icon
التغطية الحية

أزمة التحوّلات الثقافية.. "تغريبة آخر الشعراء" نموذجاً

2022.07.01 | 09:34 دمشق

تغريبة الشعر
(لوحة الخلفية: فؤاد بلاع)
+A
حجم الخط
-A

لعله من العسير على الكائن البشري أن يغادر قناعاته الجوهرية دون المرور بمخاضات موجعة، وربما تتجسد هذه المخاضات بأشكال شتى من العذابات، وأحياناً تتبدّى في حالة صراع مرير مع الذات يستوجب مزيداً من الجلد والصبر على المكابدة. وربما عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر القومي برمته، و الأفق شبه المسدود الذي وصل إليه، قد جسّدت حافزاً لدى العديد من المثقفين، على اختلاف اختصاصاتهم للولوج في مثل تلك المخاضات.

 لقد أجزتُ لنفسي أن أبدأ بهذه الأفكار لأنني على قناعة تامة بأن ديوان (تغريبة آخر الشعراء) للشاعر علي صالح الجاسم، الصادر حديثاً عن دار "موزاييك" للنشر في إسطنبول، هو أحد تجليات الحراك الثقافي الذي يؤكد أن عملية التغيير الاجتماعي مرهونة بشرطها الثقافي، باعتبار الثقافة سلوكاً إنسانياً يمارسه المرء على الأرض وليست جملة المعارف الإنسانية التي يحوزها.

سبق وأصدر الشاعر علي صالح الجاسم ديوانين شعريين، الأول بعنوان (شناشيل الضياء عام 2000)– والثاني بعنوان ( مسافر نحو الفجر  عام 2010)، ولعل المتتبع لنتاج الشاعر يدرك بوضوح أن ديوانه الثالث (تغريبة آخر الشعراء) والذي نحن بصدد الحديث عنه، هو – من حيث الرؤية – امتداد للمضامين الشعرية السابقة كما وردت في الديوانين السابقين،ولكن الجديد في هذا الديوان هو تحوّل فني جاء نتيجة طبيعية لإرهاصات التطور الفكري والثقافي لدى الشاعر.

ثمة أطروحة مركزية في ديوان (تغريبة آخر الشعراء) تتمحور حول رغبة الذات العربية في تجاوز معوّقات نهوضها، ولكن تتشظى عن هذه الأطروحة شجون شتى، لعل أبرزها رفض حالة الخذلان والإذلال الذي يعاني منه المرء وإدانة جبروت الحكام وتسلطهم، وكذلك حالة الإحباط التي مني بها المواطن السوري جرّاء تنكر المجتمع الدولي لحمايته ونصرته.

إلا أن استشراف المستقبل والرغبة الصادقة في مقاومة الاستعباد وتجاوز شروط الواقع المرير لم تكن تتجسد لدى علي صالح الجاسم من خلال إنشاء حالة من القطيعة المعرفية مع المرجعيات السابقة، بل ربما من خلال محاولةٍ ربما تكون أكثر وعياً  للعوائق التي يفرزها الواقع  والتي تحول دون تحقيق أيّ مُنجز نوعي في عملية التغيير، تزامناً مع الحرص على حالةٍ من التصالح مع المُضمَرات الإيديولوجية السابقة.

 يقول علي صالح الجاسم من قصيدة (اعتذار لليلى العربيّة):

