أدلة تؤكد أن البغدادي مازال حياً ويخطط لاستراتيجية جديدة

تاريخ النشر: 20.05.2018 | 19:05 دمشق

آخر تحديث: 27.05.2018 | 04:05 دمشق

واشنطن بوست-ترجمة وتحرير موقع تلفزيون سوريا

نشرت صحيفة واشنطون بوست الأمريكية تقريرا يؤكد بقاء زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي على قيد الحياة، فيما تحدثت تقارير سابقة عن مقتله في غارات التحالف الدولي لمحاربة التنظيم في سوريا والعراق، وأفادت واشنطن بوست بأن البغدادي يعمل على إدارة التنظيم ويخطط لاستراتيجية عمل جديدة بعد الهزائم التي لحقت بصفوفه، وخسارته لمعظم المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق. 

 

وتقول الصحيفة، إنه عندما استدعى أبو بكر البغدادي بعض كبار مساعديه إلى اجتماع في شرق سوريا خلال السنة الماضية، كان نظام "الخلافة" الذي أعلنه تنظيم الدولة قد انهار بالفعل، إذ سقطت عاصمته في العراق، في حين كان معقله الرئيسي في سوريا (مدينة الرقة) واقعا تحت الحصار. مع ذلك، كان لدى الزعيم الإرهابي خيار آخر يجول في ذهنه، وهو الاستفادة من طلبة المدارس.

ووفقا لمسؤول تابع للتنظيم، كان قد ألقي القبض عليه ضمن عملية مشتركة قام بها مسؤولون أتراك وعراقيون في وقت سابق من العام الحالي، دعا البغدادي شخصيا للتجمع بالقرب من مدينة دير الزور لمناقشة إعادة كتابة المنهج التعليمي الخاص بالتنظيم الإرهابي. وعلى الرغم من الظروف العصيبة التي كان يمر بها التنظيم، أراد البغدادي التركيز على الحفاظ على جوهر التنظيم الإيديولوجي، عوضا عن الاهتمام بنجاته من السقوط.

يبدو  الأمريكيون على قناعة بأن البغدادي مايزال على قيد الحياة كما أن الرجل بصدد المساعدة على إعداد استراتيجية على المدى الطويل

وضمن بيان مصور تم بثه على التلفزيون العراقي، قال الضابط المعتقل، الذي يعرف باسم أبو زيد العراقي، إن "الاجتماع حضره العديد من القادة، فضلا عن لجنة المناهج الدراسية التي قمت بترأسها شخصيا". وكان الاجتماع، الذي قيل إنه عُقد في منتصف سنة 2017، هو الثالث للجنة التي كانت بمثابة مشروع صغير للرجل الذي يضطلع بالأمور القيادية. وحيال هذا الشأن، أفاد الضابط أن هذه اللجنة أنشأها أبو بكر البغدادي.

وترى واشنطن بوست أن هذه المعطيات تقدم لمحة صغيرة عن الحياة المنعزلة لزعيم تنظيم الدولة، وهو الرجل الذي سمح لنفسه بالظهور مرة واحدة في المقاطع المصورة. ويرجع ظهور أبو بكر البغدادي الأول إلى شهر تموز سنة 2014. ومنذ ذلك الوقت، لم يتحدث بصفة علنية إلا خلال مناسبات معدودة، و بموجب ذلك منح غيابه منفذا لصدور عدد لا يحصى من التقارير الكاذبة التي تشير إلى أن البغدادي ميت أو تعرض لجراح خطيرة، أو أنه أصبح عاجزا.

 

الأمريكيون غير مقتنعين

وعلى الرغم من هذه الشائعات، يبدو المسؤولون الأمريكيون في مجال مكافحة الإرهاب على قناعة بأن البغدادي ما يزال على قيد الحياة. كما أن الرجل بصدد المساعدة على إعداد استراتيجية على المدى الطويل للأعداد المتضائلة لمقاتلي تنظيم الدولة، الذين يدافعون عن معاقلهم المتبقية في الأراضي الشرقية لسوريا. وعموما، تُدعّم الولايات المتحدة وجهة نظرها ببيانات ناتجة عن اعتراض معلومات استخباراتية، فضلا عن تلك التي تمخضت عن عمليات استجواب للمعتقلين، بالإضافة إلى كتابات وتصريحات صادرة عن نشطاء داخل شبكة التنظيم الإرهابي.

