icon
التغطية الحية

"أرابيكا".. مشروع عربي طموح لبناء مرجعية معرفية موثوقة في عصر الذكاء الاصطناعي

2026.09.02 | 13:20 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.02 | 13:21 دمشق

 من لقاء د. عزمي بشارة في برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي2"
من لقاء د. عزمي بشارة في برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي2"
باسل المحمد - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- مشروع "أرابيكا" كموسوعة شاملة: يهدف إلى إطلاق موسوعة رقمية بحلول 2027 تغطي مجالات متعددة مع تركيز على الحضارة الإسلامية والبلدان العربية، لتكون مرجعاً معرفياً متجدداً يسد الفجوة في المحتوى العربي.

- التحديات والتحرير: تعتمد على منظومة تحريرية لضمان جودة المحتوى، تشمل ثلاث دوائر تحريرية لضمان دقة المعلومات وتجنب الانحياز، مع الاستفادة من قواعد بيانات متعددة اللغات.

- أهمية "أرابيكا" في العصر الرقمي: تسعى لتكون مصدراً موثوقاً للمعلومات العربية، مما يعزز حضور المعرفة العربية في العالم الرقمي ويواجه المعلومات غير الموثوقة.

مع اتساع تدفق المعلومات عبر الإنترنت وتزايد حضور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتداوله، يبرز سؤال المعرفة الموثوقة باللغة العربية بوصفه أحد التحديات التي تواجه الباحث والقارئ العربي. وفي هذا السياق، يعمل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا"، الذي يُرتقب إطلاق بوابته الرئيسة مطلع عام 2027.

ولا تقتصر "أرابيكا" على حقل معرفي بعينه، بل تمتد لتشمل العلوم والفنون والآداب والأديان والفكر والفلسفة والاقتصاد والسياسة والتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا وغيرها، مع إيلاء اهتمام خاص للحضارة الإسلامية والبلدان العربية. كما صُممت الموسوعة لتكون قابلة للتحديث والإضافة المستمرة، بما يجعلها مشروعاً معرفياً متجدداً لا مرجعاً جامداً.

وتأتي "أرابيكا" لسد فجوة واضحة في المحتوى العربي على الإنترنت، حيث يفتقر القارئ والباحث إلى موسوعة رقمية شاملة يمكن الرجوع إليها لفهم مصطلح، أو التحقق من معلومة، أو التعرف إلى موضوع، بالاستناد إلى مادة علمية موقعة من صاحب اختصاص. وفي عصر أصبحت فيه محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي من أبرز بوابات الوصول إلى المعرفة، يكتسب توفير محتوى عربي موثوق أهمية تتجاوز القارئ المباشر، لتصل إلى ضمان حضور المعرفة العربية في مصادر البيانات التي تستند إليها هذه الأنظمة.

ومن المقرر أن تُنشر نماذج من مداخل الموسوعة عبر موقع فرعي تابع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى حين الوصول إلى حجم كافٍ من المحتوى يسمح بإطلاق "أرابيكا" عبر موقع مستقل، في مشروع يطمح إلى أن يتحول تدريجياً إلى مرجع عربي مفتوح للمعرفة في العصر الرقمي.

من بطرس البستاني إلى "أرابيكا".. حلم الموسوعة العربية

يمتد مشروع الموسوعات العربية إلى أكثر من قرن، مع محاولات متعددة بدأت منذ القرن التاسع عشر، مروراً بمشروعات موسوعية عربية مختلفة، لكنها لم تنجح في تأسيس موسوعة عربية شاملة تغطي مجمل حقول المعرفة.

وفي حديث إلى برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي2"، أمس الثلاثاء قال المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، إن فكرة "أرابيكا" جاءت بعد إدراك الحاجة إلى مشروع عربي شامل، مشيراً إلى محاولات سابقة منذ عهد بطرس البستاني و"دائرة المعارف"، فضلاً عن تجارب قطرية في عدد من الدول العربية.

ويقول بشارة إن العمل على البنية التحتية للمشروع بدأ قبل نحو ثلاثة أعوام، في حين أُنجز حتى الآن أكثر من 30 مليون كلمة في مجالات معرفية متعددة، بمشاركة نحو 1500 مؤلف وأكثر من 200 محرر علمي من مختلف أنحاء العالم العربي، وهو ما يعادل، وفق تقديره، أكثر من 300 كتاب.

وتغطي الموسوعة مجالات واسعة تشمل العلوم الدقيقة والطب والتكنولوجيا، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والأديان والعقائد، والفلسفة والفكر، واللغة والآداب والفنون، إلى جانب التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة وغيرها، مع اهتمام خاص بالحضارة الإسلامية والبلدان العربية.

