أطباء يدقون ناقوس الخطر بعد زيادة حالات الانتحار في إدلب وحلب

تاريخ النشر: 17.12.2020 | 06:01 دمشق

إدلب - يوسف بدوي

ديازيبام، إيسي برام، زولوسير، سبيرتيكس، أسماء أصبحت معروفة لدى كثير من السوريين في السنوات الأخيرة وهي تنتمي إلى مجموعة المهدئات ومضادات الاكتئاب. 10 سنوات من الحرب في سوريا لم تقتصر أضرارها على الجسدية والمادية فحسب بل طالت نفوس الملايين الذين باتوا بين مهجّر ومشرد أو من ينتظر خبراً عن أحد ذويه المفقود أو المعتقل أو المختطف.

ويحتاج الذهاب إلى الطبيب النفسي القناعة والقدرة المادية والوصول، لكن من لا يمتلك هذه الشروط، فقد تكون حياته مهددة بالخطر ويقدم على الانتحار، كما حصل مع 16 حالة انتحار رصدها موقع تلفزيون سوريا هذا العام في مناطق شمال غربي سوريا.

نمط الحياة السائد في المنطقة، بعيد كل البعد عن الظروف النفسية الصحية، وفي كل منزل أو خيمة قصة مؤلمة مستمرة بآثارها وتبعاتها على العائلة، وظروف معيشية قاهرة في المخيمات وانتشار للفقر والحاجة، تفاقمت مع ضعف الدعم الإنساني والإغاثي، وحرب تتجدد كل حين.

أكبر المتضررين هم من مئات آلاف الأطفال شاهدوا من القصف والدماء وفقدان أصدقائهم خلال عقد من الزمن ما يكفي لأن يعتبرهم خبراء الصحة النفسية ضمن فئة المحتاجين للعلاج النفسي. وإن توقفت نوبات الهلع لدى هؤلاء الأطفال إلا أن ذلك لا يعني تجاوزهم لحالة الخطر بإصابة نفسية.

أما النساء وخاصة الأرامل منهن، فتعيش بدرجة أكبر من أرباب العائلات من الرجال، حالة قلق وأرق مستمر، تثقلهن المسؤوليات الكبيرة وشعور العجز في أن يخلد أبناؤهن للنوم ببطون ممتلئة.

قابلنا الطبيب موفق العموري والذي أخبرنا عن استقباله لأكثر من عشرة آلاف حالة من الشمال السوري مُسجلين لديه في الأرشيف ونسبة كبيرة منهم من الأطفال.

يقول الدكتور موفق: "نُسبة المتأثرين بتوقعي تفوق الـ 95 بالمئة من سكان المجتمع السوري في الداخل، وهذا أمر متوقع مع استمرار حرب لعشر سنوات جُربت فيها كل أنواع الأسلحة. فلا يكاد يخلى بيت من نوع من أنواع الضرر كالفقر والتهجير وغيرها مع انعدام وجود أمل لانتهاء هذه الحرب.. معظم السكان متأثرون نفسياً بنسب متفاوتة بين التأثر والمرض كالقلق المُزمن والاكتئاب وكرب ما بعد الصدمة والرُهاب الاجتماعي وصولاً لنوبات الهلع وحالات الذهان".

وبحسب وصف الطبيب موفق فإنه من الصعب وصف مجتمع بعد عيشه عشر سنوات من الحرب بالمجتمع السليم نفسياً.

16 حادثة ومحاولة انتحار في شمال غربي سوريا خلال 6 أشهر

وحصل موقع تلفزيون سوريا على إحصائيات توضّح حجم الكارثة، من فريق منسقو استجابة سوريا، حيث ارتفعت أعداد المراجعين للعيادة النفسية في العام الجاري بنسبة 4% عن عام 2019.

وبلغ عدد المرضى النفسيين المسجلين في عام 2018، 19 ألفاً و11 حالة موثقة، بينهم 5494 استفادوا من الداعمين النفسيين. ليرتفع عددهم عام 2019 إلى 27 ألفاً و255 حالة، بينهم 7133 استفادوا من الداعمين النفسيين.

وأوضح فريق منسقو الاستجابة أن الأسباب وراء حوادث ومحاولات الانتحار في تعود للحالة المادية السيئة للمدنيين أو حدوث حالات عنف أسري. اما لدى الأطفال فتعود إلى غياب الرعاية من قبل الوالدين أو حالات الانفصال والطلاق وبقاء الأطفال في حالة تشتت بين الطرفين.

