أسئلة السوريين وأمنياتهم

تاريخ النشر: 01.03.2022 | 05:05 دمشق

سألني لاجئ سوري في تركيا: هل ستصب الحرب بين أوكرانيا وروسيا في مصلحة السوريين، وهل سينعكس ذلك إيجاباً على قضيتهم، وخصوصاً أن "كييف" تحظى بدعم غربي، وثمة إدانة دولية واسعة لهذا الغزو؟

هذا وقت الأسئلة الجارحة والمعقدة، والإجابات عادة لا تكون مفاجئة بحساب موازين القوى وقواعد الاشتباك، وتطبيق النظائر؛ فما حصل في العراق سيحصل في سوريا وشبه جزيرة القرم ومن ثم أوكرانيا.

هل هذه الإجابة واقعية؟ وهل هي منهجية؟ وهل يجب علينا قياس الأحداث التاريخية بما سبقها، ونستسلم لرواية: هناك قطب واحد يحكم العالم، والنتائج واضحة. أو نذهب مع المتحمسين لمشروع بوتين باعتباره وريث الاتحاد السوفييتي، ونقول معهم: زمن القطب الواحد ولّى، ونحن الآن في ستينيات القرن الماضي، ولكن كوبا ليست مثل أوكرانيا. ما المسافة بين الأمنيات والوقائع في ملف روسيا وأوكرانيا؟

هل نحن بحاجة لأن نذكر العالم والغرب على وجه الخصوص بزعامة الولايات المتحدة، أن ما يقوم به بوتين الآن سبق أن قام به قبل نحو سبع سنوات؛ حينما حوّل سوريا إلى قاعدة متقدمة لقواته على شواطئ المياه الدافئة؛ التي طالما حلمت روسيا تاريخياً بموطئ قدم لها على تلك الشواطئ، مع فارقين اثنين، الأول: هو أن فعلته في سوريا جاءت كما تدّعي موسكو بناء على طلب رسمي من حكومتها ومن رأس نظامها تحت ذريعة مضللة وواهية، تتمثل  بما يسمى " محاربة الإرهاب"، هذه الذريعة التي تحوّلت إلى أسطوانة مشروخة ولحن نشاز تعزفها مكنة الدعاية البوتينية وكل من هبّ ودبّ خدمة لمصالحه في سوريا، أما ذريعة وجود قواته في سوريا والذي يصفه بالوجود الشرعي فقد صدع بها رؤوسنا هو ووزير خارجيته "لافروف" وأبواقه الإعلامية ومعهم بالطبع فلول اليسار العربي والعالمي إضافة إلى جماعات الممانعة، فقد ضرب بها الزعيم الروسي عرض الحائط في غزوه لأوكرانيا، فاجتاحت جحافل قواته بلداً مستقلاً ذا سيادة وعضوًا في الأمم المتحدة بهدف تغيير نظامه المنتخب وتعيين نظام يكون مناسبا لهذا الطاغية السبعيني ولطموحه.

اعتقد السوريون مع انطلاقة شرارة ثورتهم بأن العالم الحرّ سيدعمهم، وسيقف إلى جانبهم باعتبار أنهم رفعوا شعارات الحرية والديمقراطية

أما الفرق الآخر فيتمثل في رخاوة الموقف الغربي وعلى الخصوص الموقف الأميركي، وقد اعتقد السوريون مع انطلاقة شرارة ثورتهم بأن العالم الحرّ سيدعمهم، وسيقف إلى جانبهم باعتبار أنهم رفعوا شعارات الحرية والديمقراطية والتي هي من المفترض أنها تشكل المرتكزات الأساسية والأخلاقية للنظم الغربية، لكن سرعان ما اكتشف  المنتفضون على نظام الاستبداد في دمشق أن ما اعتقدوه كان محض أوهام، ممّا أوقعهم في شباك الخذلان والشعور بالمرارة والإحساس بأنهم ضحية مؤامرة كونية حيكت ضد ثورتهم، وأنهم تركوا وحيدين في مواجهة نظام هبَّ قيصر الكرملين لدعمه بكل أشكال الدعم، العسكري والسياسي والديبلوماسي مما مكّن بيدق بوتين وخامنئي في دمشق من استخدام كامل ترسانته العسكرية بما فيها السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة التي أتت على كامل البنية التحتية في معظم المدن والبلدات الثائرة، وأوقعت عشرات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح إلى درجة حوّل فيها الأسد الوريث سوريا إلى مسلخ بشري بالمعنى الحرفي للكلمة، وليس المجازي، مستفيداً من خبرة بوتين في الشيشان ومن خبرة نظام أبيه في حماة وفي غيرها من المدن السورية إبّان حقبة الثمانينيات من القرن الماضي.

