icon
التغطية الحية

أسوشيتد برس: ما تزال رائحة الموت تزكم الأنوف في السويداء

2025.07.28 | 20:56 دمشق

آخر تحديث: 2025.07.28 | 21:09 دمشق

أهالي السويداء يعبرون أحد شوارعها حيث تظهر مركبة عسكرية محروقة بعد أسبوع من الاشتباكات الطائفية الدامية - تاريخ الصورة: يوم الجمعة 25 تموز 2025
مواطنون من السويداء يعبرون أحد شوارعها حيث تظهر مركبة عسكرية محروقة بعد أسبوع من الاشتباكات الطائفية الدامية - تاريخ الصورة: يوم الجمعة 25 تموز 2025
The Associated Press- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت السويداء اشتباكات طائفية بين عشائر بدوية وفصائل درزية، مما أدى إلى دمار ومقتل مئات الأشخاص، وتفاقم الوضع بتدخل الحكومة المنحاز للعشائر.
- تعرض المدنيون، بمن فيهم الدروز والمسيحيون، لأعمال عنف ونزوح 130 ألف شخص، مع تعهد الحكومة بمحاسبة المسؤولين، لكن الشكوك مستمرة ورفض الدروز نزع سلاحهم.
- وجد المسيحيون أنفسهم محاصرين، ولجأوا إلى الكنائس، ونُظمت عمليات إخلاء، لكن القصف أودى بحياة العديد منهم، تاركًا الناجين في صدمة وحزن.

ذكر تقرير ميداني لوكالة "أسوشيتد برس" أن رائحة الجثث المتحللة ما تزال تفوح في شوارع مدينة السويداء، في الجنوب السوري، بعد أيام من توقف الاشتباكات الطائفية العنيفة التي اندلعت مؤخراً بين عشائر بدوية وفصائل محلية. وبحسب مراسلي الوكالة، فإن المدينة تبدو شبه خالية من السكان، وسط مشاهد دمار واسعة، وصمت ثقيل خيّم على أماكن كانت تعج بالحياة.

 

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الوكالة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

 

وفيما يأتي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

 

ما تزال رائحة الجثامين المتحللة تفوح في شوارع مركز محافظة السويداء بالجنوب السوري، حيث اندلع الاقتتال مؤخراً. وأصبح صمت مخيف يلف اليوم الشوارع التي كانت تضج بالحياة، إذ لم يعد يعبرها سوى عدد ضئيل من الناس.

ينتشر الدمار في بعض المناطق بشكل كبير، بعد أن تفحمت الأبنية والسيارات المحترقة.

في فرع يتبع لأحد المصارف، يغطي الزجاج المتناثر الأرضية وينطلق جرس الإنذار بلا توقف، في حين كتبت على الجدران عبارات خلفها كلا الطرفين خلال صراعهم الأخير.

أتى الدمار بعد وقوع اشتباكات عنيفة خلال الأسبوعين الماضيين، وذلك بسبب أعمال الخطف المتبادلة بين عشائر بدوية ومقاتلين ينتمون للأقلية الدرزية، وأسفر الاقتتال عن مقتل مئات الأشخاص مما ينذر بالخطر عملية الانتقال الهشة في سوريا بعد الحرب التي عصفت بها.

تدخلت قوات الحكومة السورية، وكان السبب الظاهري التدخل لإنهاء الاقتتال، ولكنها انحازت للعشائر، ثم أقدم بعض المقاتلين التابعين للحكومة على سلب مدنيين دروز وأعدموهم.

تمكن صحفيو أسوشيتد برس من خارج المدينة أن يدخلوا إلى السويداء يوم الجمعة لأول مرة منذ اندلاع العنف في 13 تموز، ومع استمرار حالة الالتزام بالهدنة بشكل كبير، يحاول أهالي السويداء جمع شتات حياتهم.

"استهدفه قناصون"

في المشفى الوطني، حيث تكدست لأيام طويلة جثث من فارقوا الحياة بسبب الاقتتال، أخذ العاملون يفركون الأرضية، ولكن على الرغم من ذلك ما تزال الرائحة تزكم الأنوف.

