الوعي الساذج في رواية جنون الواقع

تاريخ النشر: 08.10.2021 | 17:17 دمشق

كتب (ويليم فوكنر) رواية (الصخب والعنف) على شكل سمفونية تتألف من أربعة فصول، جعل من كل منها راويا مختلفا عن الآخر، فالأقسام الثلاثة الأولى يرويها الإخوة الثلاثة من عائلة (كمبسن) من الجنوب الأميركي، أما الرابعة فترويها الخادمة (دلزي).

الوعي الساذج في سرد الحكاية

يبين النص الروائي الفارق في الوعي بين سارد وآخر أو بين الأخ والآخر. الفصل الأول الذي يرويه الأخ الأصغر (بنجي) يستفيد من تقنيات الرواية الحديثة في تلك الفترة، ويتشكل فيها النص على أساس وعي راوي طفولي ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، نقرأ في مقدمة (جبرا إبراهيم جبرا) عن الرواية: "بنجي معتوه يسمع، ولكن لا ينطق ولا يستطيع إلا الصراخ والعويل. وهو حين يروي الحوادث لا يستطيع أن يرتبها تريباً زمنياً. فما حدث منذ عشرين سنة، وما حدث اليوم، كلاهما متساوي الأهمية في سرده، متساوي الوضوح، وكل شيء يذكره وكأنه يراه لأول مرة بكل ما فيه من جدة وبراءة، إنها حكاية يقصها معتوه". وفي فقرة تالية من المقدمة، يشرح لنا (جبرا) كيف يتشكل الوعي الطفولي ذوي الاحتياجات الخاصة في الأسلوب السردي: "الجزء الذي يقصه بنجي المعتوه متقطع، قصير الجمل، غير بادي الارتباط، فجائي الانتقال بين فترات الزمن كأنها كلها موجودة آنياً معاً. يضع القارئ الأحداث في أمكنتها ببطء، إلى أن يفرغ من الجزء فتكتمل الصورة، والقصة هنا لا تنمو بقدر ما تدور على نفسها أو تتحرك في خطوط متوازية".

في بحثها المعنون (بين الأدبية والتوثيق: نماذج روائية سورية معاصرة) تتوقف الباحثة (علا المصياتي) على خصوصية الشخصية الساردة والرئيسية في رواية (المشاءة) للكاتبة السورية (سمر يزبك). تبتكر الكاتبة (يزبك) في الرواية ساردة بوعي طفولي من ذوي الاحتياجات الخاصة، تتركز فيها صفات الوعي الساذج بالإضافة إلى التشوه الخلقي: "ولدت ورأسها بين قدميها، فما إن تقف حتى تنتصب للأمام وتبدأ بالمشي دون توقف، وجل أحلامها هو فقدان الوعي وهي تمشي"، كما أنها تلتزم الصمت حدود الخرس، ورغم أنها تملك لسانا إلا أنها لا تنطق أية كلمة على مدار صفحات الرواية للتواصل مع الآخرين من شخصيات الرواية، وهي مربوطة إلى معصم والدتها ومن ثم برباط حديدي إلى سرير يمنعها الحركة في المنزل وخارجه. الشخصية الساردة هي (ريما سالم المحمودي)، ابنة لأم تعمل منظفة مدرسة، وهي لم تدرس في المدرسة كما يفعل معظم الأطفال، لكنها قرأت كل ما وصل إليها من كتب، فحفظتها غيباً ولم تفهم معناها.