يتمنى السوريون بأن تكون حرب الطاغية السبعيني الجديدة على أوكراينا فرصة لتذكير الأوروبيين والأميركان بمأساتهم، ولعلهم يستخلصون درساً مفيداً من نسيانهم أو تناسيهم للمأساة السورية

لذا ربما يكون سؤال اللاجئ السوري هو سؤال معظم السوريين الذين دفعوا الأثمان الباهظة لمحرقة الأسد التي ارتكبها بمعيّة أستاذه قيصر الكرملين الحالم بإعادة أمجاد الإمبراطورية القيصرية الروسية أو أمجاد الاتحاد السوفييتي المنهار، ولربما أيضا كان السوريون هم أكثر شعوب العالم  اهتماماً بما يجري في أوكرانيا مرة لأنهم اكتووا بنيران آلة القتل الروسية، ومرة لإدراكهم بأن نظامهم هو أكثر الأنظمة انغماساً في حرب بوتين على أوكرانيا، ولا أدلّ على ذلك أكثر من زيارة وزير الدفاع الروسي "شويغو" لقاعدة حميميم في محافظة اللاذقية قبيل بدء الغزو بأيام معدودة، واستدعائه الأسد كما جرت العادة إلى القاعدة لوضعه ربما بصورة قرار الحرب على أوكرانيا وتكليفه ببعض المهام التي ستكشفها الأيام لاحقاً، وربما أيضا كان السوريون أكثر من تمنى أن يتورط الروس بحرب جديدة في القارة الأوروبية لا لأنهم يريدون الشرّ لغيرهم، فهم أكثر من يدرك المآسي التي خلّفتها حروب بوتين من حربه على الشيشان وصولاً إلى حربه عليهم، وما اقترفته طائراته من مجازر بحق المدنيين السوريين بقصفها المستشفيات، والمدارس، ومخيمات اللاجئين، وتشريدها آلاف السوريين ودفعهم إلى مخيمات اللجوء في الشمال السوري تحت عنوان الفِرية التي سمَّتها موسكو "المصالحات"، لهذا كلّه يتمنى السوريون بأن تكون حرب الطاغية السبعيني الجديدة على أوكراينا فرصة لتذكير الأوروبيين والأميركان بمأساتهم، ولعلهم يستخلصون درساً مفيداً من نسيانهم أو تناسيهم للمأساة السورية، ويستدركون خطأهم في سوريا، ويجعلون من حرب بوتين الجديدة باهظة الثمن عليه وعلى كل من يدعمه ويسانده، بدءاً من طاغية بيلاروسيا وصولاً إلى طاغية دمشق، حتى يستعيد السوريون بعضاً من حقهم، وحتى لا يكتب التاريخ: أنَّ لا مبالاة الغرب حيال مأساتهم وفّرت لبوتين الشروط الملائمة لتحويل سوريا وشعبها إلى حقل تجارب لأكثر من ثلاثمئة صنف من أسلحته الجديدة، وحتى لا يقال أيضاً إن إهمال الغرب وإدارة ظهره للكارثة السورية، جعل من الاحتلال الروسي لسوريا، أرخص احتلال عرفه التاريخ!
 ويأمل السوريون بأن تكون مغامرة بوتين في أوكرانيا هي آخر مغامراته الدموية، ويأمل السوريون أيضاً  أن يكفر الغرب عن خطيئته في سوريا، وأن يستعيد صدقيَّته بالدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار