أزمتهم.. أزمتنا.. إعادة تعريف الأزمة

أزمتهم.. أزمتنا.. إعادة تعريف الأزمة

الصورة
25 نيسان 2019

"تُعرف الأزمة اصطلاحا أنها خلل مفاجئ نتيجة لأوضاع غير مستقرة يترتب عليها تطورات غير متوقعة.. وغالباً ما تكون بفعل الإنسان"، هذا تعريف للأزمة بعمومها، أما في سوريا فالأزمة اليوم تُعرف بانقطاع المواد النفطية فقط، أقصد أنها "أزمة سوريا الأسد"، ومن ينتظر أن يقرأ في هذه المادة شيئا عنها فعذرا لأنني سأخيب ظنه، فلن أتحدث عن أزمة البنزين والمازوت بل سنتحدث عن الأزمة..

في سوريا اليوم أحدث نظام الأسد بحربه على الشعب السوري (الثائر منه) شرخا عموديا في بنية المجتمع، وهذا الذي أدى تواليا للموت والاعتقال والتهجير

الأزمة بدأت مذ اختار السيد رئيس الجمهورية قتل الجمهور لقاء بقائه سيدا ورئيسا حتى ولو لبعض أشلاء الجمهورية

والتدمير لجزء من الشعب بينما الآخر يتفرج كان ساكنا بحكم الظروف أو الولاء أو شدة ووحشية القمع الذي تحول لاحقا لحرب اختار فيها الأسد ومن والاه شركاء يدعمونه لمواصلة المجزرة المستمرة منذ ثمانية أعوام لم يدع فيها وحلفاءه وسيلة للقتل إلا واستخدموها.. تلك هي الأزمة.

الأزمة بدأت مذ اختار السيد رئيس الجمهورية قتل الجمهور لقاء بقائه سيدا ورئيسا حتى ولو لبعض أشلاء الجمهورية، التي تتهاوى اليوم لتصبح لاشيء كما أرادها يوم أصبحت كل الأشياء فيها ترفض حكمه ولم يبق إلا هو وثلة قليلة والحلفاء القتلة وها هم جميعا يدفعون ثمن هذا التحالف والخيار الذي أصبح مرا، فإيران البعيدة عاجزة محاصرة لا طاقة لها بالدعم الذي كثر وطال ولا بد له من أثمان حتى وإن كانت على شكل مكافآت نهاية الخدمة، خاصة وأن الحليف الآخر -روسيا- لم تعد ترضيها المكافآت بل تريد أكثر (هبات، تنازلات، اتفاقيات، تمليك،..) فليدفعوا جميعا أو فليقبضوا ثمن تحالفاتهم، ولتصبح دمشقهم ومدنهم مشلولة، فذاك خيار أسهل مثلا من أن يقتل في الغوطة الشرقية الآلاف خنقا بالكيماوي، أو سحقا بالصواريخ البالستية في حلب وحمص وإدلب أو بردا في المخيمات أو تحت التعذيب في السجون.. تلك هي الأزمة.

الأزمة بدأت قبل تعثر حركة النقل بين مدن رسمت خريطتها بالدم والتهجير والاحتلالات وحشر فيها المؤيدون، العاجزون والمنتفعون وهاهم يدفعون ثمنا آخر، هل يجب أن نشمت بهم؟ لا، لكن نعيد تعريف الأزمة لهم ولنا ونقول إن أزمتنا أكبر ولا تتجزأ جغرافيا، فأوضاع البشر في الجزيرة السورية أزمة.. والناس في إدلب والمحرر جزء من الأزمة، أحياء المدن الفقيرة أزمة ومخيمات اللجوء جزء من الأزمة، والمهجرون من أرضهم جزء من الأزمة، والفقر، الجوع، التشرد، البرد، المرض، العجز، القهر أزمة، نحن في وطن مأزوم محتل.. تلك هي الأزمة.

نحن جميعا ندفع أثمانا لسلع مختلفة شريناها، ثمناً لثورة الكرامة، كان باهظا، وأثمانا أخرى على النحو الذي نراه اليوم لكن من ثار كان راضيا بخياره يدرك منتهى الطريق وإن طال وشقَّ، فالمآل الوصول، والمآمول عيشا كريما بحرية، هذه ما تعد به الثورات وما تصل إليه لو انتهت كما يجب، لكن طريقا خطها نظام الأسد وعبدها بدماء الشعب الثائر لا تصل إلا إلى الهاوية، ذلاً وفقراً وتشبيحاً وانتقاما وطوابير طويلة للخبز والغاز والمازوت وغياب للخدمات بل غياب للدولة برمتها وهتك لكل أعراف وأسس الحكم الرشيد، والأسوأ أن كل هذه المهانة تباع على أنها صمود في وجه "الإرهاب" وهذا صمود يقدم في سبيله الغالي والنفيس وتصبح حياة أولئك "الصامدين" بين القهر والذل والرقص في الساحات.

الأزمة بدأت منذ زمن وكان حلها أسهل من كل المطروح فما كنا نحتاج لمنح الشريط الحدودي مع لبنان لحزب الله، ولا تدمير محيط دمشق لإعادة بنائها من

كنا فقط نحتاج لنظام حكيم يدير سوريا ويصل بها إلى بر أمان بدل من دمارها وتشريد أهلها

قبل الشركات الإيرانية ولا نحتاج لإعطاء الساحل لروسيا لقاء بعض بواخر البترول الذي ينتج في الجزيرة السورية التي أصبحت بيد الولايات المتحدة وبعض القوى المحلية التي أفرزتها الحرب.. كنا فقط نحتاج لنظام حكيم يدير سوريا ويصل بها إلى بر أمان بدل من دمارها وتشريد أهلها، وتحويل أزماتها وفق تقسيم أراد له أن يتكرس في الأذهان وللأسف استطاع فعل ذلك فبينما لا يرى مؤيدوه الضائقة أو الانفراجة إلا في مناطقهم وبعين مصالحهم يعاني كل الآخرين الثائرين المعذبين من أزمة مستمرة.

وبينما يروا بمنتهى السذاجة أن حلا سيأتي لمشاكلهم من خلال حلقات الدبكة والتعالي على الفاجعة، كانت الشعوب الشقيقة تدرك أن الثورة والانتفاضة طلبا للكرامة والعدالة هي الحل فأسقطت الشعوب نظامي البشير والقذافي مدركة أن الحل، ثورة، و"سوريو الأسد" يحق لهم أن يثوروا اليوم أكثر من أي وقت مضى لأنهم (وفق معاييرهم) قدموا كل شيء ولم يحصلوا على أي شيء ولن يحصلوا.

لن تنفرج أزمة الوقود قريبا ولن تكون لدى مسؤولي النظام حلول سحرية وسيدفع الثمن موالوه وستدفع سوريا من ثرواتها وأرضها وسيادتها ثمنا أيضا على شكل هبات واتفاقيات وتنازلات.. ليبقى الأسد حتى بعد أن احترق وضاع البلد.  

شارك برأيك