من لقاء د. عزمي بشارة مع برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي2"
من لقاء د. عزمي بشارة مع برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي2"

موسوعة مفتوحة.. من القارئ العادي إلى الباحث المتخصص

تقوم الفكرة الأساسية لـ"أرابيكا" على توفير معرفة عربية موثوقة ومفتوحة الوصول، بحيث يستطيع القارئ استخدامها لفهم مصطلح أو التحقق من معلومة أو التعرف إلى موضوع، بينما يجد الباحث فيها نقطة انطلاق نحو دراسة أكثر تخصصاً.

ويؤكد بشارة أن الموسوعة تستهدف المبتدئ والمتخصص في آن واحد؛ إذ تبدأ المداخل بمعلومات موجزة تلائم القارئ العام، قبل أن تتوسع لتقدم مادة تحليلية أعمق تخدم الباحث المتخصص.

ويأتي هذا التوجه في ظل ما يصفه بشارة بتدفق هائل للمعلومات غير الدقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن المجتمعات العربية باتت بحاجة إلى "متن معرفي محكم وموثوق" يوفر مرجعاً في مختلف العلوم الإنسانية والتطبيقية بلغة متاحة للجميع.

ويؤكد بشارة أن مداخل الموسوعة يكتبها متخصصون في مجالاتهم ويوقعونها بأسمائهم، ثم تخضع لعمليات تحرير وتحكيم ومراجعة، بما يحمّل الكاتب مسؤولية علمية واضحة، ويمنح الباحث مصدراً يمكن الاستناد إليه.

ويختلف هذا النموذج، بحسب بشارة، عن منصات المعرفة المفتوحة مثل "ويكيبيديا"، ليس فقط من حيث توقيع المقالات، وإنما أيضاً من حيث اشتراط الاختصاص العلمي للكاتب، مع عدم اشتراط انتمائه إلى تيار فكري أو سياسي محدد.

 "أرابيكا" تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

تأتي الموسوعة في وقت تغيرت فيه طريقة الوصول إلى المعرفة بصورة جذرية؛ فلم يعد القارئ يعتمد بالدرجة نفسها على الكتب والمراجع الورقية، بل بات محرك البحث والهاتف والحاسوب بوابته الأولى للحصول على المعلومات.

ويرى بشارة أن الطباعة الورقية لم تعد خياراً عملياً لمشروع بهذا الحجم، ليس فقط بسبب الكلفة، وإنما أيضاً بسبب تغير عادات القراءة والبحث لدى الأجيال الجديدة.

لكن التحول الرقمي بالنسبة إلى "أرابيكا" لا يتعلق فقط بسهولة الوصول إلى محتواها، بل يرتبط أيضاً بمستقبل الذكاء الاصطناعي.

ويطرح بشارة سؤالاً جوهرياً في هذا السياق: إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تنتج المعرفة من فراغ، وإنما تعالج البيانات والمعلومات المتاحة لها، فما هي المعرفة العربية الموثوقة التي ستغذي هذه الأنظمة؟

ومن هنا تراهن "أرابيكا" على أن تصبح مصدراً للمعلومات العربية الموثوقة التي يمكن لمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي الاستناد إليها. ويشير بشارة إلى أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل بإحالة المستخدمين إلى مقالات منشورة على موقع الموسوعة التجريبي.

ويعمل المشروع وفق شجرة معرفية تبدأ بما يسمى "المداخل الجذعية"، أي المفاهيم العامة، ثم تتفرع عنها مصطلحات وموضوعات أكثر تخصصاً. وقد أنتجت هذه العملية قائمة تضم نحو 60 ألف مدخل يجري البحث عن متخصصين لكتابتها، يضيف بشارة.

 ثلاث طبقات للتحرير.. كيف تُصنع المعرفة الموثوقة؟

لا تقتصر مهمة "أرابيكا" على جمع المعلومات فحسب، إذ يعتمد المشروع على منظومة تحريرية تهدف إلى ضمان جودة المحتوى ومراجعته قبل نشره.

ويشير بشارة إلى أن السنوات الثلاث الأولى من المشروع ركزت بصورة أساسية على بناء البنية التحتية، ووضع السياسة التحريرية، وتحديد طبيعة الاستكتاب وآليات التواصل مع المتخصصين.

ويقول إن المشروع اعتمد هيكلية تحريرية تقوم على ثلاث دوائر رئيسية: التحرير العلمي، والتحرير الموسوعي، والتحكيم المستقل، في محاولة للفصل بين مراحل إنتاج المادة ومراجعتها وضبطها.

إلى جانب ذلك يعتمد المشروع على قاعدة بيانات للمصطلحات باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، بهدف توحيد الترجمات ومنع التضارب الاصطلاحي، مع إرفاق المصطلح بلغته الأصلية عند الحاجة.