الوعي الخارج عن المألوف لفهم الواقع الجنوني

تشبه الناقدة الفلسطينية (أمينة الحلبي) شخصية الساردة في الرواية بالثورة، وذلك لأنها تحلم بشيء واحد هو الاستمرار في المشي-التحرر: "كان لدي حلم، وهو أن يتركوني أمشي وأمشي حتى أفقد الوعي. هذا ما كنت أريد تجربته لأعرف أين ستقودني قدماي". لكن الشخصية أيضاً ممكن أن تمثل كل وعي منع من النضوج أو من إكمال تشكل ذاته، فقد ربطتها والدتها بحبل إلى السري منذ أتتها العادة السرية للمرة الأولى، وكأنها قيدت اكتمال نضجها. في رواية (فيرديدوركه، 1939) للكاتب البولندي (فيتولد غومبروفيتش، 1904-1969) يكون عدم النضوج أيضاً موضوعة فلسفية وكذلك حبكة أساسية في تشكيل الحكاية. فشخصية (فيرديدوركه) تعاني من مشكلتان، إحداهما عدم النضوج، يكتب الروائي في مقدمة الطبعة الأولى: "إنها لحقيقة أن الرجال مجبرون على إخفاء عدم نضجهم"، وتثير الرواية هذا السؤال: ألا ترون أن نضجكم الخارجي هو شيء خيالي؟ بينما تتظاهرون أنكم ناضجون وفي الحقيقة تعيشون في عالم بالغ الاختلاف، وهكذا تظل الثقافة دائماً بالنسبة إليكم أداةً للخداع". وهكذا يحول الروائي شخصيته الرئيسية من البلوغ إلى الطفولة ليعبر على أن الثقافة تحيل الإنسان طفلاً لأنها تنحو آلياً إلى التطور وعلى هذا فهي تتجاوز الإنسان وتنأى عنه.

وإذا كان (غومبروفيتش) قد لجأ إلى فكرة الشخصية الفاقدة للنضج وذلك لنقد البنى والقيم الثقافية السائدة، فإن (سمر يزبك) تبتكر شخصية الساردة الغريبة الأطوار لتتمكن من سرد الواقع السوري المليء بما يحتاج إلى وعي قليل الإدراك لاحتماله، إنه واقع غريب الأطوار يجب التعبير عنه عبر وعي شكلته الكاتبة من خصوصية السذاجة في الحالة العقلية والجسدية، ولكن بالآن عينه الحساسية الإنسانية والأخلاقية العالية الحضور في وعي البطلة. إنها رواية ما يجري من عبثية الاستبداد والعنف أمام عيني الطفلة، فيغيب العقل: "لقد أخبرتك أن رأسي أسفل قدمي، وهو رأس غامض وغير مفهوم بالنسبة لي". هكذا تتوجه الساردة في الرواية بالخطاب إلى القارئ مباشرةً: "لا أعرف من ستكون، لكني أخمن أنك سوف تقرأ هذه الكلمات. قد لايعنيك ذلك كثيراً الآن، لأنك مازلت شخصا مجهولا".

البراءة أمام تجربة القمع، العنف، والتعذيب

تفتتح الرواية بحادثة الانتظار على أحد حواجز دمشق العسكرية بين الأحياء السكنية، تصف الطفلة العالم العبثي من حولها، ولكن خصائصها من ذوات الاحتياجات الخاصة تمنح السرد تلك القدرة على استنطاق الجنون والفوضى في رؤية الواقع: "الساعة الثانية التي قضيناها لنصل إلى الحاجز الثاني، كانت ثقيلة. أمي تزعجبني وتشدني إليها بقسوة، أنا لا أتحرك، كانت تحاول أن تخفيني في صدرها". لكن دفقاً من الحرية في العقل غريب الأطوار يدفع الطفلة إلى الركض عند الحاجز، وتعريض والدتها للرصاص والموت. لحظة الحرية التي تشعرها طفلة ساذجة عند حاجز عسكري حكاية رمزية عن الواقع السياسي السوري.

في الحكاية تنتقل الطفلة إلى المستشفى وتشهد على عالم من العنف، من الضحايا، مزيج من الطب والتعذيب يجري من حولها. وفي الذهن، يتصارع عالمان العالم الأول يأتي من الكتب التي قرأتها الطفلة في حكايات أدب الأطفال مثل عالم (الأمير الصغير، أليس في بلاد العجائب) وغيرها من قصص الأطفال الفانتازية، والعالم الثاني هو واقع الجنون، والعنف، والقمع السائد من حولها: "اقتربت الممرضة مني وكانت تشبه فيلاً صغيرا"، وفي مقطع آخر: "أغمضت عيني لأختفي، رسمت أشكالاً في الهواء لشخصيات الأمير، والأفعى والرجل الغريب الأطوار"، وتحلم الفتاة بأنها دخلت عالم الغابة التي تتغير كما حصل مع أليس في بلاد العجائب"، أما على الجانب الواقعي في إدراك الحياة، فتقول الفتاة: "لا أستطيع تفسير الأشياء لك كما هي حقيقة، إذ أفكر في أنه من الصعب أن تتكون علاقات بين الكلمات والحياة الواقعية بسهولة. لا أعرف سوى كلمة كريهة، ولا أجدها وافية". تشهد الطفلة الساذجة على تعذيب أخيها في المستشفى، والكاتبة تستمر في سرد حكاياتها بما يتماهى مع حكاية المجتمع السوري، فتروي الطفلة عن الخوف: "الجوع يشبه مثلثاً. أما الخوف فهو يبني فخاخاً لك في جسدك، ويصير جزءاً من أعضائك في الأحشاء، وهو دائري الشكل، بلا بداية ولا نهاية، يلتف حولك وفيك ومن ورائك ومن خلفك".

