أسئلة في الأفق لكن بلا أجوبة

تاريخ النشر: 15.03.2021 | 05:39 دمشق

ها هي تكتمل عشرة عجاف من التاريخ السوري؛ ولازال الجرح مفتوحاً؛ والأسئلة في الأفق تتزاحم؛ ولكن يبقى أكثرها بلا أجوبة. 

في علم الدلالة والمنطق، يجب ألا يحمل السؤال حكم قيمة، كي يكون موضوعياً ومحايداً؛ ولكن في الحالة السورية، لا بد أن يحمل السؤال حكم قيمة، كي يشع على المأساة وغرابتها؛ فلا حياد في القضية السورية.

لقد وصل السوريون إلى حالة لم تعد فيها حتى الأسئلة الحادة النفّاذة ذات وزن أو تأثير؛ وممل أصبح توصيف الحال؛ فإذا كان أفق اليوم مسدوداً بفعل دمار الأمس، فماذا سيكون عليه، وأي شكل سيأخذ الغد المبهم!؟

  • هل نقاوم بيدنا عبر حرب تحرير شعبية لم يعد في الأفق جدوى إلاّ هي؟! وهل زمننا زمن الحروب الشعبية، بعد أن سدّت اليد الوحشية الداخلية والخارجية هكذا احتمال؟ 
  • هل نسامح آل الاسد ومَن لف لفيفهم بتعب العمر ومسقط الرأس والذكريات والوطن، الذي ليس لنا غيره؟
  • ماذا نقول لعشرات آلاف المعتقلين في مقابر الأحياء.. زنازين نظام الإجرام؟
  • ماذا عن إخوتنا السوريين الآخرين الذين سمّتهم منظومة الأسد "المجتمع المتجانس" فحوّلتهم إلى رهائن، ليختص بعضهم بالتشبيح، وآخرون بالارتزاق؛ وقلة بلا حول أو قوة، تجمعهم الإهانة ويقتلهم الصمت؟
  • ماذا نقول لمن سمح لمخدرات إيران أن تعبث بهم، ولروسيا أن تحتقرهم، ولميليشيات محلية أن تعربد وتخطف وتقتل دون رادع أو واعز أخلاقي يوقف النزيف؟
  • أي جيش أو "حماة ديار" تبلّدت مشاعرهم ليصبح في ذهنهم المستبيح حامياً، والقاتل مخلّصاً، والمبعثر موحداً، والعبد الذليل سيداً؛ كل ذلك ليهون عليهم وطن وشعب خرجوا من صلبه ليحموه ويدافعوا عن سيادته، فإذ بهم أداة الجريمة بحقه؟
  • أمام هذا التشظي المجتمعي، والبروز الفاقع للهويات المغلقة ما دون الوطنية، كيف يمكن استعادة سوريا الوطن بهوية تشاركية متجددة بعيداً عن القمع والخوف اللذين كرستهما وعاشت عليهما منظومة الاستبداد، التي حولت السوريين إلى رهائن للعوز والخوف والقهر والصمت؟!
  • ماذا عن منظومة استبدادية منفصمة عن الواقع وعن الأخلاق والمسؤولية؛ تكذب كما تتنفس؛ لم نشعر أنها سوريا أصلاً؟!
  • أي ثوابت تلك التي تتبخّر؟ ومتى وُجدت تحوّلت إلى حبال تخنقنا أو قوالب تجمدنا؟
  •  من يشبع نهم الصهاينة، وهم يجدون مَن يتسابق على نيل رضاهم وتقديم ما لم يحلموا به، أكان الأسد للبقاء في السلطة، أو بوتين لتُقبَل أوراق اعتماده أميريكياً وأوروبياً؟
  • إذا كان مَن ساهم بتمزيق سوريا وهتك سيادتها لازال يتبجح بوحدتها وسيادتها، دون الالتفات إلى بعثرة روحها وجوهر وجودها؛ فهل يمكن أن نعوّل على محتلٍ بصفة حليف، وصاحب مصالح خبيثة بصفة منقذ؟ ماذا يفعل كل الغرباء في بلدنا؟ ومَن تسبب بوجودهم؟ أليس الخلاص من الحجة والذريعة طريقاً للخلاص واستعادة بلدنا؟!
  • ما هذا الهوس الداخلي السوري والإقليمي والعالمي بإبقاء النار السورية مشتعلة؟ أو بتضميد الجرح السوري الغائر بعفنه؟ أو بالإبقاء على أساس وسبب المأساة السورية، وعدم تكليف النفس بوقفة ضميرية على جوهر ما حدث ويحدث؟ أو باستمرار خلق الحجج والأعذار الزائفة لتحقيق مصالح صغيرة تؤذي الملايين وتخدم غايات خبيثة تجعل من عالمنا مكاناً مقرفاً وخطراً وغير آمن للحياة البشرية؟!
  • ما معنى أن تستميت روسيا بحفر ونبش مقابر في مخيم اليرموك للعثور على رفاة جاسوس إسرائيلي كي تدعم نتنياهو في انتخاباته، علّه يساعدها في رضى الغرب عنها وفي إعادة تكرار رفاة النظام الأسدي؟!
  • لماذا لم يطلب وزير خارجية الإمارات من نظام الأسد التجاوب مع الحل السياسي الذي يضع سوريا والسوريين على سكة حياتهم (التي يقلق عليها) كي يتم رفع عقوبات قانون قيصر، وعندها يعيد سوريا إلى الجامعة العربية؟!
  • باستثناء شبيحته و "نبيحته"، هل يعتقد بشار الأسد وحرمه المصون أن ادعاء إصابتهما بالكورونا سيجلب التعاطف مع مَن ينتظره ما يقارب المليون وثيقة توثق إجرامه بحق شعبه، وتعيد تكراره رئيساً؟!

ليست جامعة مانعة هذه الأسئلة؛ ويمكن إضافة مئات عليها. حَسْبُها أنها تسلط الضوء على ملامح طريق الخلاص. ضاق مكان الحرب. لن ينسى سوريٌّ آل الأسد أو يسامحهم، ولن يغفر لمن هدر الدم السوري؛ ولكنه جاهز لتضميد الجراح والعودة إلى الحياة. يريد السوريون معتقليهم؛ يتطلعون إلى التعايش وبتجانس كما كانوا، ولكن ليس على الطريقة الأسدية. أتعبتهم مخدرات ملالي طهران وسكاكين ميليشياتها وصواريخ وطائرات بوتين وسياسات لافروف البهلوانية؛ يريدون جيشاً يحمي الديار لا الاستبداد والجرائم؛ يريدون هوية يعتزون بها ووطناً حراً كريماً يتساوون فيه بالحقوق والواجبات تحت قانون هم فيه الأسياد لا الأقنان. عندها بكل ثقة وفخر يستعيدون ما احتُل من أرضهم من إسرائيل التي حمت من قمعهم مقابل التبطح على حقهم. وعندها فقط نستعيد الوطن.