icon
التغطية الحية

أسوشيتد برس: سوريا تلملم جراحها بعد عام على سقوط نظام الأسد

2025.12.09 | 13:07 دمشق

الدمار في مخيم اليرموك- المصدر: الإنترنت
الدمار في مخيم اليرموك- المصدر: الإنترنت
The Associated Press- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أُطلق سراح محمد مروان بعد ست سنوات من الاعتقال في سجن صيدنايا، تزامنًا مع سقوط نظام بشار الأسد بعد حرب استمرت 14 عامًا، حيث سيطرت فصائل الثوار على دمشق بدعم من هيئة تحرير الشام، ونُفي الأسد إلى موسكو.

- تولى أحمد الشرع الرئاسة المؤقتة، وسعى لتعزيز العلاقات الدبلوماسية رغم التوترات الداخلية والعنف الطائفي، وتواجه الحكومة تحديات مع قوات سوريا الديمقراطية، بينما تراقب إسرائيل الوضع بحذر.

- يواجه الاقتصاد السوري صعوبات كبيرة رغم رفع العقوبات، وتقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وتعتمد الجهود على المبادرات الفردية، مع عودة أكثر من مليون لاجئ، مما يدفع البعض للتفكير في الهجرة.

قبل عام من الآن، ألفى محمد مروان نفسه يمشي متعثراً بقدميه الحافيتين غافلاً عما يدور حوله وذلك عند خروجه من سجن صيدنايا سيء الصيت الواقع على أطراف دمشق، بعد أن وصلت قوات الثوار إلى العاصمة ثم فتحت أبواب هذا السجن لإطلاق سراح السجناء الموجودين فيه.

اعتقل مروان في عام 2018 لتهربه من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وهو أب لثلاثة أطفال، لكنه تنقل بين أربعة سجون قبل أن يحط رحاله في صيدنايا، ذلك السجن الكبير الواقع شمالي دمشق والذي أصبح اسمه مرادفاً لأبشع الجرائم التي ارتكبت خلال حكم الرئيس السابق بشار الأسد الذي أصبح مخلوعاً اليوم.

"حياة تشبه الموت"

يتذكر مروان سجانيه وهم ينتظرون قدوم سجناء جدد ويستقبلونهم بحفلة ضرب وصعقات كهربائية، فيقول: "كانوا يقولون: لا حقوق لديكم هنا، ولن نستدعي لكم الإسعاف إلا في حال وجود جثة لميت".

كانت الفرحة عنوان استقباله في بيته يوم الثامن من كانون الأول عام 2024، حيث غص البيت بالأقارب والأصدقاء في قريته التابعة لمحافظة حمص.

ولكن خلال السنة التي تلت تحريره، عانى مروان من الآثار الجسدية والنفسية المترتبة على فترة سجنه التي امتدت لست سنوات، إذ أصبح يعاني من آلام في الصدر وضيق في التنفس تبين أن سببه الإصابة بمرض السل، ناهيك عن معاناته من قلق يشل حياته، وأرق يقض مضجعه.

 

وحالياً، يخضع هذا الرجل للعلاج من مرض السل ويحضر جلسات علاجية في أحد المراكز بحمص والتي تهتم بإعادة تأهيل السجناء السابقين، وعن ذلك يخبرنا مروان بأن وضعه الجسدي والعقلي يتحسن تدريجياً، ويضيف: "كنا نعيش حياة تشبه الموت" يقصد في صيدنايا، ويتابع: "أما الآن فقد عدنا إلى الحياة".

بلد يسعى جاهداً للتشافي

نزل آلاف السوريين إلى الشوارع يوم الإثنين احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد، فهذا البلد مثله مثل مروان، يحاول أن يتعافى بعد مرور سنة على انتهاء حكم آل الأسد القمعي الذي امتد لأكثر من خمسين عاماً، بعد حرب طالت لأربع عشرة سنة وخلفت نصف مليون شهيد وملايين النازجين وبلداً مدمراً ومقسماً.

أتى سقوط الأسد كالصدمة، حتى بالنسبة للمعارضين الذين أطاحوا به، إذ في أواخر شهر تشرين الثاني من عام 2024، قامت فصائل من شمال غربي البلد بقيادة هيئة تحرير الشام التي كان قائدها أحمد الشرع الذي أصبح اليوم الرئيس المؤقت للبلد، بشن هجوم على مدينة حلب بهدف استعادتها من قوات الأسد.

