"آنا أخماتوفا".. إعدام الأدب بقرار حزبي (2)

تاريخ النشر: 11.05.2021 | 06:57 دمشق

"لم أكن وحدي هناك، كنت مع بلدي كلّه الذي وقفَ في أرتال طويلة جداً أمام السجون" كتبت آنا أخماتوفا في مذكراتها، عندما كانت تصطف مع آخرين، في "طوابير" لساعات في الصقيع الروسي، على أبواب السجون الحجرية، كي توصل لابنها طرود الطعام.

ولدت "آنا غورينكو" في منطقة "أوديسا" بأوكرانيا عام 1889، واختارت لقبها الفني أخماتوفا الذي اشتهرت به، من اسم أحد أسلافها لجهة جدّتها وهو التتاري/الروسي "أحمد خان". امتلكت جمالاً آسراً، بحسب وصف معاصريها، ولا عجب، فقد رسمها الفنان الإيطالي موديلياني في أكثر من عشرين لوحة، في أثناء وجودها في باريس مطلع شبابها، بعد أن أصبحا صديقين مقربين. وباستثناء لوحة واحدة بقيت تعلّقها في غرفتها حتى وفاتها، فجميع تلك اللوحات ضاعت خلال الحرب التي أعقبت (الثورة البلشفية)، ثم في أثناء التنقل في سنوات الخوف. بعد التضييق عليها وعلى نشر شعرها عام 1925، انشغلت أخماتوفا بترجمة أعمال فيكتور هوغو وروبندرانات طاغور والشاعر الإيطالي جاكومو ليوباردي وغيرهم، كما واصلت كتابة المقالات، والعمل الأكاديمي والبحثي على أعمال شاعرها الأثير "بوشكين"، وكاتبها المفضل "دوستويفسكي"، إضافة لكتابة القصائد التي لن تنشر.

في كتابها "القدّاس الجنائزي" عكست أخماتوفا وضع بلادها من خلال قصص الكتاب المقدس

في عام 1993، بعد انهيار وتفكّك الاتحاد السوفييتي، تم الكشف أن السلطات قامت بالتنصت على شقة أخماتوفا، وأبقتها تحت المراقبة المستمرة واللصيقة، وقد تراكم في ملفّها أكثر من 900 صفحة ضمّت "تقارير المخبرين، تقارير التنصت على الهاتف، اقتباسات من كتاباتها، واعترافات عنها، أدلى بها مقربون". أخماتوفا كانت تشعر بكل ذلك، وهذا يفسّر رفضها عام 1962 استقبال "أشعيا برلين" الذي يكنّ لها أعظم التقدير، في منزلها، بعد طلبه زيارتها مرة أخرى. فقد كانت تخشى إعادة اعتقال ابنها بتهمة ارتباط أسرته بالفيلسوف الغربي المشتبه به إيديولوجياً.

في كتابها "القدّاس الجنائزي" عكست أخماتوفا وضع بلادها من خلال قصص الكتاب المقدس، من صلب المسيح وعذابات مريم والدة يسوع، ومريم المجدلية، مشيرةً إلى الدمار الذي لحق بروسيا، وبشكل خاص الشهادات المروعة للنساء في الثلاثينيات. وقد جاء الكتاب بمثابة قطعٍ جذريّ مع أعمالها الرومانسية ما قبل فترة الرعب. يعتبر الكثيرون ممن كتبوا عنها، أن أخماتوفا تولت كتابة تاريخ الإرهاب الوحشي في الاتحاد السوفييتي، أيام الطاغية المجنون ستالين. شاعرة أزمنة الخوف، هو الوصف التي ما زالت تشغله في ذهن قرائها حتى يومنا هذا. لم يُنشر قداس أخماتوفا حتى عام 1963، وكان ذلك في ميونيخ، لكن في الاتحاد السوفييتي، فالعمل لم ينشر كاملاً إلا عام 1987. أما قصيدة "بلا بطل" التي داومت على كتابتها خلال أكثر من عشرين عاماً، والمصنفة على أنها أفضل أعمالها، بل وكواحدة من أفضل قصائد القرن العشرين، فلم تنشر في أي مكان، إلا بعد وفاتها.

