"أبالي كثيرا" وكبريت الفرس

تاريخ النشر: 16.03.2021 | 05:50 دمشق

آخر تحديث: 16.03.2021 | 05:51 دمشق

إنَّ بضاعة الفيلم المذكور بضاعة مزجاة، وقد باع معها بائعها كبريت الفرس، كما كانت مؤسسات التموين السورية تبيع الزيت والسكر زمن الاشتراكية، وكان خبز الاشتراكية يباع مدهوناً بزيت التقدم. لم يعلّمنا حافظ الأسد الصيد، وإنما كانت غايته أن يمنَّ علينا بحصة من السمن والزيت، وربطنا بالمؤسسات الاستهلاكية، كان المقبور يحبُّ صور الطوابير، وجعل الرغيف مهدي الشعب السوري المنتظر، وكان يبيع مع السكر والزيت كبريت الفرس لعدم وجود الفكّة. وآخر بضاعة استبضعتها من مؤسساته التي انقرضت، وانقرضت معها اشتراكيته الكاذبة كانت علبة فاكستور ألزمني بها موظف المؤسسة. وكنت قد قَدِمت من أجل الحصول على حصتي كموظف من ثياب العمل، وهي جزمة وبدلة عمل مقاسها من مقاس الشبيحة، وكان ذلك في سنة 2010.

اسم الفيلم "أبالي كثيرًا"، ""I Care a Lot، يعرّفه غوغل هذا التعريف: فيلم إثارة أميركي من تأليف وإخراج ج. بلا كيسون. صنّفه غوغل كفلم إثارة وكوميديا سوداء، وهو ما أثار استغرابي، فَلَمْ يدر لي بخلد أمر الكوميديا سوداء أو بيضاء. ويعطيه موقع IMDB للسينما علامة 6.4، بينما أعطيته علامة فوق التسعة، فالتشويق فيه شديد، ولم أجد فيه أخطاء سردية ذات بال، فهي هنّات، منها أن "رومان لونيوف" يقول "لمارلا" بعد انتهاء الخصومة، وقد علمنا أنه يحبُّ أمّه: إنَّ أمّه لا تهمّه، ما يهمّه هو الألماس! ومارلا تقول بعد أن يهددها رومان بقتل أمّها: عجوز انتهى عمرها، فتفسد بعضًا من رسالة الفيلم الخيرية، وهنّة أخرى: هي أنّه يقرّر قتلها فورًا، وكان الأولى برئيس عصابة خسر ثروة أن يعذّبها تعذيبًا شديدًا حتّى تقرّ بمكان الألماس، لكنه يملُّ بسرعة، أمّا سبب كتابتي عنه، فهو أنه فيلم دارويني مثالي في داروينيته. يزيد في حدّة الداروينية كبريت الفرس الذي لا يشتعل الذي اترك للقارئ تقديره، ربما كان اسم "أكيد كيدًا" أفضل للفلم الذي تترجمه مواقع العرض بهذا الاسم: "يحسبونني أبالي"!

 السينما الأميركية تقود العالم، والساسة يتّخذون من أفلام هوليود خطط تنفيذ استعماري، لعلمكم، وأنتم تعلمون، لم أفتح حسابًا في البريد الإلكتروني حتّى كتبت اسم فيلمي المفضل، هذا شرط لفتح حساب: كتبت اسم فيلم لم يصنعه أحد: بلو بلو. وقبل "الخادوم" الإلكتروني بالاسم! الخادوم على وزن الفاعول، مثل القاطور، وهو أكبر أنواع التماسيح.

 ملّخص الفيلم: تحتال وصية شرعية، عيّنتها المحكمة الرسمية على عملائها من كبار السنّ، فتوقعهم في شرك رعايتها، وهي عبوديّة، وسلب ونهب… لكنّ ضحيّتها الأخيرة مختلفة، ليس كل مرة تسلم الجرّة.

فيلم تشويق ممتاز، القصة محبوكة، لقد شاهدت مئات الأفلام الأميركية، وشهدت أيضًا بداية ولادة البطل الشرير في السينما، حتى كبر وصار نجم السينما الأوحد، وشاهدت أفلام السايكو النفسية، والقتلة الذين يحبّون القتل من أجل المتعة، خذ مثال السايكو "الجوكر"، الذي استنفر الشرطة في أوروبا وأميركا قبل فيروس الكورونا، يقال: إنَّ الصناعة الأميركية التي أفسدت العالم وأمتعته -وفي الفساد متعة- تشترط رسالة أخلاقية في الفيلم، والقول فيه صحّة، وفيه فساد، ومعه علبة كبريت الفرس، وكنت أستعجل النهاية متسائلًا: كيف ستكون الرسالة، فليس في الفيلم أخيار، كلهم أشرار، عبرة الفيلم كأنها مفقودة، وفي الأفلام الناجحة طول قرن لابد من ذكر وأنثى متحابين، وتختم بقبلة النهاية السعيدة.

