أدنى مرتبة من المافيا

تاريخ النشر: 03.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 29.08.2018 | 09:23 دمشق

الأخبار الآتية من اللاذقية (ينشرها إعلام "النظام" بلا تحفظ)، عن تصفية واعتقال وملاحقة رجال أعمال وقادة ميليشيات متورطين بشتى أنواع الأعمال الإجرامية، ومنهم أقارب للعائلة الحاكمة، وممولين كبار لحرب النظام وعصاباته، قد تبدو للساذج وكأنها "حرب ضد الفساد والجريمة المنظمة". وهذا وهم محض في "سوريا الأسد". فتاريخ البلد، في هذا السياق، هو سلسلة متصلة من صعود وأفول أجنحة متصارعة على الثروات، وعلى مصادر الإثراء غير المشروع، وعلى مسالك التهريب وتجارة المخدرات والأسلحة والنفط، عدا الأتاوات، ووضع اليد على المرافق العامة، والاستيلاء على المشاريع الكبرى والمقاولات والمنافذ الحدودية والمرافئ، وكل ما من شأنه دفق الأموال إلى حساباتهم السرية. 

ما من سوري إلا وعرف أو عايش زمن "سرايا الدفاع" بقيادة رفعت الأسد، الملقّب بـ"جزّار حماه". أما قصته في محاولة الاستيلاء على الحكم وتطويق دمشق، أثناء غيبوبة حافظ الأسد المرضية، فهي بشهرة قصصه الأخرى في الاختلاس وجمع الأموال، ونهب موارد ضخمة للدولة السورية، وإدارة شبكات واسعة للتهريب. واقترن فساد رفعت وصحبه بسمعته الدموية، بوصفه المشرف المباشر على مذبحة حماه عام 1982، والاعدامات الجماعية في سجن تدمر الرهيب. وأقرت محكمة فرنسية قبل عام مصادرة أملاكه لثبوت اتهامات تتعلق بتبييض الأموال والتهرب الضرائبي واختلاس خزينة الدولة السورية تحديداً.

لم يأفل نجم رفعت الأسد، ويتم نفيه إلى الخارج والقضاء على عصبته و"سراياه" والتشهير بفساده، إلا بعد أن ارتكب خطأ التسرع بالقفز إلى كرسي الرئاسة، قبل التأكد من وفاة أخيه.

سيَر أفراد آل الأسد وأصهرتهم وأقاربهم وزوجاتهم وشركائهم، تنتظم كلها على هذين النسقين، وفق نموذج رفعت الأسد: النهب والقتل. 

سيرة الأخ الثاني، جميل الأسد، من سيطرته على تجارة تهريب التبغ والحديد والمخدرات الآتية من سهل البقاع اللبناني، وفرض شراكته بالقوة على رجال الأعمال والتجار، إلى عمليات الابتزاز الواسعة، وصولاً إلى استحواذه على حصص من كل عملية استيراد أو تصدير في مرفأي طرطوس واللاذقية.. هي سيرة تكاد تكون أقل سوءاً من سيرة ابنيه فواز ومنذر اللذين توسعا في نشاط أبيهما إلى حد إنشائهما ميليشيا خاصة. وتكشَّف حجم ثروة هذه الأسرة بعد وفاة الأب واندلاع خلاف عنيف بين الورثة، الذي أظهر تكدس نحو خمسة مليارات دولار، من ضمنها عقارات في لبنان وسوريا وفرنسا، وآثار مهربة..

كان مصير أسرة جميل الأسد شبيهاً بمصير الشقيق رفعت، فلم "تنتبه" السلطات السورية إلى فداحة فسادها وتغولها وإجرامها وتماديها في النهب، إلا بعد أن شعر الولد بشار الأسد باعتراض أبناء عمه على وراثته للحكم. اعتراض أدى إلى تصفية نفوذهم وتشتيتهم وملاحقتهم. ومنذ ذلك الحين، يرد اسم ولدي جميل الأسد، منذر وفواز، على لائحة المطلوبين لدى النظام ضمن الأرشيف الجنائي لدولة الأسد.

سيَر أفراد آل الأسد وأصهرتهم وأقاربهم وزوجاتهم وشركائهم، تنتظم كلها على هذين النسقين، وفق نموذج رفعت الأسد: النهب والقتل. آخرها ما يتم تداوله من كشف لعمليات التهريب التي يتزعمها حافظ منذر الأسد، إضافة إلى مصادرة أملاك زعيم ميليشيا "صقور الصحراء" أيمن جابر، الصهر الأكثر نفوذاً، المدعوم من كمال الأسد ابن عم بشار الأسد، والذي كان يتولى أيضاً "إدارة توزيع الدخان وتسويقه" بالإضافة إلى تجارة النفط.

اليوم ثمة حملة يقودها على الأرجح الأخوين ماهر وبشار، وربما بتأييد حماسي من رامي مخلوف، لتصفية نفوذ وأعمال الكثيرين ممن مولوا ودعموا النظام في أحلك ساعاته، وساعدوا في بقائه على قيد الحياة، وضخوا في شرايينه أوكسجين المال والسلاح. هؤلاء باتوا عبئاً بوصفهم دائنين وسيطالبون عاجلاً أم آجلاً بسداد ديونهم إما عبر نفوذ سياسي أكبر أو بالسيطرة على ما يسمى "إعادة الإعمار".

ومن الواضح أن بشار الأسد الذي اطمأن اسرائيلياً وأميركياً وروسياً وإيرانياً على بقائه، وبعد سحقه لجغرافيا الثورة وشعبها، ابتدأ "حفلة" التطهير في بلاطه وبين زمر حاشيته وبطانته. 

المطاردون اليوم هم على شاكلة بسام مرهج أو باسم الحسن، وأيمن محرز جابر، ووسيم قطان، ومجد سليمان (ابن بهجت سليمان) وآخرين. ومن الواضح أن بشار الأسد الذي اطمأن اسرائيلياً وأميركياً وروسياً وإيرانياً على بقائه، وبعد سحقه لجغرافيا الثورة وشعبها، ابتدأ "حفلة" التطهير في بلاطه وبين زمر حاشيته وبطانته. لا يريد أن يكون مديناً لأحد، ولن يسمح بمنة من شريك. هي حفلة التخلص من الأتباع الأقوياء على طريقة كاليغولا ونيرون. ما يخشاه في يقظته وفي مناماته مشهد اغتيال "يوليوس قيصر" وطعنة بروتوس.

يسير بشار الأسد على خطى والده. ففي مطلع الثمانينات، كانت سوريا محاصرة أميركياً ودولياً وتعاني عزلة سياسية واقتصادية خانقة. كان زمن افتقدت سوريا فيه الموز والسكر والخبز إضافة التبغ وأوراق المحارم والزبدة، عدا عن ندرة "الكماليات" وافتقاد خزينة الدولة للعملات الصعبة، وازدهار السوق السوداء (يمكنكم تخيل من يديرها). لم يجد الأسد الأب منفذاً لأزمته الخطيرة إلا عبر سهل البقاع اللبناني. ففي فترة وجيزة، تحول هذا السهل إلى أكبر المساحات المزروعة بحشيشة الكيف، وبالخشخاش (منه الأفيون والهيرويين)، وتولت أجهزة الاستخبارات السورية إدارة التجارة والتهريب، عبر المرافق التي تسيطر عليها، مرفأ طرابلس في لبنان (بعد العام 1985)، ومطار بيروت (بعد العام 1987)، إضافة إلى مطارات سوريا ومرافئها البحرية، باتجاه قبرص وتركيا ومنهما إلى أوروبا. وتقدر عائدات تلك الزراعة وتجارتها في ذلك الحين بنحو عشرة مليارات دولار، منها على الأقل خمسة مليارات دولار كانت تذهب لتمويل النظام السوري بالعملة الصعبة. كذلك، تحول البقاع إلى مقر لعدد من مطابع العملات المزورة (خصوصاً الدولار)، تحت إشراف المخابرات السورية. لم يتغير شيء سوى استبدال الحشيش والأفيون بحبوب الكبتاغون راهنا.

اعتمد حافظ الأسد على هذا "الاقتصاد" سنوات عدة، واشتغل فيه المحظيون والمحظوظون من أركان النظام وضباطه ورجال أعماله، وعصاباته المحترفة (أغلبها كانت منضوية في الميليشيات اللبنانية "الوطنية" و"العروبية")، ولم تأفل إلا بعد "تطبيع" العلاقات مع الولايات المتحدة، ما بين 1989 و1990، وقبول الأسد بالشروط الأميركية وبمطالب "مكتب التحقيقات الفيدرالي" (أف. بي. آي).. عندما فجأة، بدأت الشرطة اللبنانية، المصحوبة بمفارز المخابرات السورية، بإتلاف المساحات المزروعة وبمصادرة مطابع تزوير العملات.

ويمكننا القول أن منظومة الممانعة، تمتلك تاريخاً عريقاً في هذا المجال، من "استثمارات" إيران في حقول أفغانستان إلى "بيزنس" النظام السوري، وصولاً إلى ما بات معروفاً من شبكات "حزب الله" في أفريقيا وأميركا اللاتينية. وهي لا تتوانى عندما تترجح كفة الخسارة على كفة الربح أن تلجأ إلى التصفية الدموية بشراسة استئصالية مروعة، لا فقط في حقل "الفساد" بل أيضاً في خضم الصراعات السياسية الخفية، كما شهدنا وخبرنا في السنوات الأخيرة، من تفجير "خلية الأزمة" إلى اغتيال كل من ورد اسمه بلا استثناء في التحقيقات الدولية حول عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

من أجل وصف هذه المنظومة نستعين بعبارة شهيرة كتبها صحافي سويسري عن زعماء الحرب اللبنانيين: "كان يمكن تشبيههم بالمافيا لولا أننا نحترم المافيا بعض الشيء".