أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطط لتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا موجة من التفاؤل في الأوساط السورية والعربية، وسط آمال بأن يسهم هذا القرار في تسهيل عملية تعافي البلاد من سنوات الحرب الدامية، وتحسين حياة ملايين السوريين الذين عانوا ويلات النزاع والحصار الاقتصادي.
ووفقاً لما أفادت به وكالة "أسوشيتد برس" فإنّه ورغم الترحيب الشعبي والسياسي بهذه الخطوة، يحذر خبراء اقتصاديون من أن الطريق نحو التعافي سيكون طويلاً ومعقداً، نظراً لطبيعة العقوبات المتعددة والمتجذرة التي فرضتها واشنطن منذ أكثر من أربعة عقود.
قال كرم شعّار، الاقتصادي السوري ومدير شركة "كرم شعّار للاستشارات المحدودة"، لوكالة "أسوشيتد برس: "أعتقد أن الكثيرين يتصورون أن العقوبات يمكن رفعها ببساطة كباب يُفتح ويُغلق، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً، فالأمر يشبه نظاماً من الطبقات، وكل طبقة تحتاج إلى عملية قانونية وإجرائية منفصلة".
عقوبات متجذرة منذ 1979
تعود العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا إلى عام 1979، حين صنفت واشنطن البلاد كـ"دولة راعية للإرهاب"، وتفاقمت الإجراءات في 2003 مع توقيع الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش على قانون محاسبة سوريا، واستمرت بالتصاعد حتى قانون قيصر الذي أقره ترامب في 2019.
وأشارت وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن هذه العقوبات أدت إلى عزل سوريا اقتصادياً بشكل شبه كامل، مع شلل في القطاعات المصرفية والتجارية والصناعية.
التأثير الملموس على الحياة اليومية
وأفاد تقرير "أسوشيتد برس" أن العقوبات امتدت إلى جميع مفاصل الاقتصاد السوري، من نقص الوقود والدواء، إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وتفاقم أزمة الغذاء والسكن، وصولاً إلى ازدهار السوق السوداء.
وتفاقمت الأوضاع بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وشمال سوريا في شباط/ فبراير 2023، حيث ساهمت العقوبات والامتثال الزائد من قبل البنوك والشركات في إعاقة جهود الإغاثة، بحسب ما وثقته تقارير للوكالة.
انعكاسات أولية بعد إعلان ترامب
ورغم أن واشنطن لم ترفع العقوبات بشكل كامل حتى الآن، إلا أن إعلان ترامب عن تخفيف القيود خلال زيارته الأخيرة للسعودية كان له وقع فوري على الأرض، حيث احتفل السوريون في المدن الكبرى ولوح البعض بأعلام الدول العربية التي دعمت القرار".
قفزت قيمة الليرة السورية بنسبة 60% ليلة الإعلان، في حين عبر قادة دول عربية عن دعمهم للخطوة، مع آمال بعودة الاستقرار وانطلاق جهود إعادة الإعمار.
تحديات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين
تقدر الأمم المتحدة، وفق بيانات نقلتها "أسوشيتد برس"، أن سوريا تحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات لإعادة بناء بنيتها التحتية وانتشال نحو 90% من سكانها من تحت خط الفقر.
الخبير اللبناني منيس يونس قال للوكالة: "إذا توفرت الاستقرار والإصلاحات السياسية، من الممكن أن نشهد عودة تدريجية للاجئين السوريين إلى بلادهم، خاصة إذا تم توفير فرص اقتصادية حقيقية."
أما كرم شعّار فأكد لـ"أسوشيتد برس" أن تخفيف العقوبات يحمل بعداً رمزياً مهماً، لكنه شدد على أن التعافي لن يكون ممكناً ما لم تتم إزالة الطبقات الرئيسية من أنظمة العقوبات الثلاث.
من جانبه، قال ماتيو روكيت، مدير مكتب منظمة "ميرسي كوربس" في سوريا، في تصريحات لـ"أسوشيتد برس" إن هذه الخطوة قد تكون "لحظة تحول" لملايين السوريين.
العقبات ما تزال قائمة
مع ذلك، يؤكد شعّار أن التعافي لن يكون ممكناً ما لم يتم تفكيك البنية الكاملة للعقوبات التي تكبل الاقتصاد السوري: "حتى لو تم رفع بعض القيود الرمزية أو الطبقات العليا، سيظل التأثير الاقتصادي محدوداً للغاية ما لم يتم تفكيك البنية الكاملة للعقوبات."
وفي ظل تعقيدات المشهد السوري، يبدو أن رفع العقوبات رغم أهميته السياسية والاقتصادية سيكون بداية لمسار طويل ومعقد من التعافي وإعادة الإعمار، يرتبط بالدرجة الأولى بمدى التزام الأطراف المعنية بإحداث تغييرات جوهرية على الأرض، وفقاً لتحليل الوكالة.
إعفاءات من العقوبات تتجدد كل 180 يوماً
ورداً على أسئلة الصحفيين بشأن رفع العقوبات والجدول الزمني لها، أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن معظم العقوبات المفروضة على سوريا ترتكز إلى "قانون قيصر"، وأن الكونغرس، من كلا الحزبين، طلب من الإدارة استخدام صلاحيات الاستثناءات التي يتيحها القانون.
وأضاف أن هذه الاستثناءات يجب تجديدها كل 180 يوماً، وأن الهدف على المدى الطويل هو تحقيق تقدم كافٍ يسمح بطلب إلغاء القانون نهائياً، لأن استمرار العقوبات المؤقتة يثني المستثمرين عن العمل في سوريا.
وفي الوقت نفسه، شدد روبيو على أن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن ذلك، مؤكداً أن البداية ستكون عبر استثناء أولي يسمح للشركاء الأجانب بتقديم المساعدات دون الخوف من التعرض للعقوبات.
وأكد وزير الخارجية الأميركي أن الولايات المتحدة ستواصل التقدم خطوة بخطوة، وتأمل أن تكون قادرة في المستقبل على مطالبة الكونغرس برفع العقوبات بشكل دائم.