الفنُّ الخفي غسيل أدمغة الشعوب

 الفنُّ الخفي غسيل أدمغة الشعوب

الصورة
من خلال وسائل الإعلام والسينما يبدأ التحكّم بالعقول (إنترنت)
22 أيار 2018

أحمد بغدادي

شاعر وكاتب سوري

"كلما سمعت كلمة (مثقف) تحسّست مسدسي"

*جوزيف جوبلز /  وزير الدعاية النازية

 

إن الحديث والإسهاب فيما يتعلق بطرق غسيل الأدمغة التي يراد منها إعماء الحقائق عن قضايا شعوب مصيريّة أو قضايا تاريخية، لا يقتصر على مراكز البحوث والدراسات العالمية ، ولن يتوقّف عند أجهزة المخابرات التي  تدعم تلك المراكز وتوظّف ميزانياتٍ هائلةً للجانب ــ الأنثربولوجي ــ  الخاص بالمجتمعات العربية والإفريقية "الإسلامية" بالدرجة الأولى. فالصراع العقائدي موجود على مرّ التاريخ، إضافةً إليه صراع السيطرة على مقدرات الشعوب المستهدفة وطي ذاكرتها  وثقافاتها من خلال الأساليب الممنهجة التي يتّبعها الأوصياء على هذه المهمّة الخطيرة التي تسمّى  بــ"  Washing Mass Brain ــ غسل الدماغ الشامل " .

فسلاح الإعلام فتّاكٌ أكثر من الصواريخ والمدافع والدبابات، وهذا ما تجهله أغلب الشعوب الغربية والعربية لوقت قريب حتى؛ فمن خلال وسائل الإعلام وخاصةً القنوات التلفزيونية والسينما، يبدأ التحكّم بالعقول  بشكل ــ غير مباشر ــ  وقيادتها نحو  قضايا معيّنة يراد منها تعزيز ما يصبو إليه القائمون على "غسيل الأدمغة" تجاه حدث ما؛ مثال : "فيلم عن جماعات ترتدي الزيّ العربي يقومون بتفجيرات داخل عواصم أوروبية، أو مقتل أطفال في حافلة مدرسة بسبب انفجار مجهول، يرافق المشهد صوت خفيف لــ" "أذان جامع  يدعو إلى الصلاة"؛ من هنا تبدأ محاكاة الوجدان الغربي "الجماهيري" وحثّه على كره العرب والمسلمين خاصةً، وتكوين صورة نمطيّة مخالفة للواقع، تتمحور حول المواطن العربي على أنه  عبارة عن شخص "بهيمي" جاهل، تقوده غرائزه، ولا يمتلك حسّاً  ثقافيّاً ولا حتى أي شعور بالمسؤولية تجاه حيوات الآخرين !

*الإجهاد الفكري والجسماني " من برامج غسيل الأدمغة "

 حينما يتم زرع أفكار نمطية في الأذهان، تبقى تتوارد بين الفينة والأخرى لتبقى لصيقة في العقل الباطن للجمهور المستهدف، وتتحوّل من أكاذيب ملفّقة وافتراءات محضة، إلى "حقائق  موجودة " يتكلم عنها الجميع.

فهذي الأساليب يتجلّى نجاحها أو فشلها اعتماداً على مدى نضوج الشعوب، وإيمانها بثقافاتها ودرجة وعيها وإدراكها للدلائل المحيطة بها؛ فإن فشل عمليات جرّ الشعوب إلى فخاخ الصدمات المباشرة التي يوجهها قسم لا يستهان به من الإعلام الغربي، يبدأ بإعلام مضاد، أي أنّ الإعلام الحقيقي والموضوعي يحمي تلك الشعوب من السقوط في معتركٍ يصعب الخروج منه، ويجنّبها الدخول في المجال "المغناطيسي" الموضوع بدقّة لجذبها نحو الفخ.