فوجئت تلك القوات بانهيار جيش النظام وضعف مقاومتها لهم، بداية في حلب، ثم في كبرى المدن السورية مثل حماة وحمص، ما جعل الطريق إلى دمشق سالكاً أمامهم. وفي تلك الأثناء، حشدت فصائل الثوار في الجنوب السوري صفوفها لتتقدم نحو العاصمة.

سيطر الثوار على دمشق في الثامن من كانون الأول عندما حملت القوات الروسية الأسد بعيداً عن المكان فوصل إلى منفاه في موسكو التي يقيم فيها اليوم، غير أن روسيا التي كانت من أعتى وأقدم حلفاء الأسد، لم تتدخل عسكرياً للدفاع عنه، بل أقامت منذ ذلك الحين علاقات مع حكام البلد الجدد وحافظت على قواعدها العسكرية في الساحل السوري.

يخبرنا حسن عبد الغني، الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع السورية بأن هيئة تحرير الشام وحلفاءها أطلقوا حملة تنظيمية كبرى بعد استعادة قوات الأسد السيطرة على عدد من المناطق التي كانت تحت سيطرة الثوار، وذلك خلال الفترة ما بين 2019-2020.

 

كان الهدف الأولي لهجوم الثوار الذي قام في تشرين الثاني عام 2024 السيطرة على دمشق، وهذا يعني استباق أي هجوم كبير متوقع لقوات الأسد على إدلب التي كانت تحت سيطرة الثوار، والذي كان هدفه "إنهاء ملف إدلب" بحسب ما ذكره عبد الغني.

لذا، فإن شن هجوم على حلب "كان أحد الحلول العسكرية لتوسيع نطاق المعركة وبالتالي حماية المناطق المحررة من الداخل"، بحسب رأي عبد الغني.

وأثناء تحديد موعد الهجوم، استفاد الثوار أيضاً من انشغال الروس بالحرب في أوكرانيا، وهزيمة حزب الله المدعوم إيرانياً والذي كان حليفاً هو الآخر للأسد بعد حرب مدمرة مع إسرائيل.

عند انهيار دفاعات جيش النظام البائد، ضغط الثوار أكثر، "ليستفيدوا من تلك الفرصة الذهبية"، بحسب وصف عبد الغني.

نجاحات في الخارج وتحديات في الداخل

منذ صعوده المفاجئ إلى السلطة، شن الشرع حملة دبلوماسية آسرة، نسج خلالها علاقات مع دول غربية وعربية نأت بنفسها عن الأسد على الرغم من أنها كانت خلال فترة من الفترات تعتبر الشرع إرهابياً.

في تشرين الثاني من هذا العام، أصبح الشرع أول رئيس سوري يزور واشنطن منذ استقلال سوريا في عام 1946. لكن النجاحات الدبلوماسية التي حققها ترافقت مع اندلاع موجات عنف طائفي أسفرت عن مقتل مئات المدنيين من الطائفتين العلوية والدرزية على يد مقاتلين سُنّة موالين للحكومة، ولذلك أسست الفصائل الدرزية المحلية اليوم حكومة أمر واقع لها جيش يخصها في محافظة السويداء الواقعة جنوبي البلد.

وتستمر التوترات بين الحكومة الجديدة في دمشق وقوات سوريا الديموقرطية التي تسيطر على شمال شرقي سوريا، على الرغم من توقيع اتفاقية بين الطرفين في آذار الماضي والتي كان من المفترض أن تعمل على دمج تلك القوات ضمن الجيش السوري الجديد.

 

أما إسرائيل فيقلقها أمر الحكومة السورية الجديدة ذات القيادات الإسلامية حتى بعد أن أعلن الشرع بأنه لا يريد لبلده أن يخوض أي نزاع، وهكذا احتلت إسرائيل المنطقة العازلة حيث تسيّر الأمم المتحدة دورياتها في الجنوب السوري، وشنت غارات جوية دورية وتوغلات برية في سوريا منذ سقوط الأسد، في حين توقفت بين الطرفين المفاوضات الساعية لعقد اتفاق أمني بينهما.