تجديدات في محاولات التعبير

بالإضافة إلى عدم النضوج فإن الموضوعة الثانية الحاضرة في روايتي (فيرديدوركه) و (المشاءة) هي قضية الشكل. يرى (غومبروفيتش) أننا نعبر عن أنفسنا عبر الأشكال، وهذه الأشكال هي أولاً رموز وهمية وثانياً هي حدود مقيدة لوصولنا إلى الحقيقة. كذلك الساردة في رواية (المشاءة) هي تتساءل طوال السرد عن كيفية رواية القصص الأمثل: "أستطيع أن أخبرك الآن كيف سارت القصة بعد ذلك، وعلى طريقتي، كما ألعب بالكرة الجنية، وكما لو أن في داخلها نتفاً صغيرة من مرايا مكسورة. أستطيع أن أروي لك الحوادث كما يحصل داخل الكرة الجنية، دون أن تنتبه أنني ألعب الآن بها". وتظهر أسئلة الأشكال التعبيرية بشكل واضح عند بطلة الرواية عندما يتداخل عليها الرسم والكتابة، الحرف والرموز البصرية، فهي تعتقد بأن اللغة أقرب إلى اللوحة، والمعاني يمكن التعبير عنها عبر الرسم: "وأنا أجرب لعبة الكلمات، لم أتوقف عن الرسم نهائياً، لكنني صرت أحب رسم الصور بالكلمات". تحاول السذاجة أن ترسم التعذيب الذي تشاهده أمام عينيها، وراحت ترسم لوحات الجحيم وتخبأها، وتحاول التعبير عن تجربة التعرض إلى السلاح الكيميائي من خلال وصف الرائحة والأفعال التي جرت من حولها: "أمامي أجساد أطفال عدة تمتد، يرتدون ثياب النوم، وكانوا صغاراً جداً، ولولا الزبد الذي يخرج من أنوفهم، ولولا سائل برتقالي يخرج من أفواههم، والإزرقاق على أجسادهم، لظننتهم نياماً". وبعد تجربة الحواجز، والتعذيب، والسلاح الكيميائي، تمرر الكاتبة بطلتها الرئيسية طفلة الوعي الساذج في تجربة العيش تحت الحصار، في المدن المجاورة لريف العاصمة السورية دمشق، وهنا تفكر برسم الموت: "فكرت الآن أن أقوم برسم صورة الموت. كنت قبل هذا أعتقد أن الرسم أكثر قدرة على التعبير من الكلمات. وكانت الخطوط والانحناءات والزوايا والألوان تستجيب لي أكثر من الكلمات. لم أستطع تخيل شكل رسم الموت".

 يكتب غومبروفيتش: "أولاً كل شكل من أشكال التعبير الفني يبقى مجرد شكل، أي نموذج مقيد. ثانياً، اللغة ليست أداة شفافة، لكنها منظومة من المعاني التي تفرض نفسها علينا بطريقة غير ملحوظة وساحقة على حد سواء. ثالثاً، كل كلمة وكل شكل لهما ماضيهما، فالمتحدث يدخل في حيز الثقافة التي تستعبده وتمنعه من التعبير الفردي. وبالتالي، فإن الإنسان لا يعبر عن نفسه بطريقة مباشرة وبما يتفق مع طبيعته، ولكن دائماً في إطار شكل معين، وأن ذلك الشكل وذلك الأسلوب والسلوك الوجودي ليس من صنعنا فحسب، بل إنه مفروض علينا من الخارج". ومن هذا المنطلق، فإن لجوء الأدباء والأديبات إلى السرد عبر وعي مغاير، ساذج، كما فعل الكاتب الفلسطيني (إميل حبيبي) في روايته الشهيرة (الحياة السرية لسعيد أبو النحس المتشاءل)، هو محاولة للعثور على قنوات أخرى في محاولات التعبير على هذيان الواقع.