أزمة الانتخابات الأميركية القادمة 2024

تاريخ النشر: 13.01.2022 | 05:05 دمشق

يطل الرئيس السابق ترامب اليوم من فترة لأخرى منتقدا الرئيس بايدن وسياساته الداخلية والخارجية، بدءاً مما جرى في أفغانستان وليس انتهاء بارتفاع التضخم وبالتالي الأسعار بشكل قياسي، يستغل ترامب كل هذه الأحداث ليستعيد صوته بوصفه المنقذ مجدداً في عام 2024.

لم يعد هناك كثير من الشك أن ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري مجددا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم أن كل استطلاعات الرأي تتوقع هزيمته إذا ما قابل بايدن مجدداً، لكنه على ثقة أنه قادر على تحقيق معجزة أخرى كما فعلها سابقا أمام هيلاري كلينتون.

بالرغم من أن نظام الثنائية الحزبية يبدو الأقدم في الولايات المتحدة والأكثر رسوخا ومؤسساتية إلا أن تاريخ الأحزاب في الولايات المتحدة يشهد تعددا وتنوعا اختلف عبر الأجيال، ولذلك فاندثار أحد الأحزاب التاريخية ليس مستبعداً بالمطلق وإنما يعتمد على مدى قدرته على التعبير عن مصالح أفراده ومؤسساته المختلفة.

كلا الحزبين يعبران عن تحالف طبقي اجتماعي واقتصادي وسياسي يضم إثنيات وأقليات أميركية مختلفة يجمعها فقط تعبير الحزب

المشكلة اليوم وعلى مدى عقد من الزمان أن الحزب الجمهوري فقد ما يسمى Center  أو المركز أو البعض يستخدم تعبير Mean Stream  يعني التيار الرئيسي داخله، فصحيح أن الأحزاب في الولايات المتحدة يطلق عليها اصطلاحا أحزاب لكنها في الحقيقة أقرب إلى ائتلاف حزبي Coalition فكلا الحزبين يعبران عن تحالف طبقي اجتماعي واقتصادي وسياسي يضم إثنيات وأقليات أميركية مختلفة يجمعها فقط تعبير الحزب عن مصالحها لأنها تعرف تماما أن وجودها منفردا لن يضمن مصالحها في هذه القارة الشاسعة التي تضم خمسين ولاية وتمتد على مدى آلاف الأميال، وبالتالي لا بد لها ولأسباب ذرائعية محضة أن تدخل في تحالف حزبي يعبر عن الحد الأدنى من المصالح التي ترغب بها، فمثلا الحزب الديمقراطي أصبح يضم ممثلي الطبقة الوسطى والجامعيين من حملة الشهادات واليسار الليبرالي بالمعنى الأميركي  والأقليات الإثنية ولا سيما القادمون من أميركا اللاتينية وبشكل أقل السود والمدافعون عن حقوق المثليين وحقوق البيئة وغيرهم، أما الحزب الجمهوري فبات يضم الملاك وأصحاب العقارات والمحافظين والمتدينين على اختلاف أديانهم ومنهم الإنجلكيون بشكل خاص ومعارضو الإجهاض وحقوق المثليين وغيرهم، وكما نجد أن هناك ائتلافا عريضا يضم كل حزب فإن ما يدفعهم للدخول في هذا الائتلاف هو رغبتهم في هزيمة الطرف الآخر ذي الائتلاف الواسع، ولتحقيق ذلك لا بد من ائتلاف واسع أيضا قادر على هزيمة الطرف الآخر.

ما جرى عبر التاريخ أن كلا الائتلافين المسميين الحزبيين الجمهوري والديمقراطي على قيادته أن تبحث عن النقطة الوسط أو المركز كي تتمكن من الحفاظ على الائتلاف أولاً ومن ثم كي تتمكن من تحقيق النصر وتسلّم الكونغرس وبشكل أهم البيت الأبيض، ولذلك يخوض الحزبان معركة طويلة كل أربع سنوات خلال ما يسمى مرحلة الانتخابات التمهيدية أو الأولية لاختيار هذه القيادة الوسط وبالتالي غالبا ما يجري استبعاد الأصوات القصوى لصالح صوت المركز أو الصوت الوسط وهو ما يجري اليوم داخل الحزب الديمقراطي على سبيل المثال إذ من الصعب أن ينجح مرشح كساندرز الذي يحمل كثيرا من الأفكار الاشتراكية وستميل الكفة بكل تأكيد إلى كلينتون التي تمثل التعبير الأوضح لحزبها الديمقراطي في المركز الوسط.

