أزمات البرازيل تنعكس على حياة اللاجئين السوريين فيها

تاريخ النشر: 28.04.2021 | 19:10 دمشق

ترجمة: ربى خدام الجامع

بدأت البرازيل في عام 2013 بإصدار سمة دخول إنسانية للاجئين السوريين على وجه الخصوص، وفي ذلك العام، ارتفع إجمالي الناتج القومي في تلك الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية بنسبة 2.3%، كما وصلت البطالة إلى أدنى مستوياتها خلال فترة تجاوزت العقد من الزمان. ولكن اليوم، يعاني 3800 لاجئ سوري يعيشون في البرازيل من ظروف اقتصادية صعبة.

فقد هبط إجمالي الناتج القومي في تلك الدولة بنسبة 4.1% خلال عام 2020، وأصبحت نسبة البطالة فيها من أعلى النسب على مستوى العالم، حيث أصبح 13.5% من البرازيليين خارج سوق العمل، ناهيك عن عدد الوفيات بكورونا والتي بلغت 390 ألف حالة وفاة في البرازيل، لتصبح تلك الدولة ثاني دولة من حيث عدد الوفيات بسبب كوفيد-19 على مستوى العالم.

وللأسف، لا حل يلوح في الأفق بعدما رفض الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو مرات عديدة فرض إجراءات التباعد الاجتماعي عبر النظام الفيدرالي، كما فشل بتأمين ما يكفي من جرعات اللقاح للشعب.

وفي خضم تلك الأزمات، يعاني اللاجئون السوريون حتى يحصلوا لقمة العيش، كما اضطر كثيرون منهم لمغادرة البرازيل بحثاً عن فرص أفضل في أميركا الشمالية وأوروبا.

 

محمد الصاحب يعلم اللغة العربية في ساو باولو

 

وعن ذلك الوضع تتحدث سلسبيل معتوق، وهي لاجئة عمرها 33 عاماً، فتقول: "إننا نعيش مع مصاعب تتفاقم يوماً بعد يوم. إننا نحس بالامتنان لأننا فزنا بفرصة القدوم إلى البرازيل، لكننا بتنا نخشى على مستقبلنا، فالجميع أصبح على وشك الإفلاس، ولا ندري إلى أين بوسعنا أن نمضي".

كانت السيدة سلسبيل وزوجها يعملان في مجال الصيدلة بدمشق ثم قررا ترك سوريا والتوجه إلى البرازيل في عام 2014، في حين يعيش جزء من عائلتها في الأردن، والقسم الآخر في السعودية. أما في البرازيل، فقد أصبح زوجها يعمل مندوب مبيعات لدى شركة نقل إلى أن تدبر أمور معادلة شهادته، وعن تلك التجربة تحكي لنا سلسبيل قائلة: "كان زوجي يحصل على رواتب متدنية، حتى بعد معادلته للشهادة، كما أنه ظل عاطلاً عن العمل طيلة ثلاث سنوات". لكنه تمكن أخيراً من إيجاد عمل له في صيدلية في شهر حزيران من عام 2020.

وخلال تلك الفترة، بدأت سلسبيل تطبخ وجبات سورية تقليدية وتقدمها للبرازيليين، إذ كان يتعين على الزوجين أن يعيلا أطفالهما الأربعة، بعدما ولد ثلاثة منهم في البرازيل، وهكذا لاقى مشروعها في مجال الطبخ شيئاً من النجاح، وعن ذلك تقول: "أصبحنا نعد الوجبات لمناسبات كبيرة في عام 2019"، ولكن الجائحة غيرت كل شيء، إذ تقول سلسبيل: "لم تعد هنالك أية مناسبات ولم تعد تردنا أية طلبات، فأصبح وضعنا الآن صعباً للغاية".

لا تختلف قصة سلسبيل عن قصص كثير غيرها من السوريين الذين يعيشون في البرازيل، إذ بحسب ما ذكر السيد باولو باريزي وهو قس لطائفة الروم الكاثوليك يدير مركزاً للمهاجرين واللاجئين في ساو باولو، فإن معظم السوريين الذين أتوا إلى البرازيل يحملون شهادات عليا، إلا أن كثيرين منهم اضطروا للقبول بأعمال ذات أجور زهيدة، وعن ذلك يعلق القس بالقول: "يتميز السوريون في البرازيل بأنهم طباخون بارعون، ولهذا بدأ  كثير منهم بالعمل في مجال الأطعمة"، ولكن أغلق  كثير من تلك المشاريع التجارية اليوم، وأخذ اللاجئون ينتقلون إلى دول أخرى.

ويتابع القس بالقول: "ثمة سوريّة أعرفها غادرت البلاد برفقة ابنها وتوجهت إلى مصر خلال الأسبوع الماضي. وهنالك أسرة أخرى تنتظر حصولها على سمة دخول أميركية"، وفي المركز الذي يديره هذا القس للترحيب باللاجئين والذي يحمل اسم: مشن بيس، هنالك شاب أتى من سوريا قبل أربعة أشهر، بعدما عاش في مصر لفترة، وعنه يحدثنا القس فيقول: "لقد حصل على وظيفة غير رسمية في 25 دو ماركو ستريت، وهو مركز تسوق شعبي فيه متاجر يمتلكها عرب من دول مختلفة". ويتعاون هذا القس مع مسجد البرازيل وسط ساو باولو حيث تجرى دورات مخصصة للاجئين السوريين لتعلم اللغة البرتغالية منذ ثلاث سنوات، وجزء من تلك الدروس يعطى في المسجد، بينما يتم إعطاء القسم الآخر في مركز مشن بيس.

محمد الصاحب يدرس اللغة العربية قبل انتشار الجائحة

 

ويحدثنا الشيخ محمد البقاعي إمام مسجد البرازيل فيقول: "استأجرنا مبنيين قريبين من أجل السوريين، حيث يمكنهم  المكوث لبضعة أشهر، إلى أن يتدبروا أمور العمل، ثم يأتي غيرهم إلى هذا المكان"، إذ قدم هذا المسجد المساعدة لـ 300 أسرة على الأقل.

ويخبرنا الشيخ الذي ولد في سوريا بأن  كثيرا من اللاجئين يطلبون المساعدة في المساجد بمجرد وصولهم إلى البرازيل، بما أنهم لا يتكلمون البرتغالية، وهناك بوسعهم إيجاد أشخاص ناطقين بالعربية، وحول ذلك يضيف الشيخ قائلاً: "لقد ساعدنا وبشكل واضح كلاً من السوريين المسلمين والمسيحيين على حد سواء، نظراً للحاجة الإنسانية".

واليوم، بعدما تفشت الجائحة، صار المسجد يوزع مجدداً تبرعات غذائية على اللاجئين حسبما أخبرنا الشيخ محمد البقاعي، وقد توقع  كثير من اللاجئين أن تقدم الجالية العربية الكبيرة في البرازيل- والتي يقدر عدد أفرادها بعشرة ملايين نسمة- ما هو أكثر من ذلك بالنسبة لهم، إلا أن ذلك لم يحدث، بحسب ما أخبرنا اللاجئ السوري عبد الباسط جارور الذي يبلغ من العمر 31 عاماً، حيث قال: "معظم أبناء العرب في البرازيل قطعوا صلاتهم بالعالم العربي، إلا أنهم ينتمون إلى جالية قوية، غير أن تجربتي معهم كانت بشعة"، وأضاف بأن معظم المساعدات تصل عن طريق منظمات غير حكومية وكنائس.

فقد هرب جارور من حلب في عام 2014، فاعترضه  كثير من التحديات والمصاعب، إذ لم يكن يتكلم البرتغالية، كما لم يكن يعرف أحداً في البرازيل، وعن ذلك يقول: "لقد عانى السوريون أيضاً من التمييز والظلم من قبل بعض البرازيليين الذين يعتبرونهم إرهابيين".

بيد أن جارور تورط أكثر فأكثر بمعاناة الجالية التي ينتمي إليها في ساو باولو، وهذا ما دفعه ليصبح ناشطاً بالنسبة لقضية اللاجئين، ففي عام 2017، كان جارور من بين من نظموا بطولة كأس العالم للاجئين، حيث تم تشكيل فرق كرة قدم من اللاجئين القادمين من مختلف بقاع العالم، وعن تلك التجربة يقول: "عندما بدأنا نلعب، حمل بعض اللاجئين العلم السوري الرسمي بينما حمل آخرون علم الثورة، وهكذا نشب شجار بين الطرفين، لكني قلت للشبان بأننا أتينا إلى البرازيل هرباً من الحرب، ولهذا يجب ألا نشرع بالقتال هنا، وهكذا وحدت كرة القدم بين الجميع في نهاية المطاف".

غير أن جارور أبدى كثيرا من الحسرة بسبب الجائحة التي أضرت  بكثير من أبناء جلدته، وهذا ما عبر عنه بالقول: "أصبنا بضعف بالغ الآن، وكأننا لسنا موجودين"، فقد فقد هذا الشاب أمه بسبب كوفيد-19 في العام المنصرم.

ويعود جزء من إحساس اللاجئين في البرازيل بالهجران وتخلي الناس عنهم إلى بعد الثقافة العربية عن الثقافة البرازيلية.

إلا أن محمد الصاحب، وهو لاجئ سوري في الأربعين من عمره حاول أن يبني جسوراً بين الثقافتين، فأسس في عام 2018 مدرسة لتعليم اللغة العربية في ساو باولو بمساعدة غيره من المعلمين، الذين لم تقم فكرتهم على تعليم اللغة العربية فحسب، بل أيضاً على نشر الثقافة السورية في البرازيل، وهذا ما وصفه لنا محمد بقوله: "معظم الجالية العربية في البرازيل لا تعرف عن مجريات الأمور في سوريا أو لبنان إلا ما حدث قبل عقود طويلة. كما أنهم خسروا لغتهم، فلم يعد بوسعهم حتى أن يتحدثوا إلى أقربائهم الموجودين في الشرق الأوسط".

وأخبرنا محمد بأن مشروعه يهدف إلى بناء مركز ثقافي عربي في البرازيل ولكن على مراحل، إذ قال: "لسوء الحظ، فإننا لا نمتلك الموارد التي تساعدنا على تحقيق ذلك الهدف، كما أن الدول العربية ليست لديها مصالح في البرازيل، ولهذا لن تقوم بمساعدتنا"، ويضيف محمد بأنه ودع  كثيرا من الأصدقاء مؤخراً بسبب كل تلك الأزمات التي حلت بالبلاد.

يذكر أن المدرسة التي أسسها محمد ورفاقه قد نجحت في بث دروسها عبر الشابكة، كما زاد عدد طلابها منذ بدء الجائحة، ويعلق محمد على ذلك بالقول: "أصبح لدينا طلاب ليس فقط من ساو باولو بل أيضاً من مختلف المناطق في البرازيل، بل حتى من دول أخرى".

أما عائلة محمد الصاحب قد انتقلت بأكملها إلى مصر، بينما بقي هو في سوريا ينتظر نهاية النزاع، وعندما حاول اللحاق بهم، لم تسمح له مصر بدخول أراضيها، ولهذا سافر إلى البرازيل.

واليوم أصبح محمد مواطناً برازيلياً وبوسعه أن يزور أمه في مصر بواسطة جواز سفره البرازيلي، حيث يقول: "لم أر أمي منذ عشر سنوات"، لكنه لم يعد يفكر بترك البرازيل، إلا أن وضع الحياة المتقلقل في هذه البلاد زاد من الريبة التي يحس بها أمثال السيدة سلسبيل التي لم تندم على قدومها إلى البرازيل، إلا أن فكرة التوجه إلى مكان آخر لم تعد تبارحها وباتت جزءاً من أي مخطط للمستقبل بالنسبة لها، حيث تقول: "ليس بوسعنا هنا أن نعلم أطفالنا ديننا وثقافتنا، وذلك لأن المدارس الإسلامية مكلفة للغاية وبعيدة جداً عن بيتنا، ولهذا لم تعد الأفكار التي تتصل بشكل مستقبل أولادنا تفارق مخيلتنا".

 

المصدر: عرب نيوز