آذار الغوطة ورمزية الربيع

آذار الغوطة ورمزية الربيع

آذار الغوطة ورمزية الربيع
متظاهرون يتضامنون مع الغوطة الشرقية في باريس(رويترز)

تاريخ النشر: 14.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 30.08.2018 | 19:41 دمشق

شعثاء غبراء أرى نفسي أقف في غبار الموت والقصف..

أقف بين الأشجارالعارية وحدي...

أقف حاملة موتي، أراني في الحلم أصرخ بلا صوت..

وصرختي المكتومة تأخذني للصرخة الأولى، للهتاف الأول: الشعب السوري ما بينذل.

وبين آذار الصرخة عام 2011، وآذار الغوطة 2018 ، تتعدد المجازر ليصبح المطلوب من هذه الهجمة الهمجية أن تضطرب الذاكرة ونزج بالسؤال:

كيف صار الربيع كابوساً، كيف صار غضباً، وقصفاً وموتاً؟؟!!

ماذا يعني أن ينفجر الربيع موتاً، ماذا يعني هذا القتل الممنهج للذاكرة السورية التي رسمت شكلاً جديداً للوطن في الوجدان حين صرخ الشياب والشباب لا للاستبداد؟!

قد تتعدد الأجوبة، ولكن ما تريده هذه الهمجية هو أن تقول إنه لا ذكرى في آذار سوى ذكرى الموت والمجزرة، ففي كل مجزرة يسعى النظام أن يمحوَ شيئاً من ذكريات النشوة حين صرخ السوريون في وجهه: لا..

نيرون هذا العصر يلوث البلاد بالدمار والدماء كي ينسى شاب حليب أمه، وينسى قبلها أنه صرخ ذات يوم: حرية للأبد!!

قصف الغوطة لم يبدأ اليوم، بل بدأ مع بدايات الثورة، وهذا القصف والحصار الممنهج لا يعني قتل روح الشام فقط بل يعني محاولة النظام قتل رمزية الربيع في النفوس، قتل الثورة في القلوب...

الغوطة التي نسمع أخبارها في آذار هذا ليست الغوطة التي كانت تستظل بأشجار الزيزفون والزيتون بل هي الغوطة التي تتكئ على ما تبقى من أشجارها وتبكي...

دوما وحرستا ومسرابا وحمورية وعربين وزملكا وعين ترما وجسرين، كل هذه المناطق ليست وجهة للدمشقيين في ربيع آذار، بل وجهة قصف الطائرات، وجهة القاتل المستبد.

أي حقد هذا الذي يحرق أشجار الغوطة وناسها وقلبه لا يحترق..

قصف الغوطة لم يبدأ اليوم، بل بدأ مع بدايات الثورة

الحقد يقصف وينكل كي يقتل نسغ الربيع في النفوس، كي ينال من جذور الثورة في الأرواح ويعكس منطق السؤال، وبدل الحديث عن ربيع لفحنا بحبه، عن انفجار الحياة فينا بعد الموات، يصبح الحديث عن جدوى الربيع طالما احترق زهر المشمش والتوت الشامي والخوخ والدراق، عن نفع الربيع إذا ما أتى آذار محملاً بكل هذا الموت والقتل والتدمير، عن نفع الربيع إذا خاف أهل الغوطة من السماء، وناموا جائعين في الملاجئ والأقبية، ولم يروا شمسهم تشرق ولا حتى وهي تغرب.

يُقتل الربيع حين تبتلع الطائرات سقف السماء....

حين تصيح الصغيرة، وهي تحترق: لماذا يحرقونا!!

عندما يُنتشل طفل من تحت أنقاض بيته، ثم يسأل: كم أنت منخفض يا سقف الوطن؟؟!!

حين يصير الكلام تراباً وغباراً فيه نتعفر ونتعثر، عندما يصمنا صوت الصغار وأنين الجوعى.

حين يخجل زهر اللوز من لونه أمام الموت ويرتمي...

عندما تنام الصغيرة تحت ظل خوفها، و تركض الأم معفرة بالغبار والخوف، وهي تمسح حليبها عن شفاه طفلها الباردة!!

حين يشق المعول بطن تراب الغوطة ويدق ضمائرنا بنحيب أب: "يا ريتني متت وما شربان حسرتك يا ولدي"، ثم يزرعه في التراب!!

مرٌّ هو المشهد..

ظلال أشجار الحور تبكي، ظلال البيوت ترتكي على أشلائها، ظلال خطى الصغار تتكي على الفراغ وتتنهد...

لا أعول على هذا العالم وأصدق صمته، تجتمع الأمم وتقرر الهدن، فتصير الهدنة فسحة لمزيد من القتل يفضي إلى قتل الغوطة وصمت الضمير، وكأن العالم يجتمع كي يموت هذا الربيع، ثم يعلنون الأسف والقلق الجماعي!!

ذات زمن أحرق الفرنسيون الغوطة بالقصف المدفعي والطائرات إبان احتلالهم لسوريا عام 1925، ورحل الغزاة وظلت صورة حسن الخراط..

لا يرحل التاريخ ولا تغيب الذكريات..

الغزاة والطغاة يظنون أن بإمكانهم قتل الربيع، يصبون حقدهم على نوافذ الروح، يحاصرون ما يقرب من نصف مليون إنسان من أطفال ونساء ورجال "يعيشون" فيما يشبه الحياة ويتنفسون ما بقي من هواء في الغوطة، نسمع أنفاسهم المتهدجة، هو الموت يقترب، لاماء ولا دواء، نسمع آخر الأصوات، نسمع آخر الوصايا والأمنيات، ونصاب بالصمم من ضجيج صمتنا وعجزنا!!

الغزاة والطغاة يظنون أن بإمكانهم قتل الربيع،

في سوريا القيامة تليها القيامة ولا نهاية لهذا الموت الذي أصبح متلازماً مع "أبدية" النظام السوري.

تبدو كل الأسئلة عدماً، وكل الأجوبة فراغاً!!

أين الصواب!!

بالرغم من هذا اليباب، لا أعرف الجواب، لكنّ يقين قلبي يقول إنه لن ينجو الطغاة، لن ينجو الغزاة وستظل عصا شيخ دوما "أبو صبحي الدرة" تلاحقهم وتلعنهم لتحرس أبواب الشام، بالرغم من هذا الخراب، ومأساوية المشهد وثقل الليل على الصدور، لن يقتلوا الربيع، لن يصبح حلمنا أرضاً يباباً.

أعلم علم اليقين أننا لن نرجع للوراء، والحقد لن يعيد سوريا كما كانت مملكة للصمت، دفء الربيع قادم، من الغوطة قادم، من كل المدن والأرض السورية قادم، يلوح بالخير للسوريين، لن يبقى الظلام، ستمشي نساء ورجال سوريا منتشين بريح الحرية والكرامة، سيزين أطفال

سوريا صدورهم بزهر الحنون وهم نشيد الحياة يغنون، سيمضي هذا الليل الطويل ككابوس ثقيل ويتذكر الجميع هذا الألم كحكاية قديمة، سيحكي السوريون عن ليالي الموت الطويلة التي مضت ككابوس مُر في ليل العمر، وسيعود ويزهر الندى في الغوطة، سيزهر آذار في سوريا، لن يقتلوا الربيع...