ما وضعه عالم  وظائف الأعضاء الحيوية البروفيسور  "إيفان بافلوف" 1849 ــ 1936  مؤسّس الدّراسات التجريبيّة الموضوعيّة للنشاط العصبي الأعلى (أي السلوك) عند الحيوانات والإنسان، مستخدماً منهج المنعكسات الشرطيّة واللاشرطيّة، يعتبر حجر الأساس الذي أقيمت عليه دراسات وأبحاث خاصة بغسيل الأدمغة،  وإخضاع الفرد أو الجماعات للتكيّف مع مفاهيم جديدة وإعادة بناء أفكارهم وتلقينهم أفكار ومعتقدات "دينية " أو غيرها تتناسب مع الهدف المراد تحقيقه.  وبناءً على هذي البحوث والدراسات، تم التوصّل لعدّة أساليب منها "نفسيّة ـ وجسمانية "، مورست على الكثير من الناس في القرنين العشرين والواحد والعشرين، واعتبرت من أنجع الأساليب التي حقّقت مبتغاها.. إذ تعتمد على إضعاف وإنهاك القوة النفسية للفرد من خلال حرمانه النوم وعزله عن الخارج  ومنعه من رؤية الشمس ومعرفة الوقت وتمييز الأمكنة وتعريضه لأضواء ساطعة، لتصل إلى الإيحاء للضحية بأنه وحيد وقد تخلّى عنه الجميع، كل هذا يحوّله إلى آلة تعمل حسب رغبة مشغليها؛ وقد اعتمدت هذه الأساليب في معسكرات الاعتقال التابعة للنازيين ضد أسراهم..

"استعمار السلوك"

طبعاً، لم تكتفِ الجهات القائمة على هذه البرامج الخطيرة  بتجارب فردية!  إذ أنها طوّرتها لتنتشر في جميع أنحاء أوروبا وخاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت مشاريعَ تصرف عليها ملايين الدولارات كأي مشروع طبي كبير  أو مشروع  تسليح جيوش؛   فمثل مشروع  مونارك "monarch"  1955  الذي طوّره النازيون ومن ثم أصبح حكراً على الأمريكان لكن بتقنيات جديدة مبتكرة، استطاعوا من خلاله فرض هيمنة شبه كاملة على مجتمعات العالم الثالث من ناحية (  استبدال  العناصر الغذائية بالوجبات الجاهزة ــ   انتشار المشروبات الغازية ــ والتسويق لها،  فتح سلاسل ومتاجر للأطعمة الغربية في أنحاء العالم ــ بذريعة الانفتاح على الآخر والعولمة ) وهذا ما استقبلته مجتمعاتنا بكل أريحية !؛ وليس هذا فحسب، فمن الموسيقى الصاخبة والأغاني التي تحمل دلالات جنسيّة  وإباحية  وعنصرية، إلى أفلام الاغتيالات والحروب وشبكات الإنترنت ــ مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج  الكوميديا الموجّهة، و أيضاً برامج الأطفال، والرسوم  المتحرّكة وألعاب البلاي ستيشن "  PlayStation" الدموية.. تقع كل هذه الخطط المرسومة والمشاريع تحت عنوان "الاستعمار غير المباشر" أي استعمار الحياة الاجتماعية، إضافةً إلى كسب الأموال الطائلة من هذه المشاريع التي تضاهي مشاريع استثمارية كبرى.

ترافق كل هذه المشاريع والخطط كما ذكرنا آنفاً حملات دعائية ( أفلام سينمائية) هوليوودية ــ تألّه ــ المجتمع الأمريكي وخاصةً الفرد، ذاك المنتمي إلى جيش لا يقهر مطلقاً.. تفوق قدراته قدرات أي شخص آخر، أو حتى جماعات أخرى تمثّل جيوش بلادها!  فعلى سبيل المثال، يسافر عشرة جنود مارينز مغامرين إلى دولة ما لإنهاء مهمّة قتالية أمام جيش جرّار في تلك الدولة، وفي أغلب الأحيان، تكون الدولة إما عربية، أو من دول الاتحاد السوفييتي قديماً.  أي أنهم ينشرون صورة معلّبة وجاهزة للــ "مُخلّص" الجندي الأمريكي القادر على فعل أي شيء مستحيل..  عدا عن ذلك، فالإعلام الأمريكي وخاصةً الهوليوودي، يقوم بإنتاج أفلام تعادي العرب والمسلمين بشكل دوري منذ عشرات السنين؛ فتشويه الحضارة العربية والإسلامية أصبح من دأبهم ومن أولوياتهم ! وهنا نضع بعض الأفلام التي تسوّق هذه الفكرة بشكل رخيص ومستهجن :