ورصد موقع تلفزيون سوريا 16 حادثة ومحاولة انتحار في مدن وبلدات ومخيمات شمال غربي سوريا وهي:

  • انتحار محمد عزتجيلو من أهالي قرية ساريا التابعة لناحية معبطلي، في الثالث من أيار الفائت، حيث أقدم على حرق نفسه بالبنزين داخل سيارته وأمام منزله، وقال ناشطون محليون إن الرجل تعرض للضرب من قبل ابنه ما دفعه للانتحار. واعتقلت الشرطة الابن والزوجة للتحقيق معهما.
  • منتصف أيار الفائت، انتحر أب معيل لخمسة أفراد في مخيم حربنوش 3، وذلك لعجزه عن إطعام أولاده وإعالتهم.
  • في الـ 11 من حزيران الماضي، انتحر مطيع حبار الذي يعمل صراف عملات، وهو نازح من سراقب ويعيش في سرمدا، بسبب خسارته لما يزيد عن 100 ألف دولار في حين تحدث ناشطون أن المبلغ تجاوز الـ 400 ألف دولار.

 

103881952_548909589107895_5524235647774131073_n.jpg

 

  •  وفي الأول من آب الماضي، انتحر طفل يبلغ من العمر 16 عاماً في مدينة جرابلس بعد انفصال والديه.

 

116833167_189007019311604_185139831953445679_n.jpg

 

  • وفي الخامس من آب الماضي، انتحر رجل يبلغ من العمر 38 عاماً في مدينة بنش، نتيجة ظروف مادية قاهرة.

 

117330944_4244598015612403_4945953184103050027_n.jpg

 

  •  في الـ 22 من تموز الماضي، إبراهيم المعروف البالغ من العمر 50 عاماً تقريباً، وينحدر من مدينة كفرزيتا ونازح في قرية معارة الشلف، شنق نفسه بعد أن قُتل ابنه وزوج ابنته وأصبح معيلاً لعدد من الأحفاد دون إمكانية مادية كافية.

 

110312321_138214394588079_1055660955981681570_n.jpg

 

  • في الثاني من أيلول الماضي، انتحرت معلمة في بلدة أطمة نتيجة العنف الأسري.
  • في السادس من أيلول الماضي، حاولت سيدة الانتحار في سوق مدينة إدلب عبر تناول "حبة غاز".
  • وفي الـ 14 من أيلول الماضي، انتحر في مدينة عفرين رجل مهجر من الغوطة الشرقية، بشنق نفسه في منزله، وكان قد حاول الانتحار مسبقاً لكن ذويه منعوه من ذلك، وقال ناشطون إن سبب الانتحار حالة الفقر المدقع وضغوط الحياة.

 

119153747_705318793527170_1563488584665530348_o_0.jpg

 

  • في الـ 18 من أيلول، انتحر طفل نازح من بلدة الحاضر في مخيمات تل الكرامة، دون معرفة أسباب الانتحار.
  • في الأول من تشرين الأول، حاولت امرأة نازحة من الغوطة الشرقية الانتحار، بسبب مشاكل عائلية.
  • في اليوم نفسه الأول من تشرين الأول، انتحرت امرأة في مدينة عفرين، دون معرفة الأسباب.
  • منتصف تشرين الثاني، تحدث ناشطون عن انتحار فتاة في مدينة الأتارب بعد تناول جرعات زائدة من الدواء، إلا أن آخرين أوضحوا أنها لم تقدم على الانتحار وإنما تعرضت لحساسية شديدة من الدواء وبعد خروجها من المستشفى صدمتها سيارة وفارقت الحياة على إثرها.
  • في الـ 19 من تشرين الثاني، حاول رجل نازح من الغوطة الشرقية في مدينة عفرين الانتحار، بسبب الأوضاع المادية القاهرة.
  • في الـ 26 من تشرين الثاني، تمكن الأهالي من منع شاب من شنق نفسه من فوق إحدى الجسور في مدينة عفرين.

 

WhatsApp Image 2020-11-26 at 12.24.55 PM.jpeg

 

  • في الـ 11 من كانون الأول الجاري، شنق الشاب عادل نجار نفسه في منزله بحي الأشرفية بمدينة عفرين.

 

WhatsApp Image 2020-12-11 at 11.17.29 AM.jpeg

 

مركز أوسوم المختص

يوجد في مدينة سرمدا الحدودية مستشفى مختص بمعالجة الحالات والاضطرابات النفسية، مدعوم من اتحاد منظمات الرعاية والإغاثة الطبية UOSSM، وهو المركز الوحيد المختص في شمال غربي سوريا، ولذلك عمل القائمون عليه على تخصيص كادر ضمن عيادتين متنقلتين.

يعمل الطبيب النفسي محمد ساطو في المستشفى إلى جانب ممرضين وأطباء رأب الفجوة، وكذلك الاختصاصي النفسي علاء أبو يامن المسؤول عن فريق الداعمين النفسيين.

 

 

وقال أبو يامن لموقع تلفزيون سوريا إنهم يقدمون نوعين من العلاج للمرضى، الأول دوائي يقوم أطباء مدربون بحسب برنامج دليل رأب الفجوة بوصفه للمرضى، والثاني علاج نفسي يقدمه الداعمون المدربون على برنامج المعالجة المطورة للمشكلات وبرامج أخرى ممنهجة.

وللمستشفى معايير قبول، هي أن يكون عمر المريض فوق الـ18 عاماً وأن يكون المريض بحالة ضرورية للعلاج. وذلك يتم بعد التشخيص.

ويستوعب المستشفى 20 مريضاًـ لكل منهم سريره كما ويقدم المشفى العلاج الدوائي والنفسي بشكل مجاني.

 

 

إساءة استخدام الدواء

يلجأ بعض الأشخاص ومعظمهم من فئة الشباب لتناول الأدوية للتخفيف من الضغط النفسي الذي يسببه الفقر والبطالة وحالات البتر وغيرها من الظروف الحياتية القاهرة؛ وذلك بهدف "الخلاص من الواقع والوصول لحالة من الراحة النفسية والطمأنينة".

ويسوء الحال أكثر عندما يزيد بعض هؤلاء من جرعة الدواء دون استشارة طبية، في ظل ظروف مهيئة من تفكك اجتماعي وعدم وجود رقابة حقيقية على مصادر تلك الأدوية.

وتحدث الطبيب موفق العموري عن عواقب إدمان هذا النوع من الأدوية بالقول "عواقب الإدمان تكون بعد وصول الحالة إلى مرحلة الاعتماد الدوائي بشكل كامل ليصبح الشغل الشاغل للمدمن أن يحصل على الدواء ولو على حساب أسرته من النواحي الاقتصادية والنفسية وغيرها لتصل حالة المدمن بعدها إلى تدهور السلوك وحتى القيام بأعمال إجرامية بهدف الحصول على المادة الدوائية".

ويحذّر العموري من أن الأطفال هم الأشد تأثراً بالعوامل النفسية، والأسهل وقوعاً في الاضطرابات النفسية الناجمة عن الحرب، مشيراً إلى أن احتواء جميع الحالات أمر مستحيل لعدة أسباب أهمها عدم قدرتهم على الوصول إلى العيادات أو المشفى المختص أو غياب الوعي الكافي وكذلك غياب قدرة الوالدين على تحليل سلوك الأطفال، ولفت إلى أن تعريض الطفل لأساليب خاطئة من العلاج ستزيد من مشكلاته النفسية.

العموري الذي يعمل في عدد من المستشفيات والعيادات في الشمال السوري منها عفرين وسرمدا وإدلب وغيرهم، أكد أن نسبة كبيرة من مرضاه تراودهم أفكار انتحارية، ووصلوا إلى حالات متقدمة من القلق أو الاكتئاب ويفضلون العزلة والظلمة

ويرى الدكتور موفق العموري في مستقبل الصحة النفسية للمجتمع السوري الذي عاش ويعيش إلى اليوم عشر سنوات من الحرب أنه من الصعب على المجتمع استعادة صحته النفسية إلا بانتهاء الحرب والحصول على حالة استقرار قد تمتد لعقود لنصل مرة أخرى لمجتمع متوازن وصحي من الناحية النفسية فالأجيال التي نشأت في حرب شعواء لن تستطيع الوصول إلى مرحلة الشفاء بسهولة، على حد وصفه.

مقالات مقترحة
أردوغان يعلن عودة الحياة لطبيعتها في تركيا تدريجيا بعد عيد الفطر
سوريا.. 11 حالة وفاة و188 إصابة جديدة بفيروس كورونا
العراق: فرض إغلاق شامل في بغداد لمواجهة تفشي فيروس كورونا