أحمد جبريل بين مصائد الخبز ومصائد النعوات

تاريخ النشر: 10.07.2021 | 06:08 دمشق

تم الإعلان يوم الأربعاء الموافق 7 من تموز/يوليو 2021 عن موت أحمد جبريل، أمين عام "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة" عن عمر يناهز 83 عاماً، ضمن رحلة طويلة سادتها التناقضات، حيث اشتهر بموقفه الرافض للتسوية مع الاحتلال الإسرائيلي وكان هذا الموقف سبباً مباشراً في خلافاته مع قيادات منظمة التحرير التي جنحت لتوقيع اتفاقيات السلام مع الاحتلال.

تلاحقت بعد انتشار الخبر النعوات من القيادات الفلسطينية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي والتعليقات على رحيل أحمد جبريل، فجاء في بيان الجبهة الشعبية: "ننعى إلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى أحرار العالم وجماهير شعبنا البطل في فلسطين المجاهد الأمين العام أحمد جبريل أبو جهاد، الذي أفنى عمره في خدمة فلسطين والجبهة وبقي على عهده وقسمه".

من المعلوم أن أحمد جبريل ولد عام 1938 في قرية يازور الفلسطينية قضاء مدينة يافا، والمهجرة إبان نكبة قيام دولة إسرائيل عام 1948، على أرض فلسطين المحتلة، وقد منحت أسرته الجنسية السورية، لأن أمه سورية ووالده فلسطيني.

عاش حتى سن العاشرة في قرية يازور، ثم هاجر هو وعائلته بعد أحداث النكبة، ودرس المرحلة الثانوية في دمشق، ثم التحق بالكلية الحربية في القاهرة وتخرج فيها عام 1959، بعدها عمل ملازما ثم ضابطاً في سلاح الهندسة بالجيش السوري حتى تم تسريحه منه عام 1963.

أسس جبريل جبهة التحرير الفلسطينية عام 1959 لتأثره المباشر بجبهة التحرير الجزائرية التي قاتل في صفوفها الاستعمار الفرنسي، واتحدت جبهته مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في عام 1965، لكن الاتحاد انفك بشكل سريع، وأسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967، ولم يستمر طويلاً في تلك التجربة فانفصل عنها مشكلاً "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين_القيادة العامة"، في العام 1968 كحركة قومية يسارية أصبح أمينها العام لمدة 53 عاماً حتى وفاته.

شكلت سيرة أحمد جبريل سمة تحالفه الاستراتيجي مع سوريا وإيران، وصراعه مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، أما بالنسبة لعلاقته مع النظام السوري فقد مرت بعدة مراحل فمن خدمته في جيش سوريا إلى الالقاء به في سجونها في الأعوام 1962، 1964، 1966. في عام 1993 غادر لبنان عائداً إلى سوريا، ثم انتقل إلى إيران عام 1996، ثم عاد إلى سوريا عام 2002، واشتهر بصدامه المسلح مع منظمة التحرير في لبنان منذ 1983 حتى 1985، تعرض لمحاولات اغتيال عديدة من قبل لبنانيين وفلسطينيين وعرب والمخابرات الإسرائيلية، وفي العام 2002 اغتال الاحتلال الإسرائيلي نجله جهاد قائد الجناح العسكري للجبهة.

اللافت في تجربة جبريل أنه منذ عام 2011 انحاز إلى صف النظام الديكتاتوري السوري ضد الثورة الشعبية، ولم يقف انحيازه عند التصريح بذلك وإنما تعداه لمشاركة جبهته في القتال ضد فصائل الثورة السورية، لم يقاتل أحمد جبريل في صفوف النظام فقط، فالمخيمات الفلسطينية التي كانت ساحة لجرائمه لم يكن فيها مسلح واحد يهدد النظام قبل عام 2012، حاول جبريل كسر إرادة سكان المخيمات الفلسطينية بفرض العقاب الجماعي عليهم لعدم تبنيهم موقفه نفسه من نظام الأسد، وعانى مخيم اليرموك من بطش فصائله المسلحة فانتفضوا في وجه تنظيمه يوم 7 من حزيران/يونيو عام 2011، فأحرقوا مقراته، وطردوه دون أن يحملوا أي قطعة سلاح حينذاك.

من أفدح الجرائم التي ارتكبها هو وميليشياته المقاتلة، مصيدة كيس الخبز، حيث كانوا يعلقون كيس الخبز على إحدى مناطق الحصار في مخيم اليرموك، حتى إذا وصل إليها أحد المدنيين قاموا بقنصه، وتسببت أعماله في حصار مخيم اليرموك هو وميليشياته بقتل أكثر من مئتي لاجيء فلسطيني جوعاً، ما بين العامين 2013 و 2014، حتى اضطر هذا الحصار سكان مخيم اليرموك لأكل لحوم القطط والكلاب وأوراق الشجر بسبب الحصار الطويل للمخيم.

لم يقف تاريخ جرائم أحمد جبريل عند جرائم الحرب تلك، وهو الأجير المخلص لبشار الأسد ومقترف أفظع الجرائم هو وميليشياته بحق عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مخيمات سوريا، كذلك السوريين الذين قتلهم بالحصار والتجويع في مخيمات سوريا. وفي هذا الصدد لا يجدي إنكار ما اقترفه من فظائع سواء وهو حي أو وهو ميّت من نفي حدوث تلك الجرائم التي ما زال الشهود العيان عليها من ضحايا التهجير يقدمون شهاداتهم الحية عما اقترفته ميليشياته.

