أبو فستوك يفتك بالأديب الرجعي

أبو فستوك يفتك بالأديب الرجعي

الصورة
hryt-altbyr-fy-alraq.jpg
09 كانون الأول 2019

يقودنا الحديثُ عن المخبر الإدلبي الشهير أبي فستوك إلى البحث في الشبهات الأمنية المتعارف عليها لدى التركيبة المخابراتية التي أسسها نظامُ حافظ الأسد وأَهَّلَهَا لتمسك سوريا بقبضة من حديد، والآلياتِ التي يسعى المخبرون إلى سَوْقِ الناس الأبرياء إلى السجون والمعتقلات بموجبها.

تتطيرُ التركيبةُ المخابراتية السورية من نوعين رئيسيين من المواطنين السوريين، هما: اليميني واليساري. ولهذين التصنيفين الرئيسيين تفرعاتٌ كثيرة؛ فالشخص الذي يوضع في خانة "اليميني" هو نفسه الذي يقال له "الرجعي"، وفي معرض توصيفه يمكنُ أن يقال إنه عضو سري في جماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت بموجب القانون 49 لعام 1980 محظورةً (على القَتْل)، أي أن مَن تثبت عليه التهمة يُعْدَمُ دون محاكمة أو أخذٍ وردّ.. ويمكن أن يكون متعاطفاً مع الإخوان المسلمين ولكنه لا يبوح بذلك لأحد، وهذا يجعله موضع شبهة وريبة، ويمكن أن يُعْتَبَرَ حاضنةً شعبية نائمة للإخوان والحركات الجهادية التي يفقسونها، ويمثل هذه الفئةَ الأخيرة الأشخاصُ الذين يُضْبَطُون وهم صائمون في رمضان، أو يؤدون إحدى الصلوات في الدوائر الحكومية، أو في الجيش، أو في المدارس، أو في الجامعات..

وأما "اليساري/ التقدمي" فلا يقل وضعُه خطورة عن وضع "اليميني"، فقد يكون من حزب العمل الذي اعتبره الأسدُ الأبُ من أخطر مناوئيه، وألقى بعناصره في غياهب السجون لسنوات طويلة، أو من جماعة رياض الترك "المكتب السياسي للحزب الشيوعي"، أو أن يكون شيوعياً من أحزاب الجبهة، وهذا، أيضاً، له تصنيف متدرج، فإذا كان من الجناح البكداشي، يُصَنَّفُ ضمن خانة "الجنحة"، ولا يندر أن تسمع مخبراً أو رفيقاً بعثياً يقول لرفيقه: (اتركه، هادا العينتين بكداشي من جماعتنا)! وإذا كان من جماعة يوسف فيصل فيمكن أن يكون وضعه مُريباً، لأن الفيصليين يتجرؤون أحياناً وينوهون بـ الديمقراطية، وبعضهم يأخذها على محمل الجد، والديمقراطية، في عرف نظام الأسد، هي خَرَّابَةُ الأنظمة والدول والبيوت العامرة.. وهناك الماركسي غير المنتسب إلى أي من الأحزاب، وهذا مشبوه جداً، وذو وضع مريب جداً، ومحير جداً، لذا يكثر السؤال عنه، واستدعاؤه، واستجوابُه.. وبعد تَسَلُّمِ الوريث القاصر بشار الأسد زمامَ الأمور في سوريا، أضيفت أسماءٌ جديدة إلى قائمة المشبوهين، تتضمن الموقعين على بيان الـ 99، وبيان إحياء المجتمع المدني 2001.

يُعْتَبَرُ أبو فستوك، إذا ما قيس بالمُخْبِرين في كل أنحاء العالم، رجلاً محظوظاً، لأن والدته أنجبته في سوريا أيام حكم الأسد، حيث الغنائم كثيرة والصيد وفير.. الدستور معطل، والقانون لا يساوي خلال البيع والشراء قشرةَ بصلة

يُعْتَبَرُ أبو فستوك، إذا ما قيس بالمُخْبِرين في كل أنحاء العالم، رجلاً محظوظاً، لأن والدته أنجبته في سوريا أيام حكم الأسد، حيث الغنائم كثيرة والصيد وفير.. الدستور معطل، والقانون لا يساوي خلال البيع والشراء قشرةَ بصلة، والأخلاق الحميدة يا لا لا لِّي أمان، والشعب خائف و"مَضْبُوع"، لأن قانون الطوارئ ساري المفعول منذ سنة 1963، ومحاكم أمن الدولة تحرثُ الشعب السوري حراثة، وبإمكان رئيسها سيء الذكر فايز النوري أن يعدم مَنْ يشاء وقتما يشاء على طريقة ملوك العربان الذين كان لديهم يوم سعد ويوم نحس، فإذا حضر أمامه متهم ما في يوم سعده ورواقه قد يكتفي بسجنه خمس سنوات في تدمر! وأما في يوم نحسه فلا تستغربنَّ أن يجمع المتهمين في الساحة، ويجري بينهم قرعة، بـ "الطُرَّة والنقش"، الطرة إعدام، والنقش مؤبد في تدمر!

وصحيح أن لقمة أبي فستوك -كما يقولون في الكلام الدارج- صغيرة، ونحن الأدباء الذين يكتب بنا تقاريره جبناء، ورعاديد، نمشي بجوار الحائط، ونتلفت يميناً ويساراً وإلى الوراء والأعلى مثل كشاشي الحمام، ولكنه لا يمكن أن يمر على أبي فستوك يوم دون أن يواتيه الحظ ويخرج بصيد ثمينٍ، أديبٍ درويشٍ، معثر، يكتب به تقريراً مُطَعَّمَاً على شرشف (كما كان يكتب أستاذنا الراحل حسيب كيالي)، فيبطحه أرضاً، ويجرجره إلى الأمن العسكري حيث ينقعونه ساعات طوالاً في مكتب الاستعلامات، والممرات، وغرف الانتظار التي يتناهى إليها صوت صراخ المعتقلين، دواليك حتى يفرغ "المعلم" من أشغاله، ليسأله بضعة أسئلة سخيفة، ثم (يصفقُهُ) بمحاضرة طويلة عن الصمود، والتصدي، واللُحمة الوطنية، وضرورة الالتفاف حول قائد المسيرة، وينصحه، نصيحة أبوية مبطنةً بالتهديد، بضرورة أن يقعد عاقلاً، لا يحر، ولا يلوص، ولا يلعب بذيله، لأن المرحلة صعبة، وحساسة، والصهيونية المدعومة من الإمبريالية العالمية متربصة بنا، والمتآمرون يتحينون الفرص للانقضاض علينا، وتحطيم صمودنا، فهل ترضاها، وأنت الأديب المؤدب المحترم أن يتكسر صمودنا على يدي أعدائنا؟

وقال له: أنا بعرضك يا أبا فستوك، ارحمني، برقبتي عيال.. فقال له أبو فستوك: عفوت عنك، ولكن إياك أن تلعب بذنبك معي، وتعمل لي "القاقة زاغة" أو "غَبَّرْتي كَلَّسْتي"..

(طبعاً لا نرضاها. وَلَوْ).

لا شك أن أبا فستوك إنسان سيء، ولكنني حدثتكم سابقاً عن جانب جميل في شخصيته، يتعلق بتوفر عنصر الطرافة لديه.. ففي ذات مرة وقع تحت يده أديب مسكين، رجعي، فاستوطى حائطه وصار يلعب به، على قولة المثال، "شَكَرْ بَكَرْ" ويشوطه في كل الاتجاهات، وكيفما تحرك يهدده بسجادة الصلاة التي ضبطه وهو يدرجُها ويضعها تحت إبطه، ثم يخبئها في درج المكتب المخصص للكتب الرسمية التي تأتي من القيادة الحكيمة، وأنه شم رائحة خَلُوفِ فَمِهِ في رمضان، وتأكد من أنه صائم.. دواليك حتى خَرْيَط الأديب (انهار من شدة الخوف)، وقال له: أنا بعرضك يا أبا فستوك، ارحمني، برقبتي عيال.. فقال له أبو فستوك: عفوت عنك، ولكن إياك أن تلعب بذنبك معي، وتعمل لي "القاقة زاغة" أو "غَبَّرْتي كَلَّسْتي"..

لم يلعب الأديب المسكين، بعد هذا التهديد الصريح، بذنبه، ولم يغبر ولم يكلس ولم يعمل القاقة زاغة، وصار إذا رأى أبا فستوك قادماً من بعد مئة متر يسوي هندامه، وينفض ثيابه مما قد يكون إنما علق بها، ويوقف شفتيه عن التسبيح، ويحييه بأجمل ما تكون التحية الرفاقية.. ولكن الإنسان الحَذِرَ لا يؤتى إلا من مأمنه، ففي ذات يوم كتب ذلكم الأديب الرجعي مجموعة من الأشعار، وذهب بها إلى الشام وحصل على موفقة اتحاد الكتاب العرب ووزارة الإعلام أصولاً، وطبعها وأنزلها إلى الأسواق، وصار، بعد طباعتها، يمشي الهوينى مثلما يمشي الوجي الوَحِلُ، غير مبال ولا هياب.. وفي يوم من الأيام، (هوبَّا)، وإذ تأتيه تبليغة رسمية بمراجعة فرع الأمن العسكري بمدينة حمص.. نعم، حمص، حمص.. لا يوجد هنا خطأ مطبعي..   

وكان استدعاؤه إلى حمص يمثل جانب الطرافة الذي يتمتع به أبو فستوك في كتابة التقارير.. (وهذا ما سأحدثكم عنه الأسبوع القادم).   

شارك برأيك