أسامة إسبر: الترجمة إبداع جديد لنص مكتوب بلغة أجنبية

تاريخ النشر: 13.03.2021 | 14:09 دمشق

محمود أبو حامد

ما بين عبارة "الترجمة خيانة" التي تقول إن الترجمة لن تستطيع أن تصل إلى نقل الأصل نقلاً تاماً، وعبارة "الجميلة وغير الأمينة" التي قد تطول أخلاقية المترجم والترجمة وتشكك فيهما؛ ما زالت الآراء متباينة بشأن الترجمة والمترجم وضرورة توافر المقومات الذهنية، والكفاءات اللغوية، والقدرات الدلالية التي تؤسس لعمليات تحقق الأمانة وتحفظ الترجمات وتصون قيمتها، فهل ثمة ترجمة ترتقي بجودة النص إلى مستوى النص الأصلي أو تضيف عليه؟ أو تحقق النقل الثقافي للغة ودلالاتها واستعاراتها ومجازاتها، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بالترجمة الإبداعية؟

يؤكد الأديب والمترجم أسامة إسبر أن الترجمة بالنسبة له جهد متواصل، بل سفر دائم، لتقديم كتاب ممتع ومختلف وتنويري، وبسوية لغوية رفيعة للقارئ العربي. ويرى أن الترجمة الأدبية إبداع جديد لنص مكتوب بلغة أجنبية، ما يقتضي من المترجم أن يكون متقناً للغة الأصل التي كُتب بها النص، ومتقناً للغته التي سيُنقل إليها النص، ومطلعاً على الثقافة في اللغتين، من دون هذه المعرفة العميقة، ستفتقر الترجمة إلى أحد أهم أسسها، فالمترجم حين يترجم، يترجم بجسده كله، أي بثقافته وخبرته وبذوقه الذي يتجلى في صياغة النص المُتْرجم في الأفق الجمالي للغة العربية.

اللغة العربية

وحول الصعوبات التي قد يواجهها المترجم للعربية من دون غيرها من لغات، والفرق بين ترجمة الكتب الفكرية والأدبية، يقول أسامة إسبر: "لا شك أن المترجم في السياق العربي يواجه صعوبات جمة أولها تلك المرتبطة بلغة النصوص المترجمة، وكي أتحدث من خلال مثال،  أتحدث عن ترجمتي لروايتين أخيراً؛ الأولى هي (أسنان بيضاء) لـ زيدي سميث، الصادرة عن (دار كلمات)، والثانية هي (فارغو بيرنز) لـ كوس كوستماير الصادرة عن دار (خطوط وظلال). كانت الصعوبات التي واجهتها في رواية زيدي سميث ورواية كوس كوستماير تتعلق بالمحكية، فرواية أسنان بيضاء مليئة بمفردات شوارع لندن وخاصة الجزء الشمالي، فمثلاً كلمة "chief" والتي تعني زعيماً، تعني في لهجة شمال لندن شتيمة نابية، وإذا لم تعرف هذا، بالإضافة إلى طريقة المهاجرين الجامايكيين في استخدام الإنجليزية، سترتكب أخطاء تؤدي إلى تغيير المعنى الذي قصدته الكاتبة، وأما في رواية فارغو بيرنز فهناك أسماء مختلفة بالمحكية لأنواع المخدرات في نيويورك، وكنت بحاجة إلى البحث في قواميس المحكيات وطرح أسئلة على الكاتب نفسه، ولقد ساعدتني حياتي في أميركا على التغلب على هذه الصعوبات التي واجهتها أيضاً في ترجمة الأعمال القصصية لريموند كارفر والذي يعتبر رائد الواقعية القذرة، وخاصة كتابه (كاتدرائية)، الذي صدر عن دار كلمات".

 

9cecd4ec-fe58-457d-b9b4-f5c5126989c7.jpg

 

الأدبية والفكرية

ويضيف إسبر أن الترجمة الأدبية تختلف عن الفكرية، بمعنى أنها تؤثر في النتاج الأدبي، فمثلاً (إدواردو غاليانو)، أثر على عدد من الكتاب العرب، بل هناك صحفيون معروفون يحاكون أسلوبه في الكتابة، أما بالنسبة للفكر فلا يمكن أن يكون لترجمة الأعمال الفكرية المهمة فاعلية خلاقة ومغيرة من دون ارتباط بجيل قارئ ومثقف يحاول أن يستفيد من تجربة الآخر المعرفية في مقاربة واقعه، لهذا السبب ستكون الغلبة دوماً للفكر الأصولي ما دمنا غير قادرين على تطويع منهجيات الغرب وتوظيفها لخدمتنا في قراءة واقعنا الذي نعيشه، وخاصة حين تتحول الكتب الفكرية المهمة إلى كائنات تعوم في ماء الجهل الآسن، أو في سياق لا يعرف الخلفية الفكرية وجوهر مشكلتها.

 

900c0131-5761-4367-97b6-3b305d89266f.jpg

 

ويتابع: أعتقد أننا يجب أن نناقش الترجمة في سياق واسع، ننتبه فيه إلى طبيعة حركة الترجمة، والهدف الذي تصبو إليه، إذا كان الهدف هو تغيير الوعي العربي، فإننا يجب أن نترجم في سياق إنتاج فكري يتفاعل فيه النشاط الترجمي مع النشاط الفكري المحلي القارئ والمحلل لواقعه على ضوء منجزات الآخر الفكرية، لكن الثقافة العربية تعيش مأزقاً، إذ كل نتاج منعزل في توجهاته وأهدافه وخططه، وهو في جوهره يستكين إلى التوفيقية وإلى الوظيفية بسبب الإكراهات التي يخضع لها الجميع، بالمعنى المالي، واللعب الماكر للسياسة.

حرية الاختيار

ما بين المهني والمؤسسي والفردي، تتراوح نوعية الكتب التي يختارها المترجم، وحرية هذا الاختيار،  فكيف كانت بداية العلاقة مع الترجمة عند أسامة إسبر؟

يقول إسبر: كنت دوماً أختار الكتب التي أترجمها، فأول كتاب ترجمته صدرتْ طبعته الأولى بعنوان "عشاق البحيرة" ثم وسّعْتهُ وأصدرته بعنوان مختلف هو (رسالة إلى الله)، ويضم مختارات من القصة القصيرة، لكتاب مختلفين أحببتها جداً في ذلك الحين وأردت أن أراها مترجمة إلى اللغة العربية.

ويضيف: يمكنني القول إنه في فترة من الفترات كنت أختار ترجمة الكتب التي أثرتْ بي شخصياً، فحين قرأتُ، على سبيل المثال، رواية (المريض الإنجليزي) للكاتب السريلانكي مايكل أونداتجي، ولم يكن قد ذاع صيتها بعد أن حولت إلى فيلم، سحرني أسلوبه السردي وطريقة استخدامه للغة الإنجليزية في تألق شعري ونثري مذهل، وكيف جمع في هذه الرواية بين الوثيقة والنثر الرفيع المشحون بروح الشعر، أي بين التفاصيل الدقيقة المتعلقة مثلاً بلغم وعناصره ومكوناته وطريقة نزعه، وبين السفر الشعري في ذاكرة شخص محترق ممدد على السرير في فيلا مهجورة محاطة بالألغام وتعتني به ممرضة قررت عدم الرحيل، والبقاء معه.

 

85771c0a-1a8f-463e-9eb6-f8240e4b8984.jpg

 

هذا التأثر بالأسلوب وسحر اللغة هو الذي كان يجعلني أختار الكتاب الذي أترجمه، ولقد حدث هذا من قبل حين وقع في يدي كتاب "ذاكرة النار" لإدواردو غاليانو، وهو مكتوب في الأساس باللغة الإسبانية ومترجم إلى الإنجليزية، وهذا يقودنا إلى سؤالك حول اللغة الوسيطة.

أنا شخصياً، يوضّح إسبر، لستُ مع الترجمة من لغة وسيطة إلا في حالات خاصة جداً. لقد أحدث فيّ إدواردو غاليانو تأثيراً عميقاً إلى درجة أنني بادرت إلى ترجمة كتابه المذكور عن اللغة الإنجليزية، وقد حظي غاليانو في الحقيقة بترجمة رفيعة وعالية المستوى في اللغة الإنجليزية قام بها الكاتب الأميركي الشمالي والصديق الحميم لغاليانو سيدريك بلفريج، وقال البعض من الذين يعرفون الإنجليزية والإسبانية جيداً إن ترجمته جميلة كالأصل. قمتُ بهذا التجاوز انطلاقاً من هذا السحر الذي ولّده فيّ هذا الكتاب بعد قراءته لأول مرة. وكنت أول من قدم إدواردو غاليانو هو ومايكل أونداتجي وآلن لايتمان في اللغة العربية وعرّف القراء العرب إليهم. ولقد فرض إدواردو غاليانو سحره لعدة أسباب، منها أن كتابته مختلفة في سياق أدب أميركا اللاتينية، وأنه متمرد على الأشكال الموروثة، ومتمرد على الموضوعات الكلاسيكية للأدب، لذا يجمع في تجربته بين الرؤية الجديدة والأسلوب الأدبي المتفرد، ومن خلال كتابه تقرأ تاريخ وثقافة قارة بأكملها، تقرأ هذا التاريخ المستند إلى أساس وثائقي صلب بلغة متمردة تصبو دوماً إلى جمال التعبير وتخترق الحدود بين الأجناس الأدبية "التي وضعها ضباط جمارك الأدب"، كما يقول غاليانو في مقدمة "ذاكرة النار". هذه الاعتبارات وحدها هي التي دفعتني إلى تجاوزات في الترجمة، وأحياناً إلى تعلم لغة جديدة، ولقد حاولت أن أتعلم الإسبانية من أجل قراءة غاليانو بالأصل، غير أن الوقت لم يسمح لي فتوقفت.

