« Wishful thinking »

تاريخ النشر: 23.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 26.05.2018 | 06:22 دمشق

ليس من عادتي أن أختار ألفاظاً أعجمية كعناوين للمواضيع التي أتطرق اليها، ولكنني اليوم أخشى ألا تتمكن الترجمة العربية من إيصال المعنى الدقيق لما أريده من هذا العنوان والذي سيكون موضوع ما سيلي. وإن سعيت للترجمة المتاحة مبدئياً، فسأجد "التفكير بالتمني" أو "التفكير الرغبوي" هي العبارات الأنسب. وباعتقادي، فإن كلا المفهومين لا يفيان المعنى حقه تماماً، أو أنهما حياديان في التقييم تجاه ورود هذا المفهوم خصوصاً في حقل السياسة خصوصاً وفي حقل الحياة العامة عموماً.

وفي اللغة الفرنسية أيضا، يُصار غالباً إلى استخدام المصطلح الإنكليزي الوارد في العنوان. حيث أن الترجمة إلى لغة موليير "Vœu pieu" تأتي بمفهوم "التمني" مجرداً من التفكير، وإن لزم الأمر، يمكن اعتباره تمنياً إيجابياً وأقرب إلى الورع الديني. وهنا أيضاً نفتقد التعريف الصحيح لحمولة المفهوم الأساس الذي صار شائعاً في السياسة. وكمثال على هذا النوع من "التمني" الورع، يمكن أن نستذكر ما قاله متأثراً بابا الفاتيكان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1965: "لا حروب بعد اليوم"! حيث نجد في هذا القول نوعاً من الخيبة المغلّفة بالتمني.

أدبيات المعارضات المتناقضة للواقع المحلي كما للتجليات والتجاذبات الدولية ـ السياسية كما العسكرية ـ كانت نوعاً "كوميدياً" من هذا التفكير بالتمني

لأن البابا كان يعرف جزيل المعرفة بأن عبارته هي نوعٌ من التمني الإيجابي ولا علاقة لها بواقع العلاقات الدولية حينذاك وفي كل حين. فالتمني لديه يتأتى من نيات طيبة ومن وحي روحي نقي وورع، ولكن لا يوجد أي احتمال لتحقق ما يصبو إليه. وغالباً ما يتم التعليق بتهكم على هذا النوع من التمني.

في الحالة السورية، يختلط الأمر بين "التمني الورع" و"التفكير بالتمني" ليصل إلى صيغة هي الأقرب إلى عنوان هذا المقال صعب القابلية للترجمة المناسبة. فقراءة أدبيات المعارضات المتناقضة للواقع المحلي كما للتجليات والتجاذبات الدولية ـ السياسية كما العسكرية ـ كانت نوعاً "كوميدياً" من هذا التفكير بالتمني الذي فاض في الخيال وفي الابتعاد عن المنطق في التحليل، والذي لم يستند إلى أية منظومة متينة للتفكير الواقعي. وعلى الرغم من أن هذه القراءات كانت محدودة في سنوات الثورة التي تحولت إلى مقتلة، حيث أنتجتها هذه المعارضات ببخلٍ شديد يتماشى مع ضعف إنتاجها الفكري عموماً والتحليلي المرتبط بالواقع خصوصاً، فإننا نجد أن "الويشفيل ثينكينغ" كان هو السائد منذ البداية، وعلى كافة المستويات.

فسياسياً، لا نبالغ إن لاحظنا بأن جُلَّ المواقف، أو المعلن منها على الأقل، استندت إلى التفكير الرغبوي والذي عكس فيها متخذوها تمنياتهم أو رغباتهم على قراءة الحالة وتفسيرها واتخاذ الموقف "المناسب" منها. فالظن الذي كان سائداً مثلاً بوجود دعمٍ حقيقي من قوى إقليمية وأخرى دولية لسعي جزء من الشعب السوري إلى حريته وكرامته، فقد كان تعبيراً صارخاً عن التمني غير المحقق وغير المستند إلى فهم واقعي لطبيعة العلاقات الدولية والتطورات الإقليمية.

انتشر التفكير والتوقع الرغبوي في أكثر من حقل وتطوّر بطريقة المتتاليات الحسابية ليصير أقرب إلى نظرية "المؤامرة" في كل قراءاته واستنتاجاته وتعليقاته

كما أن انعكاس الإحباط من غياب هذا الدعم، والذي تبين لاحقاً، فقد أدى إلى مواقف رغبوية أيضاً وأيضاً، ولكنها أتت على العكس من الأولى، شديدة السلبية، تُظهر فيما تظهره جهلاً بنيوياً في فهم المشهد الدولي وتشابكاته.

أما على الصعيد السياسي العام، وبعيداً عن حصر الموضوع في "أدبيات" المعارضة حتى لا نمارس جلد الذات، فقد انتشر التفكير والتوقع الرغبوي في أكثر من حقل وتطوّر بطريقة المتتاليات الحسابية ليصير أقرب إلى نظرية "المؤامرة" في كل قراءاته واستنتاجاته وتعليقاته. وتضافر المجتمعي بالسياسي، ليُصبح الإعلاميون من صحفيين إلى محللين إعلاميين، أعضاء ناشطين في محفل التمني والبناء عليه. فمن الطريف / المؤلم مثلاً أن ينبري أحد قادة العمل العسكري سابقاً والمحلل الاستراتيجي لاحقاً، إلى الجزم بأن عقوبات دونالد ترامب على إيران وشروط وزير خارجيته المخابراتي مايك بامبيو الاثني عشر الأخيرة ستؤدي إلى انهيار إيران وربما تفككها وزوالها من الخريطة.

يملئ التفكير الرغبوي ـ أو بالتمني ـ المشهد السوري لدرجة يكاد يُصاب فيها المتابع بالدوار والحيرة. فالجميع متأكد من معلوماته والجميع متأكد من تحليلاته والجميع متأكد من استنتاجاته، حيث جميعها يستند إلى التفكير بالتمني. وقد وصل الأمر بأصحاب هذا "المذهب" إلى القول بالشيء وبنقيضه في الموضوع نفسه وربما حتى في النص ذاته.

إن "التفكير بالتمني في السياسة هو وصفة للحماقة" كما كتب تيم هارفورد في صحيفة الفانينشال تايمز.