أربعة لصوص وحكاية واحدة

تاريخ النشر: 13.05.2021 | 06:21 دمشق

آخر تحديث: 13.05.2021 | 06:41 دمشق

أضاف رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز جريمة أخرى إلى سجله القبيح، حينما أهدى في آذار 2008 نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي بستان زيتون مساحته 3600 قدم مربع جنوبي تل أبيب، قرب مدينة يافا الفلسطينية.

وفي المقابل، أهدى ساركوزي مضيفه منحوتة أصلية للفنان غايار، تصور الكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه دو شاتوبريان، إضافة إلى الأجزاء الثلاثة من كتابه "رحلة من باريس إلى القدس" ونسخة عن "يوميات من القدس" للكاتب نفسه.

بعد 11 سنة من تلك الواقعة، وعلى سبيل الشكر، أعلن بنيامين نتنياهو أن حكومته قد اختارت موقعاً في مرتفعات الجولان لبناء قرية سيتم تسميتها على اسم ترامب رئيس الولايات المتحدة، بعد أن أهدى اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، لنتنياهو أثناء زيارته لواشنطن. وكان قد سبق ذلك بخطوة لم يأت عليها أحد قبله، وهي اعترافه بالقدس "الموحدة" عاصمة لدولة إسرائيل!

سيكتشف السوريون ومعهم العالم كله أن الأرض التي ستقام عليها قرية ترامب المزمعة، مسلوبة من أملاك عائلة الزميل الكاتب والباحث تيسير خلف

وسيكتشف السوريون ومعهم العالم كله أن الأرض التي ستقام عليها قرية ترامب المزمعة، مسلوبة من أملاك عائلة الزميل الكاتب والباحث تيسير خلف التي نزحت إلى سوريا، بعد احتلال إسرائيل للجولان عام 1967.

تأملُ مصائر الشخصيات الأربع التي مرت في سياق الخبرين الواردين أعلاه، يمكن أن يولّد تفاصيل كثيرة، ستملأ سطور هذه الزاوية، ومقالات أخرى أيضاً!

لكن ما الذي سيفيد سياقنا الراهن الحديث عن شمعون بيريز الذي مات في أيلول عام 2016؟ ويمكن وبدون عناء تذكر أنه ظل وريث الفشل السياسي! فقد خسر كل انتخابات ترشح فيها أمام مرشحي اليمين، وقد تطوع دائماً ليكون وجه القباحة أمام العالم الذي رفض أفعال شخصيات دموية أشد عنفاً مثل آرئيل شارون ومناحيم بيغن وإسحاق شامير.

الدكتور عزمي بشارة وفي سياق حديثه ذات مرة عن بيريز أشار إلى أن السياسيين المحليين وكذلك الأجانب يتهمون هذه الشخصية بـ"التآمر المستمر وعدم الاستقامة، والكذب بشكلٍ مرضي، وسماكة الجلد، والرضا الدائم عن الذات، والجمع العبثي بين انعدام الشرف وحب التشريفات، والركض من دون كرامة من أجل مركز يعطيه كرامة".

وأيضاً، على ماذا سوف نحصل ونحن نشاهد الملامح القبيحة لـ"ساركوزي" الذي تحاصره تهم كبيرة في المحاكم، مثل "الفساد المالي" و"إخفاء اختلاس الأموال العامة" وتمويل حملة غير قانونية؟ حيث يشتبه في أنه تلقى أموالاً من ديكتاتور ليبيا المقتول العقيد معمر القذافي لتمويل حملته لعام 2007، مقابل الترويج للمصالح الاقتصادية والدبلوماسية للنظام الليبي.

ساركوزي الذي يعتبر أول رئيس فرنسي يبلغ هذه العتبة من "التجريص" أُدين بتهمة محاولة رشوة قاضٍ، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، سيقضي واحدة منها في الزنزانة، كأي محكوم.

أما المهزوم دونالد ترامب، فقد سبق الرؤساء الأميركيين الآخرين بتحريضه الشعبوي ضد اللاجئين والمهاجرين، وأفعاله غير المتوازنة، والتي هددت الديموقراطية في عاصمة الولايات المتحدة، حينما أطلق جحافل من المتطرفين الذين اقتحموا مبنى الكونغرس! 

وبات مجرد ذكر اسمه في أي سياق، يُعيد الآخرين إلى مرحلة سوداء من التاريخ، اضطروا فيها لأن يتعايشوا مع حاكم أخرق!

وفي النهاية، نصل إلى بنيامين نتنياهو، الدموي، الذي وجهت له تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، واللاعب الأقذر في المشهد السياسي المحلي، والذي ما برح يخوض في تجييش اليمين المتطرف الإسرائيلي من أجل الوصول إلى المكاسب السياسية، حتى وإن أدت تحالفاته إلى تحويل إسرائيل إلى بيئة خصبة لنمو الأفكار العنصرية التي تقارب النازية، بحسب تعبير داعية السلام المؤرخ الإسرائيلي الليبرالي زئيف ستيرنل.

تجاورَ علم ثورة السوريين مع الأعلام الفلسطينية، وصارت أغاني الساروت مألوفة في شوارع المدينة المحتلة، تنشدها حناجر الشباب والصبايا، الذين واجهوا جنود الطغيان الإسرائيلي بالهتاف والتحدي

الشخصيات الأربع، اجتمعت في حكاية، تخصنا نحن، السوريين والفلسطينيين، الذين رسخت الأيام الماضية من عمر هبة القدس علاقة مختلفة تجمع بينهما، حيث تجاورَ علم ثورة السوريين مع الأعلام الفلسطينية، وصارت أغاني الساروت مألوفة في شوارع المدينة المحتلة، تنشدها حناجر الشباب والصبايا، الذين واجهوا جنود الطغيان الإسرائيلي بالهتاف والتحدي، ملتفتين إلى الكاميرات بابتسامات، تهزأ –ربما- من جملة بن غوريون الشهيرة: "الكبار سيموتون والصغار سينسون" التي قالها بعد نكبة 1948.

لا أدري كيف يمكن للتسميات أن تفرق بين الشعبين، وقد امتدت بينهما أوردة وشرايين، فصار دمهما واحدا، وألمهما واحدا.
وكما كانت أرضهما متصلة منذ غابر الدهور والأزمان، عادت لتترابط مع بعضها، بعد أن توحدت إرادات اللصوص السابقين وربما اللاحقين، في سبيل هدف واحد هو سلبهما حقوقهما، والقضاء على آمالهما بالحرية، والنفاذ إلى مستقبل أكثر إنسانية، بعدما تم إهدار قرن كامل من تاريخهما، من أجل سعادة وهناء دولة مسخ، يقوم على حمايتها من "خطر" الشعوب العربية، حكام وأنظمة مثل نظام الأسد وميليشيات طائفية، يرطنون ليل نهار بشعارات المقاومة والممانعة!

الحكاية هي أرضنا، وتاريخنا، يبدأان بالقدس كعنوان أول، في سياق لن ينتهي دون أن يصل السوريون والفلسطينيون، ومعهم كافة الشعوب المتضررة من هذه الكارثة المستدامة، إلى حقوقهم في الحرية والعيش الكريم.