أزمة خبز مفتعلة في دير الزور.. سياسة "قسد" في الجوع أو الركوع

تاريخ النشر: 02.12.2021 | 05:49 دمشق

آخر تحديث: 02.12.2021 | 09:56 دمشق

إسطنبول - سامر العاني

هذا شرق فرات دير الزور، بيد أنّه لم يعد كما كان، فرائحة الأصباح مختلفة، وتنانير الخبز خابية نارها، والمخابز متوقفة إلا من عدة أيام في الشهر، وأطفال يفترشون الأرض منذ المساء، أملا في أن يعمل المخبز صبيحة اليوم التالي، وطوابير الخبز تنافس تلك التي في مناطق سيطرة الأسد، بعد أن قرعت عاصمة القمح وخزّانها ناقوس خطر انعدام الأمن الغذائي.

من يصدق أن التاريخ يعود للوراء نحو مئة عام؟! وأن حجر الرحى أصبح وسيلة مستخدمة في طحن القمح لصناعة خبز الصاج، إذ تقول الحاجة فاطمة لتلفزيون سوريا إنهم يحتاجون لـ 6 كيلو غرامات خبز يوميا، كانوا يحصلون عليها من فرن القرية، وفي معظم الأحيان كان يتوقف الفرن عن العمل بسبب عدم وصول مخصصاته من الطحين، فتلجأ لصناعة الخبز المنزلي، حيث كان الطحين لا يخلو من منزلهم لمثل تلك الحالات، أو لعمل المعجنات، أما اليوم فهي مضطرة لطحن القمح بنفسها من أجل صناعة الخبز.

 

119124748_190986539104296_7732086891228516443_n.jpg

أزمة فوق أزمة

تبيع أفران دير الزور في مناطق "الإدارة الذاتية" الخبز بسعر 250 ليرة سورية للكيلو غرام الواحد (سعر مدعوم)، بينما يباع في الأسواق بسعر يتراوح ما بين 1700 – 2000 ليرة سورية، وبالتالي تحتاج عائلة الحاجة فاطمة إلى نحو 12 ألف ليرة سورية (3.5 دولارات أميركية) لشراء الخبز في حال لم يعمل مخبز قريتهم، وهذا ما يفوق قدرتهم على حد قولها.

وأعلنت "الإدارة الذاتية" يوم أمس الأربعاء رفع سعر ربطة الخبز إلى 300 ليرة سورية بوزن 1250 غراما، على أن يدخل حيز التنفيذ في الثامن من الشهر الجاري.

 

262007398_1738147119708551_4884288407458564199_n.jpg

 

بينما يلقي عبد اللطيف الحميد -وهو أحد النازحين إلى ريف دير الزور الشرقي-المسؤولية على أصحاب الأفران متهما إياهم ببيع الطحين للمهربين وأن الكميات المخصصة لهم تذهب إلى مناطق سيطرة النظام وبالتالي يكون المتضرر الوحيد هو المواطن، مضيفاً أن المعاناة الأكبر في ذلك تقع على النازحين إلى تلك المناطق، إذ أصبحت كلفة شراء الخبز تفوق إيجار المنزل، وهذا حمل من الصعب أن يقوى عليه أحد.

وبحسبة بسيطة يشرح عبد اللطيف الذي يعمل مدرساً في إحدى مدارس "الإدارة الذاتية" مقابل راتب شهري قدره 200 ألف ليرة سورية (أي نحو 57 دولاراً) كيف أثرت أزمة الخبز على الأسر في شرقي الفرات من دير الزور، فيقول إنه كان يحتاج يوميا إلى 1000 ليرة سورية ثمن 4 كيلو غرامات من الخبز، ما يعادل 30 ألف ليرة سورية شهريا، ويبقى 170 ألف ليرة بالكاد تكفي شؤون المعيشة، أما في ظل انقطاع الخبز فيحتاج إلى نحو 8000 ليرة يومياً لشراء الخبز أي يحتاج نحو 40 ألف ليرة زيادة على راتبه لشراء مادة الخبز فقط.

أصحاب الأفران يبرّرون

بعد حساب كميات الطحين اليومية وعدد أيام وساعات العمل التي تقل عن المدة اللازمة لخبز كامل الكمية، لم ينكر ثلاثة من أصحاب الأفران الذين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، بيعهم لمادة الطحين، معللين السبب بعدم إمكانية الربح إن تم خبز كامل الكمية.

ويقول أحد أصحاب الأفران (طلب عدم ذكر اسمه) إن الفرن الذي يملكه يحتاج إلى ضعف الكمية المخصصة له من مادة الطحين حتى يتمكن من الربح، فلديه أجور عمال وصيانة وثمن الطحين، ناهيك عن أن الكمية المخصصة من "الإدارة الذاتية" لمادة المازوت لا تكفي لخبز كامل المخصصات، وشراء مازوت حر يحتاج إلى دفع أموال أكثر، وبالتالي فإن الخسارة أكيدة لا محالة، لذلك يلجؤون إلى بيع الطحين لسماسرة من شركة التطوير الزراعي التابعة للإدارة الذاتية.