 

عاملون ينظفون أحد أجزاء المشفى الوطني بمدينة السويداء

تاريخ الصورة: الجمعة 25 تموز 2025

كانت منال حرب موجودة هناك برفقة ابنها المصاب صافي ضرغام البالغ من العمر 19 عاماً، وهو طالب هندسة في سنته الأولى، أصيب بطلقات نارية عندما تطوع للعمل في المشفى المنكوب، وتعليقاً على ذلك تقول منال: "استهدفه قناصون أمام المشفى، على الرغم من أننا مدنيون غير مسلحين".

 

عاملون ينظفون المشفى الوطني بعد أسبوع من الاشتباكات الطائفية في مدينة السويداء

تاريخ الصورة: الجمعة 25 تموز 2025

أصيب صافي بجراح في مرفقه وخلف أذنه وفي ساقه، وتخبرنا منال بأنه مهدد بفقدان ذراعه إن لم تعالج بشكل فوري.

قتل زوج منال، خالد ضرغام، عندما اقتحم مسلحون بيته وأطلقوا عليه الرصاص ثم أضرموا النار في البيت. وتخبرنا منال بأن المسلحين سرقوا أيضاً هواتفهم المحمولة ومتعلقاتهم.

تخبرنا ممرضة طوارئ لم تذكر سوى لقبها: (أم حسيب) بأنها بقيت في المشفى مع أولادها طوال فترة الصراع، وخلال مرحلة من المراحل، نقل مقاتلو الحكومة إلى المشفى من أجل العلاج، لكنهم أخذوا يطلقون النار هناك، فقتلوا ضابط شرطة كان يحرس المشفى وجرحوا آخر بحسب رواية أم حسيب، بيد أن أسوشيتد برس لم تتمكن من التحقق من صحة ما ذكرته بصورة مستقلة.

ذكرت أم حسيب أيضاً أن الجثث بقيت مكدسة لعدة أيام من دون أن يتمكن أحد من نقلها، وهذا ما حولها إلى خطر على البيئة الطبية.

تصاعد التوتر الطائفي مع رفض الدروز نزع سلاحهم

انتشرت مقاطع فيديو وتقارير مخيفة عن السويداء، ظهر فيها دروز مدنيون وهم يتعرضون للإذلال والإعدام خلال النزاع، وقد ترافق ذلك مع شتائم طائفية في بعض الأحيان. وبعد الالتزام بوقف إطلاق النار، شنت بعض فصائل الدروز هجمات انتقامية على البدو، وأعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 130 ألفاً نزحوا بسبب العنف.

تعهد مسؤولو الحكومة، وعلى رأسهم الرئيس المؤقت أحمد الشرع، بمحاسبة كل من استهدف المدنيين، إلا أن ذلك لم يسكن غضب معظم أهالي السويداء أو يخفف من شكوكهم.

تتبع الطائفة الدرزية للإسلام، وتعتبر فرعاً من فروع المذهب الشيعي، وهنالك نحو مليون درزي في مختلف بقاع العالم، يعيش أكثر من نصفهم في سوريا، في حين يتوزع البقية ما بين لبنان وإسرائيل، ويشمل ذلك دروز مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل واغتصبتها من سوريا في حرب النكسة عام 1967 ثم ضمتها لأراضيها في عام 1981.

رحب معظم الدروز بسقوط الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول الماضي من خلال هجوم شنه الثوار فأنهى حكم آل الأسد الاستبدادي الذي امتد لعقود طويلة.

ولكن اختلفت ردود فعل زعماء الدروز تجاه الحكومة الجديدة التي يترأسها الشرع، الذي كان في السابق قائداً عسكرياً ذا خلفية إسلامية، وسبق له أن بايع تنظيم القاعدة، إذ إن بعض رجال الدين الدروز أيدوا فكرة التعامل مع القيادة الجديدة، في حين وقف آخرون ضدها، وعلى رأسهم الزعيم الروحي حكمت الهجري هو والمجلس العسكري في السويداء التابع له.

أنكر الشرع استهداف الدروز، وأنحى بلائمة الاضطرابات على الفصائل المسلحة التي تقف ضد سلطة الدولة، وخص بذلك الجماعات الموالية للهجري، كما اتهم إسرائيل بتعميق الانقسامات وذلك عبر استهداف القوات السورية في السويداء بحجة الدفاع عن الدروز.