لا نخوة أثمرت في القلب معتصما                عند اللقاء ولا جاوزت أشعاري

السيف أصدق مني في انتفاضته                   إذا ادلهمت قبيل الفجر أسحاري

لكنه دامع العينين من وهن                          إذ إنه زينة في الصدر من داري  

ما يزال استحضار ما هو غائب من نضارة الماضي وألق التراث، هما مصدران أساسيان من مصادر الثقة بالذات، ليس فقط عند الشاعر الجاسم، بل لدى شرائح واسعة من الناس، وبدونهما تفقد الذات العربية الإسلامية مقوّمات وجودها، وإن قتامة الواقع وتشعب الحالة الراهنة لهو أمر يستدعي –بنظر الشاعر – الاتكاء على رصيد من المجد السالف لكي يعصم الذات من التشظي، بل إن موقعة عمورية تبقى إحدى المرجعيات البطولية لدى أغلب المثقفين، وربما يزداد ألق هذه المرجعية كلما ازداد الواقع شحوبا وانحطاطاً، ولعل استحضار شخصية المعتصم – كصورة زاهية من التاريخ العربي الإسلامي،يستدعي-  حكما ً- المقارنة مع الواقع الهزيل.

وفي المنحى ذاته يقول الشاعر من قصيدة (أنا العراق) 

أخرجت من رحمي صفو العلوم ضحى           للظامئين ومرضى الشك والريب

والغرب مرتهن في قعر هاوية                     من الخرافات في ليل من النوب

إن حالة الازدهار العلمي والحضاري التي ميزت العصور الإسلامية السالفة هي قارة في الذهن العربي الإسلامي، ولكنها راكنة غير متحركة، وتنحصر وظيفتها في قدرتها التعويضية عن الإحساس بالفقد لا أكثر.  

لعلّ الاحتفاء بمفهوم التصوير في الشعر قد كرّس بعض الظواهر السلبية في القصيدة الحديثة، من أهمها جعل الصورة الفنية غاية بذاتها، حيث اعتمد الشعراء على قدراتهم التخيّلية فحسب

إلا أن حالة التصالح  الفكري والثقافي للشاعر مع مرجعياته لم تكن تشكل تخوماً أو حواجزَ معيقة أمام الأفق الفني الواسع للشاعر، بل على النقيض من ذلك، إذ إننا نجد السياق الفني لديوان (تغريبة آخر الشعراء) يكتسي الكثير من المرونة والقدرة على مواكبة الحداثة الشعرية، ولعل هذا الجانب هو ما يمنح الشاعر عل صالح الجاسم أحقية على حيازة الاهتمام بتجربته الشعرية على وجه العموم، وفيما يلي سوف أحاول الإشارة إلى بعض المياسم الهامة في الديوان:

  • أولاً: فرادة الصورة الفنية: يعدّ مصطلح ( الصورة الفنية ) من المصطلحات الأكثر جدلا بين النقاد قديما وحديثا، نظراً لفاعلية الخيال في عملية الخلق الشعري من جهة، ولأن الشعراء لا يقدّمون مواقفهم الشعرية بطريقة مباشرة من جهة أخرى، الأمر الذي جعل عملية التصوير في الشعر تحظى باهتمام كبير من الناقد والشاعر بآن معا.

ولعلّ الاحتفاء بمفهوم التصوير في الشعر قد كرّس بعض الظواهر السلبية في القصيدة الحديثة، من أهمها جعل الصورة الفنية غاية بذاتها، حيث اعتمد الشعراء على قدراتهم التخيّلية فحسب، وغدا الشعر نشاطا مجازياً خاوياً من الموقف الشعري في أغلب الأحيان، وبهذا الفهم تكون الصورة عبئا على القصيدة، فضلاً عن كونها جزءاً منفصلاً عنها، ما أريد تأكيده في هذا السياق هو أن القيمة الجوهرية للصورة الفنية تكمن في قدرتها على تنمية المعنى من الداخل أولاً، ثم في قدرتها على حيازة طاقة وجدانية من شأنها أن تحقق لحظة الدهشة لدى المتلقي ثانياً،ووفقاً لذلك تكون الصورة نشاطاً تخييلياً منبثقاً من صميم الموقف الشعري وليس عنصراً طارئاً عليه.