ويضيف لتلفزيون سوريا بأن المخصصات تصلهم بشكل أسبوعي، إلا أن الإدارة الذاتية خفضت الكمية نحو 25% ومع ذلك فإن فاتورة 14 و 21 من الشهر الفائت لم تصلهم بعد، وبالتالي فإن مخصصات 14 يوما لم تصل إلى الأفران حتى ساعة إعداد هذا التقرير.

ويؤكد مالك المخبز صحة المقطع الذي نشرته صفحات محلية أن أكياس الطحين تم خلطها بعلف الحيوانات، لذلك يضطرون إلى نخل الطحين قبل عجنه، وهذا بحد ذاته سرقة من المخصصات فضلاً عن كونه استفزازا لأبناء المنطقة.

يُجمع أصحاب الأفران على أنه إن استمرت "الإدارة الذاتية" بتخفيض الكميات ولم يتم تعويض النقص، فسيضطرون لإغلاق الأفران نهائياً.

أرقام رسمية.. توزيع غير عادل ومقصود

في مناطق دير الزور الخاضعة لسلطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، يعيش نحو 1.6 مليون نسمة، منهم 400 ألف نزحوا من مناطق غربي الفرات الخاضعة لسلطة نظام الأسد، وأكثر من 600 ألف نسمة هم نازحون من المحافظات المختلفة (حمص – تدمر – إدلب – ريف دمشق – درعا.... الخ) بحسب إحصائية رسمية لمجلس دير الزور المدني.

وأوضح عضو في مجلس دير الزور التشريعي التابع للإدارة الذاتية في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المنطقة تحتاج إلى نحو 400 طن من الطحين يوميا لتتمكن المخابز من سد حاجة الناس من الخبز، إلا أن "شركة التطوير الزراعي" التابعة للإدارة الذاتية، لم تخصص سوى 250 طناً ومع مطلع شهر تشرين الثاني قررت تخفيض الكمية إلى 200 طن، لا يتم صرفها بانتظام، مما تسبب بأزمة في رغيف الخبز.

ويضيف أن هذا التوزيع غير العادل لا يطول سوى "إقليم دير الزور" بينما خصصت لـ "إقليم الجزيرة" الذي يقطنه 1.7 مليون نسمة 400 طن من الطحين، وإقليم الرقة الذي يبلغ 700 ألف نسمة 220 طنا، والطبقة التي لا يتجاوز عدد سكانها 400 ألف نسمة تحصل على 180 طناً يومياً.

عجز مقصود

شركة التطوير الزراعي، هي المؤسسة المسؤولة عن كامل المنتجات الزراعية، والمطاحن وإكثار البذار في منطقة "الإدارة الذاتية"، لها فروع في كل إقليم يتبع للإدارة، وفي دير الزور يعتبر "حمزة" أحد الكوادر الأجنبية الكردية ولا يتكلم اللغة العربية هو المسؤول عن فرع شركة التطوير الزراعي إضافة إلى المندوب السامي للمنطقة "باران" الذي يعتبر من أهم قيادات حزب العمال الكردستاني.

وكشف مسؤول في مجلس دير الزور المدني لموقع تلفزيون سوريا أن كمية العجز من مادة الطحين بلغت 3171 طناً بحسب لجنة الاقتصاد في مجلس دير الزور المدني، وقد أرسلت رئاسة المجلس كتابا إلى المجلس التنفيذي لشمال وشرقي سوريا، تطالبه بسد العجز، دون أن يلقى هذا الطلب آذانا مصغية.

 

يبلسيبل.jpg
نسخة من الكتاب حصل عليها موقع تلفزيون سوريا

 

ويضيف المسؤول أن أسباب الأزمة سياسية بحتة، إذ تريد "الإدارة الذاتية" تطويع أبناء دير الزور بعد سلسلة احتجاجات شهدتها المنطقة، وعادت لتخفيض الكمية نحو 24% بعد رفض أبناء المنطقة عبور الأرتال الروسية عبر ريف دير الزور ومقاومتهم لتلك الأرتال.

ويرى أنّ قوات "قسد" وذراعها السياسي "مسد" يسعون لإدخال روسيا والنظام السوري إلى المنطقة مقابل إعطائهم حكما ذاتيا في شمال شرقي سوريا، وبالتالي "يصبح إقليم الجزيرة مشرعناً على غرار إقليم شمال العراق"، إذ جرت عدة اجتماعات بين ممثلين عن روسيا ومنظمات المجتمع المدني وشيوخ عشائر من المنطقة في مدينة الحسكة باءت جميعها بالفشل.

رد مقتضب

وللوقوف على أسباب تخفيض كميات الطحين، وما تريده "الإدارة الذاتية" من أبناء دير الزور تم التواصل مع مسؤولين في "الإدارة الذاتية" دون أي رد مقنع، مكتفين بالقول "لم تردنا أي شكاوى بخصوص هذا الموضوع ولا علم لنا به"، متجاهلين بذلك كتب المجلس المدني والغضب الشعبي على انعدام الخبز في المنطقة.

ستظلّ رحى الحاجة فاطمة تدور كما يدور أبناء دير الزور في حلقة مفرغة بين أصحاب الأفران وشركة التطوير الزراعي و"الإدارة الذاتية"، دون أي بارقة أمل، لتكون الحقيقة المطلقة، أن هذا شرق فرات دير الزور، بيد أنّه لم يعد كما كان.