المشكلة اليوم في الحزب الجمهوري أنه فقد مركزه تماما وائتلافه بدا متصدعا للغاية وغير قادر على تمييز الوسط، فهناك داخل الحزب ما يسميه Volatility آخذ من علماء الاقتصاد وتعني التذرر وأعتقد أن الظواهر الثلاث التي شهدها الحزب في العشر السنوات الأخيرة هي تعبير واضح عن هذا التذرر الكبير، فالشعبية الكبيرة التي حصل عليها ترامب قسمت الحزب الجمهوري بشكل عامودي بين مؤيديه وبين الجمهوريين التقليديين المؤيدين لقيم الحزب التقليلدية في التجارة الحرة والسياسة الخارجية القوية والتركيز على قضايا الأمن الوطني.

تصاعد تأييد ترامب داخل الحزب الجمهوري كان له تأثيرات غير رجعية نحو انعطاف الحزب بشكل نهائي نحو اليمين وخاصة على مستوى ممثليه في الكونغرس، ومن ثم أصبح دونالد ترامب كقائد للحزب ليقود الحزب في مرحلته النهائية في الصراع داخل فئاته وكي يتم تطهير الحزب مما بقي من أقليات داخله خاصة بالنسبة للقادمين من أميركا اللاتينية والمسلمين والسود وغيرهم، وبالتالي فقد الحزب قدرته على تمييز الوسط وبالتالي يكاد ائتلاف الفئات داخله عرضة للانفصام والتفتت وهو ما نجده تماما في التعبير عن تصريحات ترامب التي تزداد عنصرية لكن استطلاعات الرأي تعطيه أفضلية بفارق كبير على منافسيه، وهو ما يحمل بداخله مؤشرا واضحا على انفراط عقد الائتلاف وبالتالي الحزب، ربما يبقى الحزب حزبا بوصفه تعبيرا واضحا عن إحدى فئاته وهو ما يعني اليمين المحافظ في حالة الحزب الجمهوري وهو ما سيعني بشكل آلي خسارته على المستوى الوطني أمام منافسه في الحزب الديمقراطي، وهذا ما حصل تماما بخسارة ترامب مقابل بايدن انتخابات عام 2020 فلا قدرة على حزب فئوي في الولايات المتحدة على هزيمة ائتلاف حزبي واسع الانتشار على مستوى وامتداد الولايات المتحدة.

الصراع على السلطة داخل الحزب تدفع سياسييها القصيري النظر للحصول على دعم قاعدة الحزب اليمينية التي هي قاعدة ترامب اليوم

في الحقيقة حذر كثيرون داخل الحزب من  خطورة صعود ترامب على الحزب الجمهوري على المستوى البعيد، حتى ولو انتصر الحزب بالبيت الأبيض في انتخابات 2016 على المستوى القصير، فالحزب الجمهوري في نسخته الحديثة ولد على يد الرئيس الأميركي لينكولن الذي يعتبر بنظر معظم الأميركيين أنه من أعظم ثلاث رؤساء مروا على تاريخ الولايات المتحدة، وهو صاحب المقولة الشهيرة إن "هذا البلد لا يحكم إلا من الوسط" ولذلك كان أعداؤه ينتقدونه باستمرار أنه ثوري لكن كان يصر أنه إنما يريد العودة بأميركا إلى ما كانت عليه في عهد الآباء المؤسسين، الطريف في الأمر اليوم أن ينتهي هذا الحزب الجمهوري بسبب عدم احترام أتباعه لحكمة مؤسسه الأول.

لكن الصراع على السلطة داخل الحزب تدفع سياسييها القصيري النظر للحصول على دعم قاعدة الحزب اليمينية التي هي قاعدة ترامب اليوم، وحين يحصل عليها المرشح في الانتخابات التمهيدية يكون قد أضاع جمهوره الأوسع الذي يضمن له الوصول إلى البيت الأبيض، ولا أعتقد أن الحزب سيسعى على أثر هذه التحولات داخله حتى يخسر البيت الأبيض لمرتين متتاليتيين كما يتوقع حدوث ذلك في انتخابات عام 2024 إذا ما أصر ترامب على ترشيح نفسه في انتخابات 2024. بعدها سيعيد الحزب حساباته لأنه سيكون خارج البيت الأبيض لمدة طويلة وهو ما لم يحدث منذ قرن تقريبا أن سيطر أحد الحزبين على البيت الأبيض لهذه الفترة الطويلة جداً وبالتالي سيكون درساً قاسياً للجمهوريين للعودة إلى الأصول التي أسس عليها حزبهم، من حزب مدافع مستميت عن حقوق السود وحريتهم وانتهى اليوم على يد ترامب وكروز إلى حزب يستهدف الأقليات الدينية لأنها تختلف "عنهم".