1 فيلم "ليالي عربية" (  1942 Arabian Nights )

الخليفة العباسي "هارون الرشيد " يظهر  في الفيلم بشخصية مفرطة بالشهوة والملذات داخل مجتمع عربي ــ إسلامي ــ يسوده المجون واللهو . كما تظهر المرأة العربية في الفيلم على أنها دائماً هي العبدة والراقصة والغانية التي ترتدي الألبسة الفاضحة.

 2 فيلم "الحصار"   (The Siege 1998)  

يروي قصة أحد الشخصيات العربية الذي تعتقله أجهزة المخابرات الأمريكية بتهمة عمل تفجيري في إحدى الثكنات العسكرية التابعة للحكومة الأمريكية، الأمر الذي يدفع عدداً من أتباع هذا الرجل إلى القيام بتفجيرات متتالية في بعض الأماكن العامة ما يسفر عن مقتل الكثير من الناس الأبرياء؛ بعدها تقوم أجهزة المباحث الفيدرالية باعتقال أعداد كثيرة  من العرب المقيمين في أمريكا بتهمة الخطر الرابض في المجتمع الأمريكي. فهذا الفيلم يروّج  لمدى خطورة  المواطن العربي  الذي  يقتل  الأبرياء بدمٍ بارد، وعلى أنّه المصدر الرئيس للإرهاب العالمي الذي تكافحه الولايات المتحدة مع بعض الدول الأوروبية.

3 فيلم "جلادياتور " (2000Gladiator

يصوّر الفيلم أنّ العربي  عبارة عن تاجر مواشي وتاجر عبيد ومحاربين، يبيعهم  بجشع  لأجل المكاسب المالية بلا مشاعر  ولا أدنى وجود للمشاعر الإنسانية، حيث يبيع الأبطال المحاربين ليتقاتلوا في مسارح أمام الجماهير  بغرض التسلية لتكون نهاية بعضهم ميتةً بشعة غير  رحيمة.

4 فيلم "المملكة" (2007 The Kingdom )

الفيلم يصوّر كباقي الأفلام التي تتناول الحالات الجهادية بعض العرب الذين يسعون للوصول إلى الجنة من خلال تفجير أنفسهم بغيرهم لنيل الشهادة؛ كذلك يصف تلك المجموعات بالهمجية النابعة من عادات العرب وتقاليدهم وتعاليم دينهم.

5 فيلم " شمشون" ( 2018Samson )  

الفيلم موجّه للشعوب الغربية خاصةً، ويحمل رسائل خطيرة  منذ بدايته حتى آخر مشهد؛ 

يروي قصة شمشون الشخصية المذكورة في "سفر القضاة" ضمن العهد القديم وحروبه ضد الفلسطينين.

على أنّ العبرانيين ( الإسرائيليين) يرزحون تحت ظلم الفلسطينيين ويعانون من القسوة والجور والقتل والاستعباد، علاوةً على ذلك، يروّج الفيلم لقتل الفلسطينيين وطردهم من ــ غزة ــ والقدس، إضافةً إلى العنصرية المباشرة والاستهزاء بالقيم الدينية.

 

إن الدراسات الكثيرة والمستفيضة التي فنّدت تقنيات غسيل الأدمغة كأخطر التقنيات النفسية التي تغيّر في أغلب الأحