تشهد مدينة حلب زيادة غير مسبوقة في أسعار العقارات رغم تراجع الطلب وشح السيولة النقدية بين أيدي السوريين، ويبدو أن الغلاء الحاد له انعكاساته السلبية على الراغبين في العودة، وفي الوقت ذاته يؤكد العاملون في سوق العقارات أن المشكلة متشعبة، والارتفاع المفاجئ بالأسعار له أسبابه، ومن بينها، غياب التنظيم والتخطيط العمراني، والضعف في تخديم المناطق الحيوية التي بقيت خارج المخطط التنظيمي لعقود. ويبدو أن واقع سوق العقارات بحلب اليوم يطرح تساؤلات عديدة حول استدامة هذا الارتفاع وهل هو مُجرد فقاعة وهمية تتهيأ للانفجار كما يشاع بين عامة الناس، والذين يأملون أن تنخفض الأسعار بشكل هائل خلال الفترة المقبلة، واضعين عدة تفسيرات شفهية متناقلة.
سوق العقارات في حلب.. أسعار متفاوتة
قال عبد الرحيم رمضان (مالك مكتب رمضان العقاري في حي سيف الدولة وسط المدينة) لموقع تلفزيون سوريا، إن "أسعار العقارات لم تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل سقوط النظام المخلوع، الارتفاع الذي نشهده والأرقام المبالغ فيهل لأسعار العقارات أحياناً ترجع إلى غياب الجهات الرقابية الناظمة للعمل، واللامبالاة في طرح الأسعار في السوق يعبر عن حالة الفوضى العارمة التي يشهدها السوق، ومحاولة استغلال فرصة عودة النازحين وزيادة الطلب أحياناً".
وأوضح رمضان أن سعر المنزل في حي سيف الدولة يتراوح حالياً بين 30 و 40 ألف دولار أميركي، وهو أعلى بقليل من السعر الذي كان سائداً في الحي قبل سقوط النظام، إلا أن الإيجارات شهدت تغيراً ملحوظاً، حيث ارتفع الطلب من قبل العائدين إلى المدينة، ليصل إيجار المنزل المتوسط (3 غرف وصالون) في الحي ذاته إلى نحو 250 دولاراً شهرياً، وأحياناً إلى مبلغ 500 دولار، أي نحو 6 آلاف دولار سنوياً. وأشار رمضان إلى أن أسعار العقارات في الأحياء الغربية من حلب، مثل حي الفرقان، تضاعف سعرها عما كانت عليه قبل التحرير، حيث وصل سعر منزل بمساحة 260 متراً مربعاً (6 غرف) إلى نحو 250 ألف دولار، مما يجعل امتلاك منزل في هذه المناطق أمراً مستحيلاً بالنسبة لمعظم السكان.
وأضاف رمضان، أن "مجلس مدينة حلب بإمكانه لعب دور مهم في كبح جماح الأسعار من خلال فتح مناطق تنظيمية جديدة، وتفعيل مشاريع البنى التحتية، لا سيما في المناطق الزراعية المحيطة بالمدينة، التي تحولت بفعل النزوح إلى تجمعات سكنية عشوائية".
ولفت إلى أن هناك مناطق كان يجب أن تدخل ضمن المخطط التنظيمي منذ سنوات طويلة، مثل "سوق الجبس" القريب من حي الحمدانية، ومنطقة بنيامين في حلب الجديدة، لكنها حتى الآن بلا خدمات أو بنية تحتية، وهو ما يزيد من الضغط على المناطق المنظمة ويرفع الأسعار فيها.
ويرى رمضان أنه "في ظل الحكومة الجديدة من المفترض أن تنتعش حركة العمران، وأن يقضى على أزمة السكن وغلاء أسعارها، وذلك من خلال إفساح المجال لشركات الإعمار بالدخول إلى المناطق التنظيمية داخل المدينة، والتي كانت حكراً على مؤسسة الإسكان العسكري لسنوات طويلة في عهد النظام البائد، والتي كانت تعود مواردها لصالح وزارة الدفاع على مدار العقود الخمسة الأخيرة".
من المستفيد من ارتفاع أسعار الإيجارات؟
تساهم مشاريع إعادة الإعمار وتحسّن الوضع الاقتصادي في دعم الأسعار مستقبلاً، كما أن السلطات المحلية كالمحافظة وشركات الإعمار، تستطيع لعب دور تنظيمي مهم في الحد من ارتفاع الأسعار وغلاء العقارات، وذلك من خلال تسهيل التراخيص، والحد من المضاربة، وتطوير مشاريع إسكان اجتماعي، بالإضافة إلى فرض ضرائب تصاعدية على من يحتكرون العقارات.
وقال عضو مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين فرع حلب، محمد خير الحسون، لموقع تلفزيون سوريا إن هذا الغلاء يعود بشكل رئيسي إلى ما وصفه بـ"الطلب المكبوت" الذي تراكم عبر سنوات الثورة، حيث أجّل كثير من السوريين قرارات الشراء والاستثمار العقاري بسبب عدم الاستقرار، إلى جانب تدمير جزء كبير من المخزون العقاري خلال الحرب، ما تسبب في تقلص العرض المتاح وخلق اختلال حاد في معادلة العرض والطلب.
وأضاف الحسون أن "إعادة فتح الطرقات بين شمالي وغربي ووسط سوريا بعد زوال النظام المخلوع كان لها أثر مضاعف على السوق، إذ سهّلت الحركة بين المناطق المختلفة وساهمت في إعادة تقييم مواقع كانت معزولة، وجعلت من حلب مركزاً اقتصادياً ولوجستياً محتملاً، وهو ما زاد من جاذبيتها للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال".
من جهة أخرى، لا يمكن فصل ما يحدث في السوق العقاري الحلبي عن التضخم العالمي، بحسب حسون، حيث انعكس ارتفاع أسعار المواد الخام كالإسمنت والحديد على تكاليف البناء المحلية، في حين دفع ارتفاع أسعار الذهب الكثيرين إلى تحويل مدّخراتهم نحو العقارات باعتبارها ملاذاً آمناً، خصوصاً في ظل انهيار الليرة السورية، وهذا الوضع شجّع على حركة شراء نشطة، لكن حسون يرى أن فئات محددة استفادت من إبقاء الأسعار مرتفعة، مثل كبار مالكي الأراضي الذين يحتكرون العرض ويرفعون الأسعار، بالإضافة إلى الوسطاء العقاريين الذين يستغلون نقص الشفافية لتحقيق أرباح كبيرة، مشيراً أن بعض المستثمرين ممن اشتروا العقارات خلال سنوات الحرب يجنون اليوم أرباحاً استثنائية مع هذا الارتفاع.
أما ارتفاع الإيجارات، فهو بحسب حسون، نتيجة لمزيج من الطلب الحقيقي الناتج عن عودة عدد من المهجرين والنازحين وتحسن الوضع الأمني، إلى جانب مضاربات تغذيها قلة البدائل الاستثمارية وتوقعات مستمرة بارتفاع الأسعار، مما يخلق دوامة ارتفاع يصعب كسرها، كما لا يغفل حسون عن دور المغتربين السوريين، الذين يضخون تحويلاتهم المالية في السوق العقاري، ويشترون العقارات إمّا بهدف الاستثمار أو العودة، مستفيدين من قوتهم الشرائية بالعملات الأجنبية مقارنة بالمواطنين المحليين. وينصح حسون السوريين الراغبين في الشراء أو الاستثمار في العقارات، الحذر والتأني وعدم اتخاذ قرارات انفعالية، مشيراً إلى ضرورة دراسة المناطق الواعدة في المستقبل وتجنّب الشراء في ذروة السوق، إضافة إلى تنويع الاستثمارات وعدم الاعتماد فقط على العقار كمصدر وحيد للأمان المالي، خاصة في ظل وضع سياسي واقتصادي متجه نحو الاستقرار.
استطلاع ميداني لسوق العقارات بحلب
جال موقع تلفزيون سوريا عدة أحياء في مدينة حلب، بينها "أدونيس وسيف الدولة وصلاح الدين"، لاستطلاع آراء السكان بخصوص الغلاء الحاد في أسعار العقارات، واختلافه بشكل كبير عما كان عليه سابقاً، قبيل سقوط النظام المخلوع، فخلال الجولة بدا أن سعر المنزل في أدونيس تحول من 20 ألف دولار إلى 50 ألف دولار من دون وجود زبائن فعليين، وفق شهادات للقاطنين في الحي، وتشير بعض المكاتب العقارية التي التقى موقع تلفزيون سوريا مع أصحابها، إلى وفرة العروض العقارية، في الأحياء الشرقية المتضررة، وفي الأحياء الغربية على حد سواء، بينما يتراجع الطلب بسبب ضعف القدرة الشرائية وانتظار انخفاض الأسعار، معظم العاملين في المكاتب العقارية أجمعوا على أن الأسعار مبالغ فيها، وهي أشبه ما تكون بالأسعار الوهمية، وبرغم ذلك هناك من يشتري، ولو أن الاقبال ضعيف جداً.
ويرجع بعض العاملين في سوق العقارات بحلب الارتفاع الكبير في الأسعار الى عدة أسباب، أهمها، ارتفاع تكاليف البناء بسبب تضاعف أسعار مواد البناء مثل الإسمنت والحديد والبلوك وارتفاع أجور العمال أيضاً، كما يقتصر الشراء على التجار وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والمغتربين، ما يُغذي المضاربة ويرفع الأسعار بشكل مصطنع، أي أن العاملين في السوق يعتمدون على مبدأ "الصيد الثمين" ويفضلون عقد صفقة واحدة بمرابح خيالية على 10 صفقات بيع منطقية لا تدر لهم الربح ذاته، كما أن السوق يعاني من جمود في عمليات البيع بسبب توقف إجراءات نقل الملكية الرسمية منذ الربع الأخير من العام 2024، ما يُعزز الاعتماد على الصفقات غير الرسمية القائمة على الثقة بين الأطراف.
يتداول السكان في حلب شائعات عديدة، أبرزها تلك التي تتنبأ بانهيار الأسعار بنسبة تصل إلى 60%، مبررين ذلك بقرب بدء مشاريع إعادة الإعمار في الأحياء الشرقية بحلب، والتي قد تُزيد المعروض من الوحدات السكنية، كذلك توسعة المخطط التنظيمي والتوسع في المشاريع السكنية الشبابية، واستكمال العمل في الجمعيات السكنية المتوقفة من سنوات.
التقى موقع تلفزيون سوريا، مصطفى أحمد (عائد الى حلب من جديد من بلاد اللجوء) قال "أنا عندي أرض بمنطقة معدة للبناء نزلت زيارة إلى سوريا مؤخراً، وكنت حابب أبني إلي ولأولادي، كنت مقرر بيع بيوتنا برا سوريا وبثمنها منعمر بالبلد، ولكن فوجئنا بأن البناء ممنوع، ذهبت الى القصر البلدي، قالوا لي ما في رخص بالوقت الحالي، لان أرضك ما داخلة ضمن المخطط التنظيمي، وهاد الحكي منعرفه من أيام النظام البائد، طيب هلق شو الي تغير بعد أسقاط النظام إذا بقت نفس المشاكل".
أضاف أحمد "أزمة السكن والغلاء، إيجار أو شراء، يرجع إلى وجود حاجة ماسة للسكن، العيلة الوحدة الي طلعت من سورية هلق صارت أربع عائلات، وإذا ما منحوا رخص للناس وين بدها تسكن". تتجه أنظار السوريين إلى تحركات إعادة الإعمار واستقرار الليرة السورية، لكن الوضع الحالي يُشير إلى أن سوق العقارات في حلب يقف على حافة منحدر خطير، إذا تحققت مشاريع الإعمار وزادت السيولة، قد يشهد السوق انتعاشاً، أما مع استمرار الجمود، فستنفجر الفقاعة لتنخفض الأسعار إلى النصف، كما يتوقع الكثيرون.
ومثال على الزيادة الكبيرة في الأسعار، التقى موقع تلفزيون سوريا أحمد صابر (أحد سكان حي صلاح الدين بحلب) قال: "اشتريت شقتي في صلاح الدين بداية العام 2024 بسعر 40 مليون ليرة أي ما يعادل 3 آلاف دولار، وسعرها الآن لا يقل عن 12 ألف دولار، أي زاد سعرها أكثر من الضعف على الرغم من أن مساحتها لا تزيد على 80 متراً وهي طابق أرضي غير مرغوب بعمليات البيع".
أزمة الإسكان في حلب وسوريا عامة
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن القطاع العقاري في سوريا يعاني من اختلالات هيكلية عميقة ناتجة عن سياسات تنظيمية غير فعالة امتدت لعقود، مما جعل أسعار العقارات في المدن الرئيسية، دمشق، حلب، حماة، حمص، تفوق أسعار العقارات في العديد من العواصم العالمية، على الرغم من الفارق الكبير في مستوى الدخل والمعيشة، وهذه الأزمة نابعة أساساً من سوء إدارة المخططات التنظيمية وعدم وجود شركات إسكان متخصصة قادرة على بناء مدن متكاملة توفر عقود إيجارية مستقرة، مما دفع السوق نحو احتكار الملكية الفردية وأدى إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
وأضاف قوشجي لموقع تلفزيون سوريا أن جذور الأزمة العقارية في سوريا ترجع إلى عدة أسباب أهمها:
- التنظيم الفاشل للمخططات العمرانية: لم يسمح النظام السابق بمخططات تنظيمية تجارية النمو السكاني، حيث تقلصت المساحات العمرانية الشاقولية والأفقية، مما حدَّ من قدرة السوق العقاري على التوسع واستيعاب الطلب المتزايد.
- غياب نموذج السكن الإيجاري المستقر: لم يسمح النظام السياسي البائد بشركات الإسكان وشركات التطير العقاري ببناء مدن جديدة توفر للمواطنين عقود إيجار طويلة الأجل مع إمكانية تبديل السكن بين المناطق المختلفة وفقاً لاحتياجاتهم، مما جعل الملكية العقارية الخيار الوحيد عملياً للبحث عن الاستقرار السكني، وهذا جعل الطلب على الملكية العقارية أكبر بكثير من العرض لهذا أصبحت أسعار العقارات مرتفعة جدا وغير منطقية.
- تدمير المدن والنزوح الداخلي: الحرب أدت إلى دمار واسع في البنية التحتية السكنية، ونزوح جماعي باتجاه المدن الكبرى، مما زاد الضغط على سوق العقارات ورفع الأسعار إلى مستويات غير منطقية، وخاصة مع عودة النازحين الذين باتوا أمام واقع عقاري شديد الغلاء.
ونحو نموذج جديد لتنظيم قطاع الإسكان في حلب وسوريا عامة، يرى قوشجي أنه "يجب إطلاق شركات إسكان متخصصة تعمل على بناء مدن متكاملة توفر مساكن بنظام الإيجار الطويل الأجل، مما يسمح للمواطنين بالحصول على سكن مستقر من دون الحاجة إلى امتلاك العقار، وإصلاح المخططات التنظيمية بحيث تستوعب توسعات أفقية وشاقولية مدروسة لتوفير حلول إسكانية تلائم النمو السكاني، مع إعادة توزيع الأراضي بما يضمن تحقيق العدالة في فرص الحصول على السكن".
يضيف "إعادة إعمار المناطق المدمرة وفق آليات تنموية مستدامة لا تعتمد فقط على الحلول الطارئة، بل تضمن عودة النازحين إلى مدنهم ضمن خطط تنموية توفر مساكن بأسعار معقولة تتماشى مع مستويات الدخل الحقيقي، وعند السماح لشركات الإسكان والتطوير العقاري مدعومة مع المصارف الإسلامية ببناء مدن جديدة وحصول المحتاجين للسكن على عقارات بعقود مع تلك المصارف كالإيجار المنتهي بالتمليك وغيره سوف تنخفض أسعار العقارات وتنحل معظم مشكلات السكن والإسكان".
وبحسب قوشجي، إن "إعادة هيكلة القطاع العقاري في سوريا ضرورة وليست مجرد خيار، فالوضع الحالي يجعل امتلاك السكن أمراً شبه مستحيل أمام الشباب، ويزيد من الفجوة بين العرض والطلب. اعتماد نماذج إسكان حديثة، وتطوير سياسات تنظيمية متكاملة، وتعزيز مفهوم الإيجار المستقر يمكن أن يضع القطاع العقاري على مسار أكثر عدالة واستقراراً، ويسهم في تخفيف الضغط الاقتصادي عن المواطنين".















