أحوال مدنية جديدة أم هندسة سكانية؟

تاريخ النشر: 08.03.2021 | 06:43 دمشق

ترافق مناقشة وإقرار برلمان الأسد لمشروع قانون الأحوال المدنية الجديد، مصادفة، مع نشر تقرير المركز الدولي لتقييم النزوح الداخلي الصادر بتاريخ 15 شباط الفائت، وقد جاء في التقرير؛ إن النزوح الداخلي غيّر التركيبة السكانية للشرق الأوسط على مدى السنوات العشر الماضية، خاصة في سوريا. وعزا التقرير الأسباب الرئيسة للنزوح إلى الحرب والإرهاب، وذلك لما يسببانه من عنف ضد السكان المدنيين وتدمير للمنازل والبنية التحتية.

وأكّد التقرير أن سوريا لا تزال الدولة الأكثر تضرراً من جراء ذلك، حيث قدّر عداد النازحين السوريين عام 2019 بحوالي 6.5 ملايين، وعدد اللاجئين الذين يعيشون في الخارج بحوالي 5.6 ملايين سوري.

وأوضح فيسنتي أنزيليني رئيس الفريق الذي جمع البيانات من أجل التقرير، قائلا إن: "بشار الأسد عندما استعاد السيطرة على سوريا استولى على العديد من المنازل، وربط عودة السوريين بسلسلة من القوانين التي تشكك في حقهم بالملكية، حيث يلزمهم بتقديم الأوراق التي غالبا ما تكون ضاعت خلال 10 سنوات من الحرب الأهلية".

قانون الأحوال المدنية الجديد:

وفي خطوة جديدة، أقر برلمان الأسد مشروع قانون الأحوال المدنية الجديد ليحل محل المرسوم التشريعي رقم /26/ لعام 2007 وتعديلاته، والذي يعتمد على قاعدة بيانات إلكترونية، مهمتها وفقا لوسائل إعلام النظام هي ربط "جميع المحافظات ببعضها، ما يسهم في تقديم الخدمات وتبسيط الإجراءات وتخفيف المعاناة والتكاليف عن كاهل المواطنين وتقليص الأخطاء البشرية في الشؤون المدنية" وفق تعبيرها.

تركّزت ردود الفعل على أن هذا قد يكون خطوة على طريق تجريد السوريين النازحين إلى خارج مناطق سيطرة النظام واللاجئين في الدول الأخرى من جنسيتهم

وركّزت ردود الفعل الناقدة على المواد التي توجب حصول كل مواطن سوري، ذكراً أو أنثى، على البطاقة الشخصية عند إتمامه الرابعة عشرة من العمر، ووجوب تجديد هذه البطاقة كل عشر سنوات، ولمن يكتسب الجنسية السورية حق الحصول على البطاقة الأسرية..

وتركّزت ردود الفعل على أن هذا قد يكون خطوة على طريق تجريد السوريين النازحين إلى خارج مناطق سيطرة النظام واللاجئين في الدول الأخرى من جنسيتهم. وذلك لعجزهم عملياً عن استخراج البطاقات الشخصية الجديدة وعدم تسجيلهم وقائعهم في سجلات الأحوال المدنية التي ستصبح "سجلا إلكترونيا مركزيا"!

ولكن هل هذه هي النقطة الأخطر في مشروع تعديل قانون الأحوال المدنية؟ وهل تقتصر أهدافه على هذا؟

إن مسألة تنظيم الحصول على البطاقة الشخصية وتجديدها ليست مسألة جديدة، فالقانون النافذ قبل التعديل ينظّم هذه المسألة بشكل مشابه، والدولة غير قادرة عملياً على إعادة تجديد البطاقات الشخصية كل عشر سنوات، فهي لم تتمكن من ذلك خلال السنوات التي سبقت الثورة، وهي اليوم أكثر عجزاً عن توفير مستلزمات هذه العملية، وهذا ما دفع وزير داخلية النظام إلى تأكيد أن تجديد البطاقات سيرتبط بصدور النماذج الجديدة وليس مجرد مضي عشرة سنوات على صدورها، وستبقى البطاقات سارية المفعول رغم مضي السنوات المحددة ما لم تصدر هذه النماذج. وقد مهد القانون الجديد نفسه لهذه الحالة: "ويجوز تمديد سريان البطاقة لظروف وأسباب قاهرة بموجب قرار من وزير الداخلية".

القانون الجديد في خدمة التغيير الديمغرافي:

إن المسألة الأخطر في هذا القانون، والتي تجاهلتها وسائل إعلام النظام، وفاتت الكثير من المراقبين، هي ما ورد في الجلسة الخامسة عشرة من الدورة العادية الثانية للدور التشريعي الثالث التي عقدها برلمان الأسد بتاريخ 18 شباط/فبراير 2021 وجاء فيها: "ووافق المجلس بالأكثرية على المواد من /5/ وحتى المادة /34/من مشروع القانون المذكور ووفقاً للمادة /5/ يستند نظام السجل المدني لعدد من الأمور منها /إلزامية تسجيل المواطن لجميع الواقعات التي تطرأ على حالته المدنية أو عنوانه إضافة لإدخال القيود والواقعات ومثبتات تحقيق الشخصية وتخزينها واستخراج بيانات عنها وإصدار الوثائق الخاصة بها وفق ما ورد في أمانة سوريا الواحدة/ .

في حين تبيّن المادتان /6/و/7/ أن للقيود المدنية المسجلة في السجل المدني قوة الإثبات القانونية وتعد مصدراً للإحصاءات السكانية بأشكالها المختلفة..

إن إلزام المواطنين بتسجيل عناوينهم الحالية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أغلبية السوريين التي طرأ على عناوينهم تغيير ناجم عن حالة النزوح الداخلي هم من طيف سوري معيّن، استهدفه النظام بقصفه وترويعه، حيث هجر هؤلاء مناطقهم التي استقر فيها سكان جدد من طوائف أخرى أو من ميليشيات إيران وعائلاتهم ممن اكتسبوا الجنسية السورية خلال هذه السنوات أو تمّ تسجيلهم في قيود السجل المدني السوري على أنهم سوريون مكتومو القيد.

وبالتالي فإنه ستكون للعناوين الجديدة، الناجمة عن التهجير والتوطين، "قوة الإثبات القانونية" وسوف "تعدّ مصدرا للإحصاءات السكانية بأشكالها المختلفة" وفقا لما ورد في التعديل. 

هذا القانون سوف يدفن قيود الأحوال المدنية لأولئك الضحايا والمعتقلين والمغيّبين قسرياً

إن هذا الإجراء سوف يسهم بشكل من الأشكال في خدمة محدودة لعملية الانتخابات الرئاسية التي يرمي الأسد من خلالها لتكريس نفسه رئيساً مرة أخرى، على أنقاض البلاد، لسنوات سبع رابعة.

ولكن الأمور الأكثر أهمية؛ أن هذا القانون سوف يدفن قيود الأحوال المدنية لأولئك الضحايا والمعتقلين والمغيّبين قسرياً، الذين لن يُسمح -على الأغلب- لأقاربهم بتجديد البيانات نيابة عنهم، وسوف يتم تسجيلهم كمتوفين من جراء فقدهم في ظروف عالية الخطورة لسنوات تزيد على أربع، وسيكون مساهمة جديدة وخطيرة في إدماج قيود المجنسين والمسجلين حديثاً، على طريق تكريس التغيير الديمغرافي وإعادة الهندسة السكانية ورسم التركيبة السكانية الجديدة وفقا للعنوان المفروض بقوة السلاح، وليس وفقا لرقم القيد، فرقم القيد يربط بشكل من الأشكال كل أسرة سورية بمكان نشأتها ونسبها والمنطقة التي تقع فيها مساكن الأجداد والآباء والأبناء.