أسئلة لابدَّ منها!

2025.01.30 | 06:13 دمشق

قد يكون للوعود الكبيرة التي انطلقت بعد سقوط عصابة "آل الأسد" ورحيلها عن سوريا دور كبير في حالة "الغفلة" التي يعيشها السوريون اليوم، وهم المحرومون منذ سنوات كثيرة من مقومات الحد الأدنى للحياة
+A
حجم الخط
-A

ربما نسي السوريون في غمرة أفراحهم بسقوط نظام “الأسد” أن ينتبهوا لما بعده، ولم يعد للسؤال حول كيفية سقوطه أي حضور اليوم، فالمهم أنه سقط، وهو الذي أذاقهم القهر لعقود طويلة، وارتكب مئات الجرائم والمجازر بحقهم، وحكمهم بالحديد والنار، أما كيف تم الأمر، ولمصلحة من، ولماذا تأخر كل هذه السنوات، وماهي أهداف من أسقطوه، وإلى أين يريدون أن يذهبوا بسوريا فهذه الأسئلة كلها بلا أهمية بالنسبة لعدد كبير من السوريين، إذ يكفي أنه سقط، وهيا لنحتفل!

دائما يغني السوريون أينما تواجدوا الأغنية التي أصبحت كأنها النشيد الوطني لسوريا، والتي تدعو السوريون لرفع رؤوسهم فهم أحرار أخيراً، وتفصح وجوههم الفرحة وأصواتهم المرتفعة عن مدى حاجتهم العميقة للإحساس بالحرية، ويصرخ إعلاميون بهياج مفتعل ومبالغ فيه وهم يواكبون زخم الانفعالات الطاغية في الشارع السوري، ويدبكون ويرقصون .. في سوريا فرح لا حدود له، لكن في سوريا ما هو شديد المرارة، وما هو فاجع، لكنه يمر بصمت، وهذا الضجيج العالي يقلل كثيرا من فسحات التفكير ويجعل من صوت العقل المشكك تهمة وربما خيانة.

ينشغل السوريون كثيرا بتفاصيل "قائدهم" الجديد: "إنه يتحدث بهدوء"، "لقد خلع لباس المجاهد ولبس بدلة عصرية"، “إنه قائد محنك””، يا إلهي لقد التقط صورة مع امرأة غير محجبة"، هكذا وبسرعة تتم صياغة أسطورة الرجل الذي أوكلت له مهمة إسقاط الهيكل الأخير بعد أن أفرغوه من كل ما فيه، وبعد أن صدرت الأوامر لمن كانوا يدافعون عنه بعدم إطلاق أي طلقة، هكذا وبمسرحية مخابراتية اشتركت فيها أطراف كثيرة أصبح زعيم إمارة إسلامية في منطقة صغيرة من سوريا فاتحاً عظيماً لسوريا، ومحرراً وقائداً لها.

لا يهتم السوريون الآن كثيراً لما هو أعمق من المظهر الجديد، ويتناسون بسرعة غريبة كل هواجسهم التي كانت بالأمس، والأخطر من هذا أنهم يقمعون من يقول اليوم ما كانوا يقولوه بالأمس. لكن ألا يحق للمتوجسين الذين لا يحسنون الظن بتفاصيل ما حدث أن يطرحوا أسئلة لا يمكن تجاهلها، وتتضح أهميتها يوماً بعد يوم، ويثير السكوت عنها قلقاً بالغاً بأن ثمة ما هو مخفي ومخيف، وأن هناك ما يحضّر لسوريا المدمّرة من جهة، والمنشغلة الآن بفرح إسقاط الطاغية وعصابته؟؟

أكثر ما يثير حنق السورين "المنتصرين" اليوم هو التشكيك بالرواية التي يتم تداولها كما لو أنها مقدس لا يجوز التشكيك فيه، فليس من حق أحد أن لا يعجب "بحصافة" "أحمد الشرع"، والسلوك المبهر للسياسي "المخضرم" "الشيباني" أو حتى لوزير العدل الذي لم يدرس القانون يوماً، أو..أو.. ومن يفعل ذلك فهو بالتأكيد واحد من ثلاثة أصناف أساسية: فإما أنه "طائفي"، أو أنه "علماني ملحد"، أو أنه من "فلول النظام".

قد يكون للوعود الكبيرة التي انطلقت بعد سقوط عصابة "آل الأسد" ورحيلها عن سوريا دور كبير في حالة "الغفلة" التي يعيشها السوريون اليوم، وهم المحرومون منذ سنوات كثيرة من مقومات الحد الأدنى للحياة

قد يكون للوعود الكبيرة التي انطلقت بعد سقوط عصابة "آل الأسد" ورحيلها عن سوريا دور كبير في حالة "الغفلة" التي يعيشها السوريون اليوم، وهم المحرومون منذ سنوات كثيرة من مقومات الحد الأدنى للحياة، والتشكيك بعدم القدرة على تحقق هذه الوعود ممنوعاً ويصنف أيضاً ضمن الأحاديث المتآمرة التي تتعمد وضع العصي في العجلات، فالوقت لا يزال باكراً، والعقوبات لم ترفع إلا منذ أيام وهو رفع مؤقت ومشروط، والبلاد منهارة، ودورة الاقتصاد متوقفة.. إلخ.

لكن الأسئلة ملحّة، والقول أن الآن ليس وقتها غير صحيح، والسكوت عنها ليس في مصلحة السوريين، وبالتالي فإن طرحها يشكل ضرورة لا غنى عنها، وهي بالتالي مسؤولية وطنية  يجب أن يتحملها كل الفاعلين في الشأن العام، سياسيون، ومثقفون، واقتصاديون، ووجهاء اجتماعيون، ورجال دين.. إلخ.

أول هذه الأسئلة وأكثرها إلحاحاً هو ما يتعلق بالسلم الأهلي، فهل أصبحت سوريا آمنة بما يكفي لكي يتم الانتقال إلى الخطوات الأولى لتعافي سوريا، أو لإخراجها من غرفة العناية المشددة، وإذا لم تكن كذلك، فهل هي ذاهبة بهذا الاتجاه، أم أن العكس هو ما يحصل، وأن عوامل القلق والخوف تتعزز، وتزداد فرص الانفلات الأمني. بصياغة أخرى هل يتم اليوم تحصين سوريا وزيادة قدرتها على منع حدوث أي انفلات أمني، وهل تصحّ الرواية حول حصر العناصر الباعثة على القلق بما يسمى "فلول النظام"، أو القوى العسكرية التي لم تنضوِ تحت راية السلطة الجديدة، أم أنه من الضروري القول بأننا أمام أخطار أخرى، فنحن في قلب منطقة لا يزال دخان معاركها المدمرة ينبعث وبقوة، ولاتزال جيوش كثيرة في المنطقة تضع يدها على الزناد، ومصالح الآخرين الفاعلين في سوريا لاتزال متصارعة ؟؟!!

ثاني هذه الأسئلة الملحّة أيضاً هو المتعلق بما يخطط له من أسقطوا النظام السابق فعلاً، أي من رتبوا كل المقدمات الضرورية لإسقاطه، واختاروا الأداة السورية لتنفيذ ما اتفقوا عليه. وبالتالي هل يمكن لمن يدير سوريا اليوم أن يدافع عن السوريين ومصالحهم في حال تناقضت هذه المصالح مع مصالح من خططوا لإنهاء حقبة الأسد، وهل يحق للسلطة القائمة أن تستجيب لرغبات ومصالح أطراف خارجية وتتصرف بما هو ليس من صلاحياتها، مثل ترسيم حدود، أو خصخصة القطاع العام، أو تحديد بنية الجيش، أو بنية القضاء.. الخ.

ثالث هذه الأسئلة الملحة أيضا يتعلق بقدرة الإدارة الجديدة على القيام فعلاً بما تحتاجه سوريا  كمقدمة حتميّة لإطلاق عملية بناء الدولة الجديدة، مثل تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، ومثل الدعوة لمؤتمر وطني حقيقي يمثل السوريين فعلاً، وهل تأجيل هذه القضايا بالغة الأهمية متعلق بالظروف الموضوعية، أم أن بنية السلطة القائمة، وطبيعة تحالفاتها تجعل منها عاجزة عن القيام بها؟.

هناك أسئلة كثيرة أخرى لا يمكن تأجيلها، والإجابة عليها سوف تحدّد معالم سوريا القادمة، والجواب عليها إن لم يكن بدلالة مصلحة السوريين جميعاً، وبدلالة دولة المواطنة الحقيقية، وليس بدلالة البقاء في السلطة أو بدلالة مصالح الأطراف الخارجية الفاعلة، فإن سوريا ذاهبة إلى صياغة تجعلها دولة هشّة محكومة بواجهات محلية لمصالح خارجية، وقابلة للانهيار والتقسيم.

صحيح أن أسوأ نظام في العالم قد أخرج من سوريا، لكن هل يكفي هذا لكي يطمئن السوريون أن الغد لن يحمل لهم ما قد لا يختلف كثيراً عن أمسهم، سيما وأن ما يريده من يرسم مصير سوريا في الكواليس قد لا يهمه أبداً ماذا يريد السوريون، ولماذا قاموا بثورتهم!!