الفرق الجوهري

إذا كان (إدواردو غاليانو) قد فرض سحره بكتابته المختلفة في سياق أدب أميركا اللاتينية، وبمتمرد على الأشكال الموروثة، والكلاسيكية للأدب، وغيرها من الأسباب، فما الفارق بينه وبين غيره من الكتاب ولغة الترجمة واحدة، وهي العربية؟

يؤكد إسبر أن هناك فرقاً جوهرياً ولا معنى للأدب من دونه. إن إدواردو غاليانو يختلف عن مايكل أونداتجي الذي يختلف عن آلن لايتمان وريموند كارفر أو جينين كمنز، لكل كاتب عالمه ولغته الخاصة وفي الترجمة أنت تستخدم اللغة العربية ولكن عبر وعي سياقي ووعي للفروق بين الشخصيات، ولطريقة استخدام اللغة ولمستويات استخدامها ولما وراء السطور وهذا لا يتوضح إلا في الممارسة اللغوية المكتوبة، ومن الضروري أحياناً الاستفادة من المحكية لتطعيم الجو وتلوينه، لكن هذا يعود إلى كل مترجم وأسلوبه.

ويضيف إسبر: بالنسبة لي صرت أكثر ميلاً في الآونة الأخيرة إلى إضافة هوامش للترجمات الأدبية. سترى أن رواية أسنان بيضاء أو فارغو بيرنز مزودة بهوامش لشرح سمات أسلوبية وإحالات وإشارات تاريخية وأسماء علم، من أجل مساعدة القارئ على تعميق فهمه للعمل الروائي المترجم. فمثلاً كوس كوستماير يستفيد في سرده من لغة البرقية، كما يستفيد من موسيقا البلوز والجاز في انتقالاته أو وصلاته السردية المفاجئة. هذا يحتاج إلى توضيح في مقدمة أو هوامش كي تضع القارئ في صورة ما تفعل، كما أن زادي سميث تذكر أسماء رجال دين وممثلين وشخصيات بريطانية وعربية وجامايكية وتستخدم محكية شوارع لندن كما تنطقها شخصيات مهاجرة من أصول جامايكية أو عربية، وكل هذا بحاجة إلى توضيح في الهامش.

صعوبات المهنة

وحول الصعوبات التي تواجه المترجمين في مهنتهم، يشير أسامة إسبر إلى أن هناك صعوبات في طبيعة تعامل دور النشر مع المترجمين، من حيث حقوق الملكية وأجور الترجمة، فهناك بعض الناشرين العرب الذين يتعاملون معك وفق تقاليد رفيعة ويحترمون حقوقك كمترجم وهناك ناشرون قد تمر أعوام من دون أن تصلك حقوقك المادية منهم، وفي حالات كثيرة لا ترى نسخ كتبك المطبوعة، هذه الطريقة في التعامل، غير القائمة على تقاليد مؤسساتية راقية وحضارية كما هو الحال في الغرب تؤثر على تفرغ المترجم للقيام بالعمل بإخلاص ودقة وتأن، ولربما أدى هذا إلى تسرع في سوق الترجمة نوعاً ما، كما أن الترجمة قائمة على مقاربات فردية واجتهادات، غير أن مشكلتها الكبرى على الصعيد الفكري هي أن المترجمين يقدمون نتاجاً فكرياً مهماً لا يواكبه حراك ثقافي يمتلك قراءة خاصة للواقع العربي، لذا يتحول القارئ المثقف إلى ذاكرة مليئة بالمصطلحات التي لا تمتلك أهمية سياقية.

إسبر في سطور

أسامة إسبر، شاعر وصحفي وفوتوغرافي ومترجم سوري، يُقيم حاليّاً في أمريكا. يعمل محرراً في مجلة "جدلية"، ومجلة "ستاتوس\ الوضع" الصوتية، وموقع "تدوين للنشر".

 صدرت له مجاميع شعريّة وقصصيّة من بينها "على طرقي البحرية" و"حيث لا يعيش"، "مقهى المنتحرين"، و"السيرة الدينارية".  ترجم من الإنجليزية إلى العربية العديد من الكتب، من بينها "أحلام آينشتاين" لآلن لايتمان، و"الكتب في حياتي" لهنري ميلر، و"نشأة النظام الأبوي" لغيردا ليرنر، و"توقيعه على الأشياء كلّها" لإليزابيث جلبرت، و"كندا" لرتشارد فورد، "الحكايات الخرافية" لهرمان هسه. "التراب الأمريكي" لجينين كمنز. "كاتدرائية" لريموند كارفر. "جوزف أنطون: سيرة ذاتية" لسلمان رشدي."اللعب في الظلام" لتوني موريسون، وغيرها من الروايات والكتب.

 
مقالات مقترحة
لبنان يعيد السماح للسوريين بدخول أراضيه لمراجعة مشفى أو سفارة
الهلال الأحمر القطري يراقب حملة لقاح كورونا شمال غربي سوريا |صور
كورونا.. 13 وفاة و243 إصابة في جميع مناطق سوريا