ويستفيد المشروع كذلك من قاعدة البيانات التي وفرها "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، بما يتيح ربط العمل الموسوعي بالتطور التاريخي للمفاهيم والمصطلحات العربية.

ورغم إطلاق النسخة التجريبية وبدء نشر المداخل بصورة يومية، يقر بشارة بأن حجم المشروع يجعل الوصول إلى آلاف المداخل المحكّمة سنوياً تحدياً كبيراً، خصوصاً أن المعايير التحريرية المعتمدة تتطلب وقتاً وجهداً من الباحثين والمحررين والمحكمين.

عربية في اللغة والموضوع.. وموضوعية في المنهج

تسعى "أرابيكا" إلى تقديم المعرفة باللغة العربية ومن منظور ثقافي وحضاري عربي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المعايير العلمية أو تحويل الموسوعة إلى منصة أيديولوجية.

ويضع المشروع ضمن أولوياته تغطية القضايا العربية، إذ يضم "هيئة البلدان العربية" المعنية بتقديم تفاصيل تاريخية وجغرافية دقيقة حول الدول العربية، وهو ما يرى بشارة أنه يمكن أن يجعل الموسوعة مرجعاً مهماً حتى للباحث الأجنبي المهتم بالمنطقة.

وفي حديثه عن مفهوم الحياد، يوضح بشارة أن الموسوعة لا تدعي وجود "حياد مطلق" في إنتاج المعرفة، لكنها تلتزم بالموضوعية العلمية ونقل الحقائق، مع الحفاظ على شخصيتها الثقافية.

ويقدم مثالاً على ذلك في تناول موضوع الاستعمار، إذ يمكن دراسة الظاهرة من منظور الشعوب التي خضعت للاستعمار، مع الالتزام في الوقت ذاته بتتبع التاريخ المفهومي للمصطلحات، وعرض الوقائع بدقة، وإخضاع المواد للتحرير والتحكيم العلمي للحد من الانحياز الأيديولوجي.

كما يرى بشارة أن إبراز الإسهامات العربية في المجالات العلمية والفكرية جزء من الواجب المعرفي، على غرار ما تفعله الموسوعات العالمية عندما توثق إسهامات البلدان والمجتمعات المختلفة في تطور المعرفة.

مشروع تنويري يتجاوز الموسوعة

في جوهرها، لا تريد "أرابيكا" أن تكون مجرد موقع لتجميع المعلومات، وإنما مشروعاً يرى القائمون عليه جزءاً من حركة تنويرية عربية أوسع، هدفها توفير حد أدنى من المعرفة الدقيقة والمفحوصة في مواجهة التضليل والشائعات والخرافة والمعلومات غير الموثوقة.

ويصف بشارة الموسوعات بأنها مشاريع ذات أثر ثقافي طويل الأمد، لأنها تتحول مع الوقت إلى مراجع يستند إليها الجمهور والمؤسسات التعليمية والباحثون، بصرف النظر عن هوية المؤلف في كل مرة.

لكن استمرار هذا النوع من المشاريع يحتاج، بحسب بشارة، إلى دعم مؤسسي طويل الأمد، سواء عبر سوق نشر قوي أو دعم مستمر من المؤسسات والدول، معتبراً أن ضعف سوق النشر العربي وعدم استقرار الأولويات الثقافية أسهما في تعثر مشاريع موسوعية سابقة.

وتراهن "أرابيكا"، التي أطلق المركز العربي نسختها التجريبية في 7 نيسان/أبريل الماضي، على معالجة هذا النقص من خلال مشروع عربي عابر للحدود، مدعوم ببنية تحريرية وتقنية متكاملة.

ومع انتظار إطلاق بوابتها الرئيسة مطلع عام 2027، تبدو أهمية المشروع أبعد من عدد المداخل التي سينشرها أو حجم قاعدة بياناته؛ إذ يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بموقع اللغة العربية في صناعة المعرفة الرقمية. ففي عصر أصبحت فيه محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي بوابات رئيسية للوصول إلى المعلومات، فإن امتلاك قاعدة معرفية عربية موثوقة لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح جزءاً من القدرة على إنتاج المعرفة وحماية اللغة العربية من أن تتحول إلى مجرد مستهلك للمعلومات التي ينتجها الآخرون.

وفي هذا السياق، يختصر بشارة فلسفة المشروع بالقول إن الظروف السياسية الصعبة التي تمر بها المنطقة تجعل الإسهام في بناء نهضة ثقافية وعلمية أحد أكثر أشكال العمل استدامة، لأن المعرفة والمؤسسات العلمية، في نهاية المطاف، هي التي تبقى وتترك أثرها في الأجيال المقبلة.