خلال الاقتتال، حمل الدرزي طلال جرماني، 30 عاماً، السلاح، وقال: "ما دفعني لارتداء بزة عسكرية والتوجه إلى الجبهات هو أن ما حدث كان مخالفاً للقانون".

يؤكد جرماني أنه لا فرق كبيراً بين العشائر البدوية وقوات الأمن العام التابعة للحكومة، ويقول: "لقد لجؤوا إلى السلاح وليس الحوار".

ورفض الدعوات المطالبة بنزع السلاح، إذ رأى بأن الدروز بحاجة لحمل السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم، وأضاف: "لن نسلّم أسلحتنا، لأن سلاحنا مقدس، وهو ليس للهجوم، إذ لم نؤيد بحياتنا الحرب، ولن نسلم سلاحنا إلا عندما تقدم لنا الدولة الأمان الحقيقي الذي تحمي من خلاله حقوقنا كبشر".

هروب مسيحيي السويداء من الموت

ألفى مسيحيو السويداء أنفسهم وسط العنف، إذ في إحدى الكنائس التي احتمت بها عائلات مسيحية، أخبرتنا ولاء الشماس، 36 عاماً، وهي ربة منزل وأم لطفلين بأن صاروخاً ضرب بيتها في 16 من تموز، وأضافت: "لو لم نلجأ إلى الممر، لكنا قد رحلنا، ولقد تدمر بيتي وكذلك سياراتنا".

بعد ذلك أتى مسلحون إلى بيتهم المدمر، لكنهم تركوه ومضوا، إذ اعتقدوا أنه فارغ بما أن الأسرة لجأت إلى الممر بحسب ما ذكرته تلك السيدة.

 

أهالي السويداء يسيرون في أحد شوارعها وإلى جوارهم آلية عسكرية محروقة

تاريخ الصورة: الجمعة 25 تموز 2025

 

وخلال الأيام القليلة الماضية، خرج مئات الناس من السويداء، من البدو والدروز والمسيحيين، في قوافل مؤلفة من حافلات نقلتهم إلى مناطق أخرى، وقد نظم الهلال الأحمر السوري عمليات الإخلاء تلك، في حين تمكن آخرون من الخروج من تلك المدينة من دون مساعدة الهلال.

كانت ميشلين جابر، وهي موظفة لدى الإدارة المحلية بالسويداء، تحاول الهرب بعيداً عن الاشتباكات خلال الأسبوع الماضي، برفقة زوجها وأهله وأقارب من عائلتهم، عندما تعرضت للقصف سيارتان كانتا تُقلّان هؤلاء الأشخاص، فأصيبت ميشلين بجراح لكنها بقيت على قيد الحياة، وكذلك أصيبت حماتها وابنها الصغير وأشقاء زوجها، أما زوجها وبقية أفراد العائلة الذين رافقوهم في عملية الهرب فقد قتلوا جميعاً.

تقدم أحد الأشخاص الذين لا تعرفهم ميشلين فحملها هي والناجون الآخرون بسيارة وتوجه بهم نحو إحدى فرق الإسعاف التي نقلتهم بدورها إلى مشفى خارج المدينة، ثم نقلت ميشلين إلى مشفى آخر في مدينة درعا، وأخيراً نقلت إلى دمشق حيث تقيم اليوم لدى أصدقاء لها في ضاحية جرمانا، بعدما أن أحاطت الجبائر بكلا ذراعيها.

تحدثنا ميشلين عما حدث فتقول: "عندما أصيبت السيارة بالقصف، خرجت منها حية، إذ كان بوسعي الخروج من السيارة والسير بطريقة طبيعية، ولكن عندما رأيت أن الجميع ماتوا وأنا بقيت، لم أستطع أن أستوعب ما جرى، ولكني أؤمن بأن لله حكمة في ذلك".

ما يعزي ميشلين هو أن ابنتها البالغة من العمر 15 عاماً بقيت في ذلك الحين لدى بيت جدها الكائن في مكان آخر فلم تصب بأي أذى، وعنها تقول: "أهم شيء ابنتي وهي من يمنحني القوة".

    

المصدر: The Associated Press