقات صحفية أو إعلامية عن حالات الإدمان التي تفتك بالطفولة في بلاد حرقتها الحرب ودمرت بناها، المؤسف أن يرى المتابع هذا التردي في الوعي لدى الناس، فتراهم يقرون بالظاهرة وبتفشيها ويدينونها، وعندما يُسألون عن كيفية معالجتها فهم لا يعرفون أكثر من أن التربية يجب أن تبدأ في البيت، وكأن أطفالاً من هذه الشريحة لديهم بيوت يمكن تسميتها بيوتًا، أو أسر تستطيع حماية أبنائها وتربيتهم وإطعامهم ورعايتهم. ربما ليس تردي الوعي هو السبب المباشر، لكن الخوف الذي تمكن مرة أخرى من غالبية المجتمع، وقد يكون لم يغادرهم في الأساس، الخوف الذي أعاده إلى الصدور حجم العنف الذي مورس بحق هذا الشعب الذي نادى بالحرية التي هي أبسط حقوقه، يمنعهم من أن يشيروا أو يلمحوا إلى الجهات المسؤولة التي عليها، وعليها وحدها، تقع المسؤولية.

شارك برأيك