وفي هذا الصدد، صرح خبراء في مجال مكافحة الإرهاب أن الدليل غير المكتمل و الذي يصعب تأكيد صحته، يحيل إلى زعيم اختار التواري عن الأنظار وجعل نفسه غير مرئي حتى داخل منظمته. نتيجة لذلك باتت تشكيات أتباعه كثيرة، وهو ما قلل من قدرته على حشد قواته المُحاصَرة.

دعا البغدادي شخصيا للتجمع بالقرب من مدينة دير الزور لمناقشة إعادة كتابة المنهج التعليمي الخاص بالتنظيم

في المقابل، تشير التقارير والبيانات الاستخباراتية إلى أن البغدادي حوّل اهتمامه خلال الأشهر الأخيرة إلى صياغة إطار أيديولوجي ينجو من التدمير المادي الذي لحق بالتنظيم في العراق وسوريا. وعلاوة على مجهوداته التي يبذلها في سبيل تجديد المناهج الدراسية للتنظيم، يبدو أن البغدادي كان وراء إرسال سلسلة من الرسائل المشفرة خلال الأشهر الأخيرة، التي سعى من خلالها إلى تسوية الخلافات الأيديولوجية في صفوف مقاتلي تنظيم الدولة.

وبالنظر إلى كل ما ذُكر آنفا، يتضح أن الخطوات التي يتبعها البغدادي ترتبط بانسحاب لا يخلو من الانضباط، حيث يساعد هذا الرجل في الإعداد إلى تحويل الخلافة إلى تمرد سري وحركة إرهاب دولية، وذلك حسبما أفاد به مسؤولون أمريكيون سابقون وحاليون.

 

تخطيط للعودة

من جهته، صرح نيكولاس راسموسين، الذي شغل منصب رئيس مركز مكافحة الإرهاب قبل التنحي عنه خلال شهر كانون الأول الماضي، أنه "حتى في الوقت الذي كان يخسر فيه التنظيم معاقله في الموصل والرقة، كنا نرى مؤشرات تدل على أنهم يخططون للعودة من جديد كمنظمة سرية. فعندما كانوا يطردون من هذه المناطق، كانوا يخلفون وراءهم نوعا من بنية الخلية".

وقد تم التأكيد على هذه الاستراتيجية الرئيسية من قبل شخص نصب نفسه ناشطا لدى تنظيم الدولة، وذلك عبر محادثة أجراها مع صحيفة "واشنطن بوست" عن طريق خدمة مراسلة مشفرة. وأفاد الناشط بأن البغدادي، الذي كان أستاذا جامعيا قبل أن يصبح إرهابيا، فضلا عن كبار القادة الآخرين، قرروا في وقت مبكر إعطاء الأولوية لتلقين الأطفال والمجندين، سواء في العراق وسوريا أو خارجهما عبر الإنترنت. وقد باتت هذه الجهود ضرورية أكثر من أي وقت مضى، حيث أمسى واضحا أن المنطقة المحاصرة للجماعة لن تنجو، على حد قوله.

واستطرد الناشط، الذي وافق على إجراء المقابلة بشرط عدم الكشف عن اسمه، قائلا إن "القيادة مقتنعة بأنه حتى في حال اختفى تنظيم الدولة، فستظل فكرة الخلافة حية طالما أن بإمكانها التأثير على الجيل القادم عن طريق التعليم". وأضاف أن قيم الخلافة ستزرع داخل الأمة الإسلامية بموجب توجيهات البغدادي، كما شدد على أن هذه التعاليم لن تختفي، حتى وإن اختفت الخلافة.

 

كل الدلائل تشير إلى أنه على قيد الحياة

يعد الاجتماع، الذي شارك فيه زعيم تنظيم الدولة خلال السنة الماضية في دير الزور، من المناسبات القليلة التي ظهر فيها علنا. وحتى الآن، نجح البغدادي بشكل ملحوظ في التواري عن الأنظار. ومنذ أن أعلن البغدادي عن تأسيس دولة الخلافة في الرابع من تموز/ يوليو سنة 2014، تحوم العديد من الشائعات حول مقتله، دون صدور أي تسجيلات توثق موته أو أي تصريحات رسمية في هذا الشأن.

ومنذ سنة 2014، ذكرت بعض وسائل الإعلام، في أكثر من ست مناسبات، أن البغدادي تعرض للقتل أو لإصابات بالغة. حيث ذكرت هذه المصادر الإعلامية في ثلاث مرات أنه قتل في هجمات جوية نفذتها طائرات حربية روسية وأمريكية. من جهة أخرى، ذكرت تقارير إعلامية أنه اعتقل من قبل جيش النظام السوري، في حين أفادت تقارير أخرى أنه أصيب بجروح قاتلة في هجوم مدفعي، بينما أورد تقرير آخر أنه قد تم تسميمه من قبل بعض القتلة المأجورين.

وفي حزيران الماضي، أعلنت موسكو أنها على ثقة تامة بأن البغدادي قد قُتل. خلافا لذلك اعترض البنتاغون الأمريكي على تصريحات موسكو، مشيرا إلى أنه لا توجد أدلة دامغة على مقتله. ومؤخرا أكد مسؤولون أمريكيون أن البغدادي نجا من الهزيمة النكراء التي لحقت بتنظيم الدولة في كل من مدينتي الموصل والرقة، كما ادعوا أنه ما يزال يدعم أنشطة التنظيم، على الرغم من أن مكانه ليس معلوما.

في الوقت الذي كان يخسر فيه التنظيم معاقله في الموصل والرقة كنا نرى مؤشرات تدل على أنهم يخططون للعودة من جديد كمنظمة سرية

وصرح مسؤول أميركي يعمل في مجال مكافحة الإرهاب، الذي اشترط عدم الكشف عن اسمه عند الحديث عن تقديرات استخباراتية، أن "كل الدلائل تشير إلى أن البغدادي على قيد الحياة، وأن أجهزة المخابرات تعتقد أنه ما زال يعمل على التنسيق بين مقاتلي التنظيم، ويساهم بصورة كبيرة في إدارة شؤون التنظيم".

في أواخر سنة 2016، أدى الرفع في قيمة المكافأة التي رُصدت مقابل القبض على البغدادي، من 10 إلى 25 مليون دولار، إلى ظهور عدد كبير من التقارير، التي تبلغ عن مكان تواجده، إلا أنها لم تكن مفيدة على الإطلاق. وقد أكد المسؤول الأمريكي أنه منذ ذلك الحين، ورد عدد من التقارير الموثوقة التي تشير إلى تحركاته بدقة وإلى أنشطته الإرهابية. وأوضح المسؤول أن "أكثر التوقعات صحة لدينا تفيد أنه ما زال في سوريا، وبالتحديد في إحدى المناطق التي ما زال تنظيم الدولة يسيطر عليها". وخلال الأسابيع القليلة التي تلت هذه التصريحات، بدا أن مكان البغدادي في سوريا غير ثابت.

 

تحصين المواقع

وفي وقت لاحق من الربيع الماضي، أوقف الأكراد هجماتهم ضد تنظيم الدولة في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في شرق سوريا بسبب تعرضهم لهجوم الجيش التركي في مناطق أخرى في شمال البلاد. وحسب ما أفاد به المسؤولون في الاستخبارات الأمريكية وفي الشرق الأوسط، سمح الهدوء المحيط بتنظيم الدولة حاليا، لمقاتلي التنظيم بإعادة تحصين مواقعهم، وجلب الإمدادات والتعزيزات.

وأكد أحد المسؤولين أنه مع وجود عدد قليل من الطائرات الحربية الأمريكية، المعنية باقتفاء أثر مقاتلي تنظيم الدولة، تمكن عدد كبير منهم من مغادرة ضواحي دمشق متجهين إلى معاقل التنظيم في جنوب وشرق سوريا. وتمكن المقاتلون من قطع مساحات شاسعة من الصحراء بموجب الاتفاق المبرم بينهم وبين النظام في سوريا. ومنذ ذلك الوقت، استؤنفت الهجمات الجوية مرة أخرى ضد التنظيم بشكل مكثف. وقال المسؤول الأمريكي المتخصص في مكافحة الإرهاب إنه "من المؤكد أن تنظيم الدولة أعاد ترتيب أوراقه من جديد، حيث أتاحت لهم الفترة الماضية من التهدئة الفرصة للقيام بذلك".

مع ذلك، تشير كل الدلائل إلى أن كل ما فعلته فترة التهدئة هو تأجيل الهزيمة الساحقة لتنظيم الدولة. فمنذ نهاية عام 2015، تكبد تنظيم الدولة سلسلة من الهزائم العسكرية المتواصلة. وعلى الرغم من ذلك، التزم قائد التنظيم خلال هذه الفترة الصمت التام، ولم يظهر علنا من أجل الدعوة إلى حشد القوات، إلا في مرات قليلة عندما نشر تسجيلات بصوته يحث فيها المقاتلين على الثبات في القتال، وكان آخر هذه التسجيلات قبل سقوط مدينة الرقة بأسبوعين، وتحديدا في 28 من أيلول عام 2017.

 

 

الاستعدادات للمستقبل

يرى بعض المراقبين أن غياب البغدادي عن الساحة يأتي في إطار إستراتيجية مدروسة من قبل تنظيم اختار خلال السنوات الأخيرة التخلي عن استناده التام لقادته لتعزيز مبادئ المجموعة.

في هذا السياق، أفاد كول بونزل، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في جامعة برينستون ورئيس تحرير جهاديكا، وهي مدونة علمية تعنى بأخبار الحركة الجهادية العالمية أن "العديد من أنصار تنظيم الدولة يؤمنون بعدم رغبة البغدادي في احتكار منصب السلطة، والسيطرة على مفاصل التنظيم بمفرده". وأردف بونزل قائلاً: "في الحقيقة، تم بذل الجهود لتفادي منح السلطة المطلقة على التنظيم لفرد واحد".

مع ذلك، أثار غياب البغدادي، في وقت كان يمر فيه التنظيم بمرحلة حرجة وحاسمة في الصراع من أجل البقاء، جدلاً في صفوف التنظيم. وفي الأسابيع الأخيرة، نشر أفراد منشقين عن تنظيم الدولة، في مدينة دير الزور، رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي يعبرون فيها عن استيائهم من انسحاب البغدادي من ساحة المعركة.

من جانبه، أورد ستيفن ستالينسكي، المدير التنفيذي لمعهد البحوث الاٍعلامية في الشرق الأوسط، وهي منظمة غير ربحية في واشنطن تعنى بمراقبة مواقع الويب التابعة للمتطرفين، أن "لهذه المستجدات وقع كبير على معنويات التنظيم ومؤيديه على حد السواء". في المقابل رد مؤيدون آخرون على هذه الانتقادات بتجديد مبايعتهم للبغدادي، وهو ما وصفه ستالينسكي بأنه "لمحة عن نوع الصعوبات التي كان، وربما لا يزال يواجهها البغدادي فيما يتعلق بفرض سيطرته داخل التنظيم".

سمح الهدوء المحيط بتنظيم الدولة حاليا لمقاتلي التنظيم بإعادة تحصين مواقعهم

وفي حقيقة الأمر، يُظهر البغدادي، البالغ من العمر 46 سنة، وأصيل مدينة سامراء العراقية، استعداداً وقدرة على التواصل عند الحاجة، حتى وإن اقتصر ذلك على أعوانه المنتشرين في أرجاء المنطقة وكبار مساعديه فقط. وقد اعترف رئيس لجنة المناهج الدراسية التابعة للبغدادي، بعد إلقاء القبض عليه، بأنه قد تم استدعاءه عديد المرات من قبل الخليفة لخوض مشاورات حول التعليم وأشكال الدعاية وغيرها من المسائل. وكان المعتقل من بين خمسة مساعدين كبار آخرين، وقع القبض عليهم منذ شباط إثر عمليات نفذتها السلطات العراقية بمساعدة من الولايات المتحدة وتركيا.

وقد أشار المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، نيكولاس راسموسين، إلى أن التقدم البطيء للحملة العسكرية للإطاحة بتنظيم الدولة، فتح المجال للبغدادي لإرساء خطوط اتصال آمنة، كما أتاح له فرصة التحضير والإستعداد للأيام القادمة. ومن المحتمل أن تشمل هذه الاستعدادات تخطيطا لشن عمليات إرهابية مستقبلية، وشحذ نظام قادر على نشر وترسيخ مبادئ التنظيم بعد نهاية حقبة خلافته.

وبيّن راسموسين أن "زعماء التنظيم كانوا على دراية بأن هذا ما كان سيحدث في نهاية المطاف، إذ لم يكونوا متشبثين بفرضية النصر العظيم والسيطرة على الموصل والرقة إلى الأبد". وأضاف قائلاً أن "الفكرة التي يتمحور حولها المشروع السني المتطرف، سواء كان تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة، تتمثل في تمرير المشعل إلى مجموعة أخرى من الجهات الفاعلة لإتمام ما بدؤوا به. وقد لا يكون هذا المشروع مرتبطا بشكل مباشر بالصراع السوري، لكنه لن يتلاشى بمجرد هزيمة تنظيم الدولة في ساحة المعركة".