icon
التغطية الحية

أبواب دمشق القديمة.. بطاقات شخصية للناس والمكان

2026.05.11 | 09:46 دمشق

آخر تحديث: 2026.05.12 | 15:43 دمشق

أبواب دمشق القديمة.. بطاقات شخصية للناس والمكان
بوابات حجرية لبعض الأحياء في دمشق (تلفزيون سوريا)
دمشق ـ زيد قطريب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أبواب دمشق القديمة ليست مجرد مداخل، بل هي رموز تاريخية وثقافية تحمل قصصاً من عصور ما قبل الميلاد، مثل زهرة البابونج وإله الشمس، مما يعكس التراث السوري عبر العصور.

- تواجه هذه الأبواب تحديات مثل الإهمال وعدم الترميم، وطمس النقوش التاريخية بسبب الطلاء الحديث، بالإضافة إلى إغلاق بعض الأبواب بسبب هجرة السكان أو خلافات الورثة.

- التغيرات الحديثة أثرت على هوية الأبواب، حيث ظهرت أبواب مصنوعة من مواد حديثة تسيء للرؤية البصرية، رغم وجود قوانين لحماية التراث، إلا أن تطبيقها ليس بالشدة المطلوبة.

تشير أحياناً إلى العبور. ومراتٍ تتولى مهمة الصدّ والانغلاق. ولأنَّ درفاتها تمتلك سجلاتٍ بأسماء الغزاة والمحبين وعابري السبيل، فهي قادرة على التمييز بين الأصابع عندما تطرق بحنيةٍ، والقبضات حين تدقّ بغضب.. هكذا تبدو أبواب المنازل في دمشق القديمة، سليلةً لأبوابها السبعة على امتداد السور.

لكن أحوال أبواب المنازل في الشام القديمة، تتبدل، فهناك أبواب تشير للقلق، وأخرى للاطمئنان، ومثلما هناك أبواب لم تغير هويتها المتوارثة، هناك أخرى قررت تبديل حلتها، لمواكبة العصر.

 أحد أبواب المنازل بدمشق القديمة مازال يحافظ على هويته (تلفزيون سوريا)
أحد أبواب المنازل بدمشق القديمة مازال يحافظ على هويته (تلفزيون سوريا)

 

مداخل حجرية متهالكة كانت أبواباً للحارات

يتكرر كثيراً في حارات دمشق القديمة، مشهد المداخل الحجرية المتهالكة، التي تؤدي لأحياء فيها عدة منازل يختص كل منها بباب منفصل. ومن شدة الإهمال وعدم الترميم، يظهر المدخل وكأنه معرض للانهيار بأية لحظة.

ويقول أحد السكان، إن المداخل المشتركة، تؤخر الترميم لأن القرار يتطلب مشاركة أهالي الحي بدفع التكاليف..

في هذا الجانب، تبدو المداخل التاريخية المشتركة للحارات القديمة، من أكثر البوابات تعرضاً للغبن. فرغم أهميتها، تبقى مستثناة من الترميم، لكنها تستقبل الداخلين بأذرع مفتوحة، بلا درفاتٍ خشبية أسوة بالأبواب الأخرى.

 الأبواب تتحول أحياناً إلى حائط مذكرات (تلفزيون سوريا)
الأبواب تتحول أحياناً إلى حائط مذكرات (تلفزيون سوريا)

 

الأبواب هوية المدينة وكاشفة أسرار حياة الناس

"بيبان" دمشق القديمة، تخرج عن قواعد الجمع في العربية، فهي تحمل رموزاً تصور عقائد السوريين منذ ما قبل الميلاد، مثل زهرة البابونج رمز آلهة الخصب عشتار. وإلى جانب إله الشمس في الحضارات القديمة، تظهر على جنباتها رموز أحدث عهداً، كأن تلك الأبواب تقدم ملخصاً للثقافة السورية عبر العصور.

لكن دمشق، الموجودة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979، لم تستطع المحافظة على نمط أبوابها القديمة، فراحت الأبواب المستحدثة تُصنع من مواد مختلفة ويتم فتحها باتجاه الشوارع، كيفما اتفق.

ورغم تشدد قانون الآثار، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 222 الصادر عام 1963، والقائل بعدم حق مالكي البيوت القديمة في "تغيير واجهاتها أو هندستها الداخلية الأساسية"، إلا أن تهجين أبواب المنازل في الشام القديمة، وتغيير هويتها، ينتشر بكثرة في الحارات.

بعض الأبواب القديمة تستغيث، بعدما قام أصحابها بطلائها حتى تبدو جديدة وحديثة، ما أدى لطمس نقوشها التاريخية، فظهرت كتلة صماء لا تعبر عن الماضي، وفي الوقت نفسه، لا تواكب الحاضر.

	باب قديم تم طلاؤه بشكل غير في هويته (تلفزيون سوريا)
باب قديم تم طلاؤه بشكل غير في هويته (تلفزيون سوريا)

 

الأبواب.. بطاقات شخصية للسكان

تختلف الانطباعات بتعدد الأبواب. فالأبواب المغلقة بـ"جنازير"، تظهر وكأنها وقعت بالأسر. فيتساءل المرء أين ذهب السكان؟ ولماذا هي مهجورة وموصدة بأقفال خارجية مربوطة بسلاسل حديدية صدئة وقديمة؟.

البطاقة الشخصية التي يحملها الباب، تؤكد أن أهله سافروا للخارج منذ زمن بعيد، أو إن العدد الكبير لورثة البيت، جعله مثار خلاف، فكان الحل بالإبقاء عليه هكذا، حتى يتم الاتفاق على البيع أو التأجير أو الاستثمار.

لكن مشكلة تهالك البيت، وصعوبة ترميمه وفق القواعد التي تفرضها القوانين، تظهر كعقبة إضافية، خاصة إذا كان عدد الورثة كبيراً. فيميل بعضهم للبيع، ولا يحظى الترميم بالإجماع المطلوب، لأن كل شخص يريد أن يأخذ حصته ليمضي إلى مشروع آخر، وهو ما يعني بقاء الباب مرهوناً للانتظار حتى تحدث المعجزة.

ويظهر احتفاظ الأبواب بهويتها التاريخية، دليلاً على طبيعة السكان الحريصين على تراث الأجداد. فأولئك لا يؤيدون تحديث الأبواب بشكل يفقدها هويتها. إذ غالباً ما تتم الصيانة بشكل يسمح للباب بمقاومة الزمن فقط، دون أن يخلع جلده ليرتدي حلة "البيبان" الحديثة.

تُرى، لماذا يغلب شكل اليد، على دقاقات بيوت الشام القديمة؟ هل هي علامة على الترحاب بالضيوف؟ أم هي بادرة "حسن نية"، تجاه الزوار والعابرين؟ لا شك أنها فأل خير، يقول أحد الأهالي، ويضيف بأسف: "لقد تعرض كثير من دقاقات البيوت للسرقة، نظراً لقيمتها التاريخية، وربما لأنها مصنوعة من النحاس حيث يقوم الجاهلون ببيعها لأن هذا المعدن مرتفع الثمن".

استناداً لأشكال أبواب الشام القديمة، يمكن تقسيم سكانها إلى شرائح، تبعاً لشكل الباب ولونه وقدمه ومجمل التعديلات التي طرأت عليه. فهناك أبواب تم فتحها حديثاً لا تمت للماضي بصلة. وإلى جانبها أبواب أخرى قديمة، خضعت للتحديث فصارت هجينة بين عصرين. أما ثالثها، فهو فئة الأبواب القديمة التي لم يبدلها الزمن أو اختلاف السكان وتعاقب الأجيال، وهي الفئة التي تحظى بحفاوة السياح وعدسات التصوير.

 

 باب في دمشق القديمة مغلق بجنزير وقفل (تلفزيون سوريا)
باب في دمشق القديمة مغلق بجنزير وقفل (تلفزيون سوريا)

أبواب حديدية صمّاء ليست من هوية الشام القديمة

ربما من أسوأ أبواب البيوت في الشام القديمة، تلك المصنوعة من "الصاج" الخالي من أية لمسات فنية. فهذا النوع لا يخرج عن هوية الأبواب السائدة في المنطقة وحسب، بل يسيء أيضاً للرؤيا البصرية، فتظهر تلك الأبواب نافرةً دخيلة لا تنتمي للمشهد العمراني الميّال لاعتماد الخشب والطين.

وبالعودة لقوانين حماية هوية الشام القديمة، يستغرب الزائر عدم تطبيقها بشدة على الأبواب، التي تعتبر واجهة المنزل وصاحبة الانطباع الأولي عما يحتويه البيت في الداخل؟.

يلتقط الزائر الأنفاس، ويتنفس الصعداء، عندما يرى نوافذ البيوت، وقد نجت من صاج الحديد المستخدم في صناعة الأبواب.. فالشبابيك لها مدلولاتها الرمزية التي لا تقل عن إسقاطات أبواب البيوت..

بعض أبواب بيوت الشام القديمة، تتحول إلى حائط مذكرات، مكتوب عليها تبليغات من دوائر الصحة والمياه والكهرباء، إلى جانب إعلانات عن الوفيات وورش البناء وعمال الصيانة.. لكن أكثر المذكرات أثراً، عباراتٌ كتبها الأطفال، من دون أن يعلموا أنهم يصنعون تعويذات تقاوم الزمن.