«يا زينب... لبيكِ»

تاريخ النشر: 09.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 11.01.2019 | 02:31 دمشق

في اليوم الأخير من آذار الماضي كان رواد مطعم «قصر النرجس» في دمشق القديمة على موعد مع حفلة للمطرب الشعبي بهاء اليوسف. مضت السهرة كالمعتاد وسط حبور الحاضرين بتأثير الكحول والإيقاعات السريعة للأورغ، وانتهت بأداء اليوسف أنشودة شيعية لازمتُها «يا زينب... لبيكِ»، حين أخذ الراقصون يلطمون برمزية طروبة، بمن فيهم ممثلة مسيحية راحت تتمايل على كرسيها، فيما شدت ساحة المطعم شباناً بلحى يرتدون الأسود وفتيات بلباس السهرة المكشوف، تحلقوا حول المغني بانفعال راقص.

كان من سوء حظ الجميع أن المشهد الأخير وجد طريقه إلى الجمهور بعد أيام، بالضبط في ذكرى وفاة السيدة زينب حسب الرواية الشيعية التي تلقبها بالكبرى وتطلق عليها «أم المصائب»، لشدة ما عانت نتيجة رحيل أفراد أسرتها الذين كان آخرهم شقيقها الحسين بن علي، ذو الرمزية الكبرى، في كربلاء، ثم سوقها إلى الكوفة فدمشق، مع رؤوس القتلى ومن بقي من النساء والأطفال، أسيرة لدى جيش يزيد.

في البداية أخذ المقطع المسرّب مكانه إلى جانب مقاطع سابقة يستخدمها جمهور الثورة للتدليل على احتلال إيران وميليشياتها عاصمة البلاد التي صار مشهد اللطم فيها مألوفاً، لكن الساعات والأيام التالية أخذت تكشف عن غضب شيعي مواز من التسجيل. فصحيح أن الشيعة يطمعون في حصة سياسية ورمزية كبرى من فضاء سورية إلا أنهم لا يريدونها وفق هذا الشكل «الماجن» الذي رأوا فيه إهانة كبرى «لعقيلة بني هاشم» التي هي أعلى بكثير من أن تتداول اسمها أفواه تفوح منها الخمر وفتيات راقصات ومطرب أعراس وحفلات عيد الحب ووسائط النقل!

وفي الحقيقة كانت مفاجأة اليوسف، الذي ظن أنه قد أحسن صنعاً، كاملة. فهو ينتمي إلى ذلك الجيل الشاب من المطربين العلويين الذين أضفوا على الذائقة الغنائية السورية «لونهم الجبلي» منذ مطلع الألفية، واعتادوا على تحية «سيد المقاومة» وسط أغانيهم بشغف، خلال سنوات ذروة شعبيته منذ حرب تموز 2006 وحتى الثورة في 2011، عندما كانت لا تكاد تمر حفلة في أحد ملاهي دمشق وضواحيها دون أن تتخلل الرقصات فيها أهزوجة «الله الله يا الله/ تحمي حسن نصر الله»، لتتبعها تحية الأسد الواجبة «يا الله ويا جبار/ تحمي لنا القائد بشار»، وسط ضرب الطبل وصوت المجوز، دون أن يعترض أحد أو يسجّل تناقضاً بين أجواء الكحول والدخان المعبّق والحشيش غير المعلن و«فنانات الاستعراض»، وبين تحية هؤلاء المقدسين!

المتهم ليس سنّياً، بل هو الابن العلوي الداشر مرة أخرى، بابتهاجه المنبسط وفرحه المصحوب بالخمر عادة وتعاطيه المنفلش مع المقدسات

ولكن الشيعة، في سورية ولبنان والعراق على الأقل، تداولوا بحنق واستنكار مقطع «قصر النرجس». وبعد حيرة ظن فيها بعضهم البعيد أن «أحفاد بني أمية» في دمشق افتعلوا المشهد للإساءة لابنة الإمام علي، تدخل من هم أقرب إلى الصورة، كشيعة دمشق، الذين أحرق بعض شبانهم باب المطعم وألصقوا في أحيائهم منشورات تدعو إلى منع المطرب من دخولها، وكالمقاتلين اللبنانيين والعراقيين فيها، الذين دفعوا دماً تحت شعار الدفاع عن المقامات وعن ضريح السيدة زينب التي «لن تسبى مرتين». ليوضحوا بغيظ: المتهم ليس سنّياً، بل هو الابن العلوي الداشر مرة أخرى، بابتهاجه المنبسط وفرحه المصحوب بالخمر عادة وتعاطيه المنفلش مع المقدسات التي لا يرى حولها أسواراً من الصرامة والهيبة، كما يريدها المذهب الجعفري القائم على استحضار الأحزان والآلام.

والحق أن هذا ليس اختلافاً جذرياً وعميقاً في المزاج السلوكي للطائفتين فحسب، بل أيضاً في فهم الدين وطبيعة المقدس وحدود الشريعة في مسائل كالصلاة والحجاب والكحول وذيوع الكفر على الألسنة. وهي أمور يخفيها الحلف الحربي القائم لكنها لا تغيب عن الساسة الدينيين في طهران الذين يراقبونها بصبر ويؤجلون التعاطي معها حتى يحين الوقت الذي يكون فيه النظام السوري قادراً على دفع الفاتورة المذهبية كما الاقتصادية. وبدوره يعي النظام ذلك، وهو لا يمانع في أن يحيّي نصر الله رمزياً وفي أن يؤدي الثمن السياسي لإيران، لكن دون مستحقات جادة على مستوى التغيير الطائفي، ولا سيما في بيته بين العلويين، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وعلى كل حال فإن هذا من شؤون مستقبل العلاقة بين الطرفين إذا انتصرا كما يروجان... أما الأنشودة التي فجرت القضية فتستدعي حفراً مثيراً في الماضي القريب.

فإثر ضربات 11 أيلول والغزو الأميركي لأفغانستان توجه إلى هناك شاب من درنة، في عمر الثامنة عشرة، ليُعرف وسط المجاهدين العرب باسم «الزبير الليبي»، ويقضي بعد سنتين كان فيهما مقاتلاً عادياً سيتذكره القليلون فقط لولا تأليفه وترنيمه أنشودة جهادية راجت بشدة، تبدأ بقوله «وين أيامنا وين/ وين قضيناها// راحت بغمضة عين/ يا محلا ذكراها». وقد شاعت لها نسخ عديدة، حذف من إحداها ذكر أميركا وبن لادن والملا عمر ليمكن تسويقها على الفضائيات في الخليج. أما محلياً فقد تبدّل اسم الشيخ الذي تذكر أنه «أعلن الجهاد» في كل مرة حسب المكان، فمرة هو أبو الليث الليبي وأخرى أبو مصعب الزرقاوي، وهكذا.

ومع تسرّب السلفية الجهادية إلى سورية بعد الثورة راجت الأنشودة مع البضاعة الغريبة التي جلبها المهاجرون

ومع تسرّب السلفية الجهادية إلى سورية بعد الثورة، ولا سيما في 2012، راجت الأنشودة مع البضاعة الغريبة التي جلبها المهاجرون، واحتل «الجولاني» موقع مطلق الجهاد فيها. لكن الأهم أنها، بطبيعتها السائلة، عرفت إضافة بيتين خطرين يلائمان «الساحة»، اشتهرا بشدة لما أعلناه من انتقال الصراع إلى سوية مختلفة، هما «شرطة نصيرية/ صبراً يا علوية// بالذبح جيناكم/ بلا اتفاقية». ويتذكر معظم السوريين مشهد الطفل الذي حمله جهاديون ليؤدي الأنشودة، ممثلاً بيده ما يشبه حركة الذبح، مردفاً «ومنحمي هالضيعة/ بنّش ما منبيعا// رح نذبح الشيعة/ بكفريا والفوعة»، مشيراً إلى الصراع الدموي القائم بين بلدته وكفريا والفوعة الشيعيتين المتاخمتين.

وفي سياق الحرب الغنائية استفزت هذه الأنشودة وسواها شاعراً من مرجعيون بجنوب لبنان، مناصراً لحزب الله، فكتب أنشودة أداها طفل (رادود) من الفوعة، وهي التي أجراها سياق «الحرب الأهلية» على لسان مطرب الساحل في التسجيل، تقول: «كفريا والفوعة/ هالراية مرفوعة// تصرخ وموجوعة/ إلك ما نستسلم// اسمع يا جولاني/ حسين عنواني// تعبر ع جثماني/ وإلك ما نستسلم// يا جبهة النصرة/ مصيرك الحفرة// الصرخة الكبرى/ لزينب الكبرى!».