قدّم لنا التاريخ الكثير من نماذج المقاومة السلمية التي انتهجت "اللا عنف"، لكنّه لم يقدّم لنا إلّا حالات نادرة من نماذج "المقاومة السلبية"، وهذا وصف أشعيا برلين لمقاومة الشاعرة الروسيّة الأهم. المهابة الخاصة التي أحاطت بأخماتوفا كانت قبل أي شيء آخر، بسبب عنادها السلبيّ المتفرّد، وعدم ممالأة الطاغية، فشعرها لم يكن مضاداً جبهيّاً للاستبداد بالمعنى الظاهري، لكنه كان حقيقيّاً وحرّاً، وهذا بالضبط ما لم يكن مقبولاً، لا من الطاغية ولا من محيطه، الذي انتمت إليه شخصيات أدبية روسيّة مرموقة، رحلت وهي تحمل عار تناقضها الأخلاقي المزري. صوت أخماتوفا الشاذ كان فضيحة أولئك، وبدت مأثرتها أنها لم تسر مع قطيع سار فيه كثيرون، بينما تعرض كل صوت خارج السرب، بل وكل صوت لم يستطع التعايش مع قفص الإيديولوجيا، للاعتقال، وفي الكثير من الحالات إلى الموت. كتبت أخماتوفا أنه بحلول عام 1935 وفي كل مرة ذهبت فيها لتوديع شخص ما، في محطة القطار أثناء إرساله إلى المنفى السيبيري، كانت تجد نفسها تلقي التحية على الأصدقاء في كل خطوة داخل المحطة، حيث العديد من الشخصيات الفكرية والثقافية في سانت بطرسبرغ كانوا سيغادرون على نفس القطار.

الكاتب الألماني هانز فيرنر ريختر، الذي حضر المناسبة، وصف زيارتها على أنها قدوم روسيا كاملةً إلى صقلية

بعد عقود من منعها، ستسمح السلطات للفتاة البريّة (حسب لقب طفولتها)، بالسفر إلى إيطاليا، لحضور حفل حصولها على جائزة "إتنا تاورمينا" عام 1964، "إيطاليا الحلم، الحلم الذي تتذكره طوال حياتك"، كما كتبت أخماتوفا. هناك نالت "البنت الضالة والسيدة المجنونة"، (حسب الأدبيات السوفيتية)، تكريماً نادراً، من الأدباء الأوروبيين. الكاتب الألماني هانز فيرنر ريختر، الذي حضر المناسبة، وصف زيارتها على أنها قدوم روسيا كاملةً إلى صقلية. "كل شاعر من أوروبا، من غربها وشرقها، انتظرَ في طابور طويل ليمرّ أمام "القيصرة" الجالسة على مقعدها. الجميع انحنوا على ركبهم وقبّلوا يدها، بل وبدا الشعراء الروس وكأنهم كانوا يقبّلون الأرض".

بعد إعدامها المعنوي خلال عقودٍ في بلادها، توفيت أخماتوفا عام 1966. وكانت في العامين الأخيرين من حياتها، حصلت على دكتوراه فخريّة من جامعة أوكسفورد في بريطانيا، كما ترشحت مرتين لجائزة نوبل. السلطات السوفيتية، كعادتها في تكريم بعض المتوفين، خططت لتركيب هرم على قبر أخماتوفا قرب "سانت بطرسبورغ"، لكن ابنها "ليف جوميليف"، تصرّف على نحوٍ مختلف. قام الابن مع طلابه، ببناء نصب تذكاري على شكل جدار. جمع حجارته من نفس الحائط الذي وقفت والدته تحته، وهي تحمل الطرود إليه خلال سنوات الاعتقال. في وسط ذاك النصب/ الجدار كانت هناك نافذة سجن. ستُغلق النافذة فيما بعد، لتحل محلها منحوتة لأخماتوفا.

رحلت آنا أخماتوفا أعظم شاعرة روسية، وهي تحمل ذكريات "الفقر، وطوابير السجن، والخوف. قصائد تُحفَظ فقط بالذاكرة، وأشعار محروقة في المواقد، والكثير الكثير من الإذلال والحزن". والأهم أنها تركت خلفها سؤالها المُفجع، الذي ما زالت أصداءه تتردد عبر العالم، معبّرةً عن معاناة الملايين في كلّ بلاد حكمها الطغاة: "لماذا احتاجت دولة عظمى أن تمرّر جنازير دباباتها على صدر عجوز مريضة؟".

كلمات مفتاحية