يقول علي صالح الجاسم من قصيدة (أدر رحى الشعر) :

ذوّبت في حدق الأشجان بارقة                    من الضياء على عينيك قد لاحا

أسرجت للدمع عند القبر قافية                     تشع من كوة الأحزان مصباحا

أدر رحى الشعر ولتهنأ به قدراً                    شلال عمرك من أعطافه ساحا

ما يوقظ الدهشة في صياغة الموقف الشعري في الأبيات السالفة هو أن خيال الشاعر بات مندمجاً بعمق أحاسيسه، فأنتج لغة تفيض إشراقاً، إذ تجمع هذه اللغة بين الأناقة وقوة التأثير معاً، الأمر الذي يجعل صور الشاعر (حدق الأشجان– كوة الأحزان-  رحى الشعر– شلال عمرك) بنى عضوية مؤسسة للمعنى وليست نشاطا مجازياً نافلاً.

ثم يقول من قصيدة (أيها الشعر) :

إني المسافر في مداك محملاً بفجائعي

أنفاسي الحرى على شفتيك بعض زوابعي

هذان الشطران الشعريان يعززان القناعة بأن الشعر الأكثر قدرةً على التأثير في النفس هو ما كان منبثقاً من صميم الإحساس بالقهر والفجيعة، باعتبار الوجع الإنساني طاقة خلاقة تزود الكائن البشري بإبداعات لا تتأتى في الحالات الطبيعية.

  • ثانياً: حيوية اللغة الشعرية: تميل اللغة في ديوان (تغريبة آخر الشعراء) إلى البساطة والسلاسة والابتعاد عن الغلو والتعقيد، فهي تعتمد على الوجع الحي للتجربة الإنسانية أكثر مما تعتمد على الانتقاء والتكلف، علماً أن مفهوم السلاسة اللغوية لا يتناقض على الإطلاق مع مفهوم قوة اللغة وفصاحتها وأناقتها، فحين يصوغ الشاعر إلماعاته الشعرية بلغة مفهومة بعيدة عن التقعر، فتلك ميزة قلما تتأتى للعديد من الشعراء، يقول علي صالح الجاسم من قصيدة ( سارق النار ):

إن حرفي إذا سألت دواتي               سرق النار جذوة من وريدي

سرق النار واستقل سحابي               كي يظل الطليق بين الرعود

منح النور من فؤادي شعاعاً             للذين اصطلوا بحر نشيدي

تفصح مفردات الأبيات السابقة عن بساطة وعفوية في اللغة مقترنة بعذوبة وسلاسة فائقة، ولعل مرد ذلك إلى أصالة الموهبة الشعرية أولاً، ورحابة القاموس اللغوي للشاعر ثانياً.

  • ثالثاً: شفافية الشعر: من السمات المميزة لتجربة علي صالح الجاسم هي الوضوح، أعني أن القصيدة لديه واضحة الغايات والأفكار، لا تحتمل كثرة التأويلات، ولا تستدعي من القارىء المزيد من كدّ الذهن لإدراك مراميها، يقول الشاعر من قصيدة (أيها الشعر):

أسلمت نورك للمدى فقبست منه مطالعي

وغزلت من هذي النجوم عباءة لبدائعي

( النور – النجوم ) كائنان نورانيان لا يسمحان لأي غائم بغشاوة القصيدة. ولعل هذا الوضوح مردّه إلى الوظيفة الرسالية للشعر، كما يفهمه الشاعر، أعني أن التزام الشاعر بمشروع فكري ثقافي معين ربما قد دفعه إلى وضوح الرؤية.

 لا ريب أن ديوان (تغريبة آخر الشعراء) هو إحدى التجارب الشعرية التي تجسّد بجرأة واضحة، محنة التحولات الثقافية والفكرية، وما لها من انعكاس مباشر على الفن بوجه عام، وذلك على ضوء ما أفرزته الثورة السورية من وعيٍ جديد لا بدّ أن يُؤسّس لتحوّلات نوعية جديدة في المستقبل.