مثلت النعوات التي خرجت من طرف القيادات الفلسطينية مؤشرا جديدا على عمق الأزمة الأخلاقية التي تعايشها تلك القيادات، والتي تصر على الاصطفاف إلى جانب أنظمة القمع والتسلط العربية وإلى جانب كل أجير لها، فالحديث عن شخصية قيادية وطنية لم تتخلف عن الوعد والمسار عند الحديث عن جبريل أمر يستدعي الوقوف عنده مطولاً بالذات أن مسار جبريل الذي انحرف نحو أن يكون جندياً أجيراً في ميليشيات تحارب لصف الديكتاتور، لا يختلف كثيراً عن مسارات القيادات الفلسطينية التي نعته من رام الله وغيرها من أماكن، في أعقاب موجة القمع والاعتقالات السياسية التي خاضتها تلك القيادات تجاه حالة الغضب الشعبي الفلسطيني التي فجرتها الانتهاكات والتصفية الجسدية لمعارض سياسي للسلطة.

فالقيادة الفلسطينية في رام الله أثبتت خلال هذه الفترة وعلى أرض الواقع تقاطعها مع النظام السوري في إدارة الملفات الداخلية بالقمع والعنف وإطلاق يد الأجهزة الأمنية في الاعتداء على المتظاهرين والمحتجين، وحملات الاعتقالات السياسية في صفوف المعارضين والاعتداء عليهم وتعذيبهم، وبذلك تعد المواقف السياسية التي تعبر عنها القيادات الفلسطينية لا تغادر معسكر الأنظمة القمعية العربية التي استعار منها رجال السلطة أدواتها الديكتاتورية والقمعية كما أثبتت الأحداث الأخيرة.

أما ما يستدعي الحديث فيه فهو من نعى أحمد جبريل من الشباب المتحمس الذي خاض معظمهم معركة من الاحتجاج والتظاهر في ساحات رام الله وغيرها اعتراضاً على قمع وعنف السلطة تجاه معارضيها، وهنا استدعي التساؤل عن ازدواجية المعايير في إدانة المجرمين، وهل ينطلق هؤلاء من منطلق عنصري قطري يعلي من شأن معاناته ويحقر من معاناة الآخرين من الجنسيات والأقطار المختلفة، ألا يستطيع هؤلاء تشكيل موقف واضح وصريح من جرائم تلك الشخصيات سواء منهم من كان على قيد الحياة أو من مات منهم؟ وكيف تصبح عبارات متداولة بمنزلة مخدر للمنطق النقدي عند من يحارب الفساد والاحتلال على جبهته الداخلية ويناصر في الوقت نفسه قمع وظلم شخص أو نظام مجرم؟

هل تم تخدير العقل النقدي بفعل التشوهات المتعمدة التي ألحقتها القيادات الفلسطينية بالقضية الفلسطينية بفعل الانقسام الداخلي مرة والمواقف المعتلة أخلاقياً من مثل مؤازرة نظام الأسد القمعي مرات؟ تداول عبارات مثل الميت لا يجوز عليه سوى الرحمة، أو أفضى إلى ما قدّم، أو له ما له وعليه ما عليه، تحمل تعسفاً خطيراً ومؤشراً على بلادة الحس الإنساني بمعاناة آلالاف الضحايا من ضحايا مجرم حرب كأحمد جبريل، كذلك تعد تلك الكلمات جزءا من الميراث الشعبي أو الديني الذي يدفع الناس للتغاضي عن عيوب الشخصيات في العمل العام أو الطغاة أو الجبابرة الذين يبطشون في المجتمعات، من أجل تكريس ثقافة الهزيمة والانكسار أمام استعراض القوة الغاشمة، ومن الأولى أن يتم التطرق لانتهاكات وجرائم تلك الشخصيات سواء في حياتهم من أجل جلبهم للعدالة الدولية وفي مماتهم من أجل إدانة واستنكار أفعالهم التي شكلت خروجاً صارخاً عن مسارات معاداة القمع والاحتلال والتسلط.

خروج أحمد جبريل عن العمل الوطني الفلسطيني وإطلاقه يد ميليشياته لتقتل في فلسطينيي المخيمات كذلك في صفوف السوريين هو بمنزلة انتهاك معمق للحقوق السورية والفلسطينية في الثورة والتخلص من سطوة الاستبداد والاحتلال،  فالاستعلاء على دماء السوريين والفلسطينيين التي سالت في سبيل ذلك هو اعتداء على أقدس حقوق الإنسان وهو حقه في الحياة حراً، وإهمال الحديث في آلالاف الضحايا واستذكار المعاناة التي تسبب جبريل وميليشياته لهم بها في كل مناسبة سواء بموته أو خارج موته هو محض تطبيع لتلك الجرائم، وكأنها هامش بسيط في مسيرته الكفاحية، في الوقت الذي شكلت فيه تلك الحقبة فرزا كبيرا ومهما لمسارات تلك الشخصيات والقيادات، واختيارها بكل إمكاناتها الاصطفاف مع الديكتاتور هو سبب كافٍ لنزع صفة النضال الوطني عنها لأنها جاهرت بقوة السلاح في الاصطفاف لجانب قوة البطش على قوة الحق وهذا ما لا ينسجم مع سمات من يطالب بالتحرر من الاحتلال الإسرائيلي وكل قمع وتسلط.

"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي