أزمة المثقف وواجبه في فهم التطرّف

تاريخ النشر: 01.06.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 05.12.2018 | 11:39 دمشق

كان للمثقفين دور بارز في بداية الثورة السورية.. تقدموا إلى الأمام، واقترحوا الآليات والإجراءات، وشاركوا بها.

استشرفوا المشهد ونصحوا بالمحافظة على سلمية الثورة، فتبعهم الثوّار، وقابلوا الرصاص بالورود، والعنف والجبروت بالهتافات والشعارات التي حاولت إقناع جنود الأسد أن "الجيش والشعب يد واحدة"، ولكن عسكر الاستبداد لم يسمعوا توسلات المظاهرات، والتزموا الولاء للطغيان. فضربوا واعتقلوا وقتلوا ونكّلوا بالبلد ليُحرقوها ويبقى الأسد.

فاق الأمر احتمال المنادين بالحرية، فهاجر معظم المثقفين الذين لم تطلهم أغلال الاعتقال،

حاول المثقفون أن يواجهوا التطرف بالدعوة إلى أفكار كالمواطنة، ورفع المتطرفون سقفهم وطالبوا بإقامة دولة تشبه الخلافة

واضطر بقية الثوار لمواجهة النيران بالنيران، ليحدث ما حذّر منه المثقفون المعتدلون، ويجد "النظام" المبرّر لزيادة العنف والإجرام.

خاب رجاء بعض المثقفين من عدم الاستجابة لنصحهم، وتحوُّلت الثورة عن سلميتها. واعتبر الثوّار ذلك تنظيراً يتغاضى عن مبررات اللجوء إلى العنف، بعد أن فاض الكيل بإجرام الطغيان.

ازدادت المسافة اتساعاً مع بوادر انتقال الثورة إلى التطرف، وتبوأت قياداتٌ سلفية ٌ متزمّته، مكان المثقفين المعتدلين الذين خرجوا من المشهد الداخلي. وسرعان ما استقطبت تلك القيادات "المستوردة"، التي لا تنتمي إلى النسيج والفكر السوري، الكثير من شباب الثورة.

حاول المثقفون أن يواجهوا التطرف بالدعوة إلى أفكار كالمواطنة، ورفع المتطرفون سقفهم وطالبوا بإقامة دولة تشبه الخلافة.

وتطوّر السجال..

مثقف يحاول أن يقنع الثوار ليفصلوا الدولة عن تعاليم الدين، فيجيبوه أن ذلك فسق وظلم وكفر بالدين. والدليل آيات الذكر الحكيم.

بمرور سنوات الثورة السورية، انتقل السجال إلى خندقه، مع دعاوى التكفير من قبل المتطرفين، ورد فعل بعض المثقفين الذين سددوا سهامهم إلى نصوص الدين.

إنّ دراسة التطرّف الذي تعاني الثورة السورية منه، يمكن أن تساعد المثقف المعتدل في تعامله مع مجتمعه.

تؤكّد معظم الدراسات على أن الثورات، خصوصاً الكبرى منها، تمر غالباً بمرحلةٍ تسمى "تبوّء المتطرفين". فيعاقبة الثورة الفرنسية التي لم تكن على وئام مع رجال الدين، أقفلوا بيوت الدعارة ودور القمار وحظروا معاقرة الخمور. وصادروا حريات المواطنين:

  • على المواطن فلان منح موافقته على زواج ابنته من شاب يعقوبي فقير، لكنه صادق.
  • يجب لوم المواطن الثري فلان، بسبب نوبات غضبه.

ولم تكن معاناة الروس من متطرفي ثورتهم -الذين اعتبروا الدين أفيون الشعوب- أقل. فقد حظر البلاشفة تعاطي الخمور والفودكا، واتخذت كل مجالس السوفييت الأولى تقريباً،

إن التطرف يَنتج أحياناً عن ثوار مخلصين جعلتهم مثاليتهم يشتركون في الثورة.

خطوات لمنع الدعارة والمقامرة والحياة الليلية. وأجبر المواطن العادي على الهتاف طويلاً وعالياً للدولة الثورية. حتى كتب غوركي: "كان لينين رجلاً منع الناس من أن يعيشوا حياتهم المعتادة، كما لم يتمكن أحد قبله أن يفعل ذلك".

ما السبب الذي قد يدفع المؤمنين بالثورة إلى التطرف؟

يرى "كرين برينتن" أن التطرف يَنتج أحياناً عن ثوار مخلصين جعلتهم مثاليتهم يشتركون في الثوره. يصرّ أولئك الحالمون على إيجاد جنتهم على الأرض، ويسعون إلى عالم أفضل نتّفق على أنه يجب أن يكون خالياً من أمور ندينها جميعاً كتعاطي الخمر والدعاره والقمار والكسل والتبجح. وهم مستعجلون، يريدون فرض حياة دون رذائل كبيرة أو صغيره، في فترة قصيره. فيضعون ضغطاً لا تحتمله مجتمعاتهم.

هؤلاء المخلصون، يبحثون عن دين، وليس المقصود ديناً سماوياً بالضروره، ولكنه كما يصف "برينتن": "أي نمط من المشاعر المتشابهه والقويه، والطموحات الأخلاقية، والممارسات المتمسكة بالشعائر" التي تصبح عقيده، وترتقي إلى مرجعيةٍ قانونيةٍ وأخلاقيةٍ لأفعالهم.

هذه العقيدة تُقنع الثوّار المتطرفين بأنهم مصطفون، يمتلكون الحقيقة تماماً، وبالتالي فكل الآخرين مخطئون، لا يجب دحرهم فحسب، بل إبادتهم أحياناً.

رغم خصوصية كل ثورة، فإنّ قراءة تطرف الثورات يمكن أن تساعد في فهم علاقة متطرفي ثورتنا بالإسلام، لم يتكيّف شبابنا المتطرفون الحالمون مع الإسلام، ولكنهم جعلوا الإسلام يتكيف مع رغباتهم. بحثوا عن كل قول أو رأي -مهما كان شاذاً- يتيح لهم التخلص من أعدائهم، الذين يمكن أن يؤخّروا مشروعهم لبناء الدولة الفاضله.

ذلك أيضاً يمكنه أن يشرح اتّباع المتطرفين لزعمائهم، وإخلاصهم الشديد لهم.

استطاع هؤلاء القادة المتطرفون أن يؤثروا بالثوّار المخلصين ويلهموهم، فالقرب والمشاركة أهم من آلاف الكلمات.

فهم بنظرهم زعماء تخلوا عن أمنهم وضحوا بسلمهم، وفي بعض الحالات هاجروا من بلادهم، لنصرة الثورة. كما أن مبادئهم تُعتبر مُثُلا عليا لدى اتباعهم الذين يرونهم فلاسفه. قد يكونون فلاسفة-قتله أحياناً، ولكن لديهم ما يكفي من أثر الأنبياء للسيطرة على أتباعهم.

استطاع هؤلاء القادة المتطرفون أن يؤثروا بالثوّار المخلصين ويلهموهم، فالقرب والمشاركة أهم من آلاف الكلمات.

لقد استطاع "غاندي" منذ حوالي مائة عام، قيادة أحد أكبر وأغرب الثورات وحركات التحرر في تاريخ البشرية.. قد يستغرب القارئ في سيرته الذاتية -التي كتبها بنفسه- من إصرار الرجل على الالتصاق بشعبه، حتى أنه كان يُصرّ على التنقل في أرجاء الهند بمقطورات الدرجة الثالثة، رغم معاناته التي كانت تستمر لساعات في القطار مع الزحام والروائح والطبائع، كما يصف في كتابه.. وربما كان ذلك الاقتراب أحد أهم أسباب ترقية الهنود لغاندي إلى "مهاتما"، وطاعتهم له حتى تحقيق نصر بدا للعالم، مستحيلاً أو بعيد المنال.

وبعد.. رغم أن اإاسلام الذي بين أيدينا، يحتاج -برأيي- الكثير من المراجعات لأصول كالحديث والفقه، وأن تأسيس علومه على النقل عوضاً عن العقل، سبّب ويسبّب الكثير من التحديات في طريق النهوض. ولكن تحميله المسؤولية المطلقة عن التطرّف قد يكون أحد أخطاء المثقف، التي نتجت عن بعده الجغرافي حيناً والنفسي أحياناً عن مجتمع الثورة، فتبوّأ المستورد مكان الصنع المحلي.