ما تزال مخلفات الحرب منتشرة في كل مكان، إذ أعلنت المنظمة الاستشارية المعنية بالألغام يوم الإثنين مقتل ما لا يقل عن 590 شخصاً، بينهم 167 طفلاً، منذ سقوط الأسد بسبب الألغام الأرضية المنتشرة في سوريا، وهذا ما يجعل البلد يحتل المرتبة الأولى عالمياً بالإصابات التي تسببها الألغام الأرضية في عام 2025.

وفي هذه الأثناء، ما يزال الاقتصاد يسير ببطء شديد، على الرغم من رفع معظم العقوبات الغربية عن البلد، إذ في الوقت الذي تعهدت دول الخليج بالاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار لم تتحقق سوى حفنة منها على الأرض، ولهذا يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب في هذا البلد بنحو 216 مليار دولار.

عملية إعادة البناء قوامها جهود فردية

حتى الآن، قامت معظم أعمال إعادة البناء بفضل أفراد أصلحوا وضع بيوتهم وأعمالهم المدمرة.

على أطراف دمشق، وتحديداً في مخيم اليرموك الذي كان يضج بالحياة في السابق، نكتشف بأنه أضحى اليوم أشبه بصورة ملتقطة للحياة على سطح القمر، إذ بعد أن تعاقبت فصائل مقاتلة متعددة في السيطرة عليه، ثم تعرض لقصف طائرات النظام البائد، أصبح هذا المخيم خاوياً على عروشه بعد عام 2018.

منذ سقوط الأسد، عادت إلى المخيم جموع من سكانه السابقين، وما تزال أشد المناطق تدميراً مهجورة، إلا أن الشارع الرئيس فيه والمفضي إلى المخيم، أعيد فيه بناء الجدران المدمرة شيئاً فشيئاً وذلك ضمن المباني التي بقي هيكلها سليماً، وعادت المحال التجارية لفتح أبوابها، كما رجع الأهالي لبيوتهم، غير أن أي مشروع كبير لإعادة الإعمار في تلك المنطقة ما يزال حلماً بعيد المنال.

على الرغم من أن المياه لا تصل إلى تلك المنطقة، يقوم ماهر الحمصي بإصلاح بيته المدمر حتى يتمكن من العودة إليه، وعن ذلك يقول: "مضت سنة على سقوط النظام، وأنا أمني نفسي بأن يزيلوا البيوت القديمة المدمرة ويبنوا أبراجاً مكانها".

أما جارته عتاب الهواري فمستعدة لإبداء بعض التساهل مع الحكومة، ولهذا تقول عن مسؤوليها: "لقد ورثوا بلداً خاوياً، فالمصارف خاوية، والبنية التحتية منهوبة، والبيوت مسروقة".

 

أما بسام دمشقي وهو طبيب أسنان دمشقي، فقد وصف البلد بعد سقوط الأسد بأنها: "أفضل بكل تأكيد، إذ أصبح فيها حرية نوعاً ما"، إلا أن الوضع الأمني المتقلقل في البلد وما يخلفه من تبعات على الاقتصاد ما يزال يقلقه، ولهذا يقول: "إن وظيفة الدولة فرض الأمن، إذ بمجرد فرضك للأمن سيأتي كل شيء، لأن الوضع الأمني هو ما يشجع المستثمرين على القدوم وتنفيذ المشاريع".

أعلنت مفوضية اللاجئين الأممية عودة أكثر من مليون لاجئ وقرابة مليوني نازح سوري إلى بيوتهم منذ سقوط الأسد، ولكن في ظل غياب فرص العمل وإعادة الإعمار لا بد أن يرحلوا عن مناطقهم مجدداً.

ومن بين هؤلاء مروان، ذلك السجين السابق الذي ذكر بأن الوضع في سوريا بعد الأسد "أفضل بكثير" مما كان عليه في السابق، إلا أنه يعاني على المستوى الاقتصادي، ففي بعض الأحيان يعمل عاملاً مياوماً بأجر يتراوح ما بين خمسين إلى ستين ألف ليرة سورية باليوم الواحد، أي ما يعادل خمسة دولارات فحسب.

ويخبرنا بأنه بمجرد انتهائه من علاج مرض السل يخطط للسفر إلى لبنان بحثاً عن فرص عمل بأجور أفضل.

المصدر: The Associated Press