هناك شخصيتان في الفيلم يحبّان والدتيهما، ولم يدع لي الفيلم خيارًا، فالمحامية مجرمة ورئيس العصابة مجرم، لكنني أعرف جريمة المحامية، مارلا، ولا أعرف جرائم زعيم العصابة رومان نيلوفر. لذلك مالت عواطفي إلى المجرم القزم، ومحضت مارلا التي تحتال على الشيوخ بغضي. ثار في بعض دول أوروبا جدل كبير حول إهمال تلقيح الشيوخ بلقاح كورونا وتفضيلهم للشباب.

الفيلم سينمائي وليس أدبًا، والسينما لها منطقها، فالمحامية تنجو من محاولة القتل بما يشبه المعجزة، فقد قرر المخرج أن ينجيها من سيارة تغرق، وفي جيبها نقود، بل إنها تستدل على بيت زعيم العصابة وتتمكن منه، من غير أخطاء، العصابة لسبب جمالي وسينمائي لا تقتل صديقتها فران.

 مارلا انتصرت، لكن طمعها يدفعها للقبول بالتعادل والتنازل عن الفوز، وقد حاول كل واحد منهما قتل الآخر. ظننت أنّ الفيلم سيعلي من شأن تأنيث العالم، ناظرًا إلى المنتج وعقله وغايته، لكنهما يتفقان على نهب العالم كله، بالوصاية على الشيوخ. يمكن أن نتذكر الانتداب الاستعماري على بلادنا إن شئنا. أطلقت أوروبا اسم الرجل المريض على السلطنة العثمانية التي حكمت نصف العالم أو ثلثه. أوروبا حاليًا عجوز، وتركيا تستعيد الشباب أو ما يلوح في الأفق.

 طوال الفيلم وأنا حانق على المحامية وأرجو لها الهزيمة، وقد تحققت رغبتي أخيرًا، فهناك في الفيلم شخص اسمه فيلد ستروم يحبُّ والدته أيضا، وهذا مؤشر خير، فزعيم العصابة أيضًا يحبُّ أمّه، وقد خرج فيلد ستروم وحمل مسدسه ثم قتل المحامية.  ولم يشف غليلي، فقد قتلها برصاصة واحدة.

بطلي قاتل، لكنني راضٍ كما ترون. الحمد لله يا رب على النعم الأميركية الكثيرة. تقول مارلا التي صارت مليونيرة بالنصب والاحتيال وهي تموت، إنها استمتعت قليلًا، لا تظهر عليها مشاعر الندم لفقدانها حياتها، كأنّها شهيدة المال والحلم الأميركي، الحلم الأميركي أن تثرى، وهي في الفيلم تستغل ثغرات القانون، وهي تبيّن في حوار لها مع صديقتها أنَّ خصومها يقاتلونها بالمسدسات وليس بالقانون، ثم يتفقان في النهاية هي وخصمها القزم على غزو العالم بشركات رعاية الشيوخ والكهول، قد يخطر لمشاهد شرقي أن يصنّف الفيلم كقصّة من قصص كيد النساء، وقد كانت رسالته إنسانية وأخلاقية، فهي في الظاهر تعظّم العواطف الإنسانيّة، وتقدير الأمّهات، لكن هناك علبة كبريت فرس مع الفيلم، وكبريت الفرس لا يشتعل.

 بالنار بدأ التاريخ، كلاهما، رومان، وفيلد ستروم يقدران والدتيهما، هذه غاية حسنة نكبرها، لولا أنَّ الأفلام الأميركية تدسُّ سمًّا في العسل، السمّ غالبًا حلو المذاق، وتبيع مع كل بضاعة علبة من كبريت الفرس. لا بنين في الفيلم، البنون كبار، وعلب الكبريت تباع من غير زيت وسكر إلى اليمن ومصر، أميركا مثلًا هي التي تطعم المصريين خبزًا، لكنها لا تمنحهم إلا قمحًا عاقرًا، للأكل وليس للزراعة مثل مارلا وفران. العيدان في علبة كبريت الفرس، فاسدة، لا تشتعل، لِمَ كان النظام يبيع السوريين علب كبريت فاسدة، الجواب: لإنَّ النظام يخشى الفتنة، المال ليس زينة الحياة الدنيا، إنه معبود ورب.

أكبر صفقات تجارية في العالم هي صفقات الأسلحة، وأكثر زبائن شركاتها هم العرب الذين يتسلحون ويحاربون إخوتهم، معظمها فاسد، كان الغرب يبيع علب كبريت مع الحنطة والسكر، ثم صار يبيع العرب علب كبريت فقط، فاليمن تموت من الجوع أمام عيون العالم، وسوريا لا تذكر، الرئيس الأميركي الجديد يشفق على اليمن وربما يحبُّ أمه، لكنه لا يذكر سوريا، والكبريت جيد الاشتعال هذه المرة وغير مغشوش مثل الكبريت السوري.