أجيال مهاجِرة في عين العاصفة!

أجيال مهاجِرة في عين العاصفة!

الصورة
لاجئون سوريون في طريقهم إلى النمسا (رويترز)
05 شباط 2019

جاسم الشمري

كاتب وباحث عراقي

سبق وأن كتبت أكثر من مقال عن موضوع المهجّرين، أو اللّاجِئين العراقيّين في الخارج، وقد أشرت في بعضها إلى أنّ التهجير مؤامرة كبيرة على الأمة العربيّة، إلّا أنّ تزاحم الأحداث وتسارعها في العراق بعد الاحتلال الأميركيّ وبعد الفلتان الأمنيّ، وبروز القوى الإرهابيّة في الشارع العراقيّ – ربّما- لم تدع مجالاً للقراءة الصحيحة، أو التقبّل المجتمعيّ لمثل هذه الأفكار.

قبل أيّام كان لي اتصال هاتفيّ مع أحد الأصدقاء في إحدى الدول الأوربيّة، وقد تناقشنا طويلاً حول قضية الانتماء الوطنيّ لأبناء المهجّرين إلى أوطانهم الأصليّة، وقد ذكر كلمة أكّد فيها أنّ " أولادنا ليس لهم صلة في العراق"! هذه الكلمة في الواقع كلمة دقيقة.

العوائل المهاجرة في الغالب تتألف من الآباء والأمّهات والأولاد!

الحديث عن العيش في دول أجنبيّة يربطه كثيرون بموضوع التربية الأسريّة، وهناك من يقول إنّ التربية هي التي تؤثر في هذا المجال

وهذا يعني أنّ معدّل ما تبقّى من أعمار الآباء والأمّهات - والأعمار بيد الله- ما بين 20- 30 عاماً، ثمّ ما هو مصير الأولاد، أو بقيّة العائلة التي استقرت في الغرب، وغالبيّتهم سيحصلون على الجنسيّة الأميركيّة والأوروبيّة؟

بعض المهاجرين قالوا إنّهم - وبمجرد حصولهم على الجنسيّة الأجنبيّة- سيعودون إلى العراق، أو البلدان المجاورة، ولكن الأيّام أثبتت أنّ – غالبيّتهم- وبعد أكثر من أربع سنوات من حصولهم على الجنسيّة الجديدة لم يفكروا حتّى في زيارة وطنهم!

بعض الأصدقاء أكّدوا أنّ أولادهم يرفضون العودة إلى العراق، وأنّ بعضهم قد أرجعهم (حدث مع أحد الأصدقاء) إلى العراق بطريقة غير مباشرة، بل بخدعة كبيرة - وبالذات مع ابنته التي لم يكن راضياً عن بعض تصرّفاتها- ولازالوا هناك!

الحديث عن العيش في دول أجنبيّة يربطه كثيرون بموضوع التربية الأسريّة، وهناك من يقول إنّ التربية هي التي تؤثر في هذا المجال!

وهنا لا نريد أن نتكلم عن موضوع التربية والانجرار الفرديّ، أو العائليّ مع المجتمعات الجديدة لأنّ من المسلمات المعلومة بحكم الواقع والتجربة وحتّى العلوم الاجتماعيّة أنّ المجتمعات تؤثر على الفرد، وبالتالي تبقى درجة هذا التأثير مختلفة بين شخص وآخر لكنّها بالمجمل تؤثر على طباع وأخلاق الأجيال المهاجرة.

التربية الجديدة في المجتمعات الجديدة تختلف تماماً عن الأوضاع في بلداننا، وربّما، أشير هنا إلى لقاء سابق مع أستاذة عراقيّة فاضلة في إحدى الدول الأوربّيّة الكبيرة حينما تحدّثت معها حول موضوع الانجراف المجتمعيّ للمهاجرين في المجتمعات الجديدة، قالت لي بالحرف الواحد: ( إنّ ابني يخرج منذ الصباح الباكر إلى المدرسة، ويعود في المساء، وبعد أن يتناول الغداء ويتمّ واجباته المدرسيّة يذهب إلى فراشه مباشرة، ولا أدري مع منْ يختلط في المدرسة؟ وماذا يتعلّم بالتفصيل التام، وماذا يتعلّم من أصدقائه؟

وتقول كلّ من يقول إنّني أربّي أولاديّ تربية صحيحة ولا أخاف عليهم من المجتمع، فهذا كلام غير صحيح!

ربّما هذا الكلام فيه نوع من التهويل لأنّ هنالك في الغرب جاليات معتبرة ومحترمة ويمكن الاختلاط معها والاستفادة من تجاربها في الحفاظ على خصوصيّات العوائل المهاجرة للمحافظة على القيم والمبادئ التي لا تتصادم مع البيئة التي خرجوا منها!

وهل سيبقى السوريّ ينتمي إلى سوريا؟ وهكذا بقية البلدان، هل يبقى أبناؤها ينتمون إلى بلدانهم التي هاجروا منها، أم لا؟

حديثنا عن تأثّر المهاجرين بالبلدان التي هاجروا إليها مقدّمة لقضيّة دقيقة وهي قضيّة انتماء أولاد المهاجرين لبلدانهم الأصليّة التي هاجروا منها!

هل أبناؤهم سيبقون على انتمائهم الوطنيّ كما نحن، أم أنهم سيتغيّرون؟

هل سيبقى العراقيّ ينتمي إلى العراق؟

وهل سيبقى السوريّ ينتمي إلى سوريا؟ وهكذا بقية البلدان، هل يبقى أبناؤها ينتمون إلى بلدانهم التي هاجروا منها، أم لا؟

في تصوّري الخاصّ - وأرجو أن أكون مخطئاً- أنّه في الغالب العامّ لن يكون انتماؤهم لبلدانهم سواء من العراقيّين أو السوريّين أو من غيرهم كما هو انتماء الآباء لبلدانهم؛ وذلك لأنّ هذا الجيل الجديد سيتربّى رغماً عنه - وبالذات صغار السنّ- على عادات وتقاليد غير مألوفة بمجتمعاتنا، بل هي خاصّة بالمجتمعات التي هاجرو إليها!

الجيل الجديد المهاجر سيجد بوناً شاسعاً في الحياة والخدمات والرعاية بين الدول الأجنبيّة ودولنا، وعليه سينظرون للقضيّة من باب الحفاظ على هذه " المكاسب الآنية" ولهذا سنجد جيلاً مستعداً للذوبان في المجتمعات الجديدة للمحافظة على مكاسبه الشخصيّة المتنوّعة!

الجيل الجديد المهاجر سيجد بوناً شاسعاً في الحياة والخدمات والرعاية بين الدول الأجنبيّة ودولنا، وعليه سينظرون للقضيّة من باب الحفاظ على هذه " المكاسب الآنية"

أظن أنّ القضيّة بحاجة إلى أن نسترعي انتباهنا، أو تتطلّب وقفة حقيقيّة من القوى الفاعلة في المشهد الاجتماعيّ – وربّما- من المجامع العلميّة والهيئات الدينيّة والمنظّمات الإنسانيّة التي ينبغي عليها إيجاد سبل عمليّة وعلميّة لبقاء روح الترابط بين الأجيال المهاجرة وبلدانهم.

ومن بين الحلول المقترحة لعلاج هذه الظاهرة:

- حملة وطنيّة تنفّذها القوى الفاعلة في البلدان التي ابتليت بآفة التهجير؛ للتّنبيه على ضرورة التلاحم بين أبناء الجاليات العربيّة وأوطانهم، وأنّ قيمة الأوطان لا تقارن بكلّ المكاسب الآنيّة.

- مساهمة وسائل الإعلام في التوعية الشعبيّة بخطورة هذه الآفة الساحقة للأجيال المهاجرة عبر البرامج الحواريّة والمسلسلات والأناشيد لربط الأجيال المهاجرة بأوطانهم.

- فتح أبواب التعاون مع المجامع الفقهيّة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ في أوروبا لنشر ثقافة العودة للوطن في الوقت المناسب.

تربية الانتماء للوطن ينبغي أن تعطى للأبناء من قبل ذويهم تماماً مثل الأخلاق والغذاء والدواء، وإلّا فإنّ المؤامرة كبيرة وربّما سنجد أنفسنا أمام أجيال لا تنتمي للوطن لا من قريب، ولا من بعيد!

 

شارك برأيك