إذا طرقت بقوة على أي باب، فلا بد أن يستيقظ أحد!. هكذا يراهن أحد الفلاسفة على أثر الشدّة في دقّ الأبواب. لكن البوابات التي نزورها اليوم، تكاد تأخذ الضيوف بالأحضان. أبواب مزروعة بالأصابع والحكايا وقصص الأهل القديمة، التي يقول صاحب المنزل 182 في كفرسوسة، إنها أمانة في أعانقهم، ينقلونها من ذاكرة لأخرى!
لماذا حافظت على باب البيت، مع أنك جدّدت بعض الجدران؟ ويجيب: لأنه باب السعد، من هنا دخل جدي، وأبي، وأبنائي وجميع من أحبهم.. هذا الباب استقبل وودع آلاف المرات، وخلف درفته بنى الكلّ أحلامهم وشربوا مراراتهم، فكان ستراً وحمايةً.. من خلاله غادروا، فحملهم أبناؤهم على الأكتاف، عندما جفت مياههم في هذه الدنيا، لقد تلاشوا من هذا الباب أيضاً، مثلما وجدوا حياتهم من خلاله..
أبواب تشبه العدم والوجود، يسميها الناس في بعض المناطق، "أبواب الخوخة"، وهي مصنوعة من الخشب الملبس بطبقة من الصاج الرقيق، أما النابض الطويل المربوط بين الباب والحائط، فله قصة مختلفة، باعتباره المسؤول عن المحافظة على الإغلاق الدائم صوناً للخصوصية.
مع الوقت، أصبح الباب 182، في كفرسوسة – السوق، أشهر من نار على علم، وفي حين كان البناؤون يزودون المنازل ببوابات حديدية مزخرفة مع أقفال من كهرباء، كان باب "الخوخة" يدافع حتى آخر رمق عن "الدقاقة" ويعتبر نفسه حارساً للبيت.. يقول أبو محمد، إنه محمي بحرز وتاريخ طويل من المهابة، يكفي لبث الرهبة في قلوب المغرضين إذا ما حاولوا الدخول، فالأبواب تتحول مع تراكم الذكريات، إلى كائنٍ يتخطى الجماد. ألا تسمعه يئن عندما يروح ويجيء؟.
من كفرسوسة إلى سلمية.. أبواب تحرس حكايات البيوت
يتحدث أصحاب الأبواب القديمة، بشغف عن درفاتهم، وهم في الغالب أناس خاصون يعرفون قيمة "الدهب العتيق"، حتى إنهم يرفضون إصلاح أبوابهم القديمة بشكل يسيء لهويتها أو يجعلها تبدو هجينة لا حياة فيها.. قناعة تشبه شجرة الناننرج التي تكلل الباب 182 بكفرسوسة.. وهل يمكن إصلاح الأشجار أو تبديل هويتها؟ يتساءل أبو محمد بثقة!.
تزوج أبو محمد في المنزل الذي ولد فيه، وأنجب أبناءً لعبوا في أرض الديار، وخرجوا ثم دخلوا من باب "الخوخة" آلاف المرات، حتى إنه يؤكد، بأن بعضاً من رائحة أسلافهم تسللت، فأصبحت جزءاً من شخصياتهم، لهذا يسمي ذلك الباب بالبوابة المفتوحة على كل التداعيات التي يتصورها المرء!.
في بلدة سلمية، النائية عن الشام، يحكي الباب 31، قصةً بدرفتين متهالكتين لكن ثابتتين.. هنا منزل آل هابيل، ومن هذه البوابة العتيقة، مرت وجوهٌ وأعتابٌ، تعد ولا تحصى، وبالقرب من هنا، كان باب الخوخة الشهير لآل الجرعتلي، لكن البناء القديم تحول إلى طوابق، وتمت إحالة الباب إلى التقاعد..
يقول سكان الحيّ، إنهم شاخوا برفقة هذا الباب، حتى إنهم باتوا يعتبرونه فأل خير على السكان.. يقول ياسر: "عمري الآن 50 سنة، وقد قضيت طفولتي في هذا الشارع، حتى إنني أحفظ آثار الزمن على صاج الباب، كأنها بصمات لأصابع جميع من سكن في هذا البيت!.
نبش حكايا الأبواب، يفتح مرثيات المنازل القديمة، التي استبدلت أبوابها الأصلية، بذريعة التجديد، فلم تواكب الحداثة ولم تحافظ على التراث.. عملية تشبه خلع الجلد واستبداله بمساحيق التجميل. ومثلما تم تجريد بعض الأبواب من "دقاقتها" بعامل الاهتراء أو السرقة، خاصة في الشام القديمة، سُلبت بعض المنازل بواباتها، ولم يعرف الناس أنهم ينسفون ذاكرة كاملة بدعوى التغيير!.
يسخر صاحب المنزل 182، ممن يقوم باستبدال بابه، ويعتبره نكران وخيانة للخبز والملح.. "فالبيبان يصبح بينها وبين الناس خبز وملح مثل البشر"، يقول أبو محمد، ويضيف: هذا الباب وصيتي لأبنائي!.
خلال سنوات سابقة، تعرضت دقاقات الأبواب في الشام القديمة للسرقة والبيع، نظراً لقدمها وللنقوش الرمزية عليها، فتلك القطع المصنوعة غالباً من النحاس، كانت تحمل زهرة البابونج التي ترمز للربة عشتار، مع صورةٍ لإله الشمس، وقد قام المصور أنطون مزاوي بتوثيق جزء كبير منها قبل أن تفقده الذاكرة مع الزمن.
حكايات تشبه التراجيديا، تنفتح عليها الأبواب القديمة وهي تواجه اليوم خطراً محدقاً، يذكرنا بقول السياب: "البابُ ما قرعته غيرُ الريح في الليل العميق"، ليجيب الأخوان رحباني بصوت فيروز: "على باب منوقف تنودّع الغيّاب".. هذا بعضٌ مما تقوله الأبواب القديمة.. الأبواب التي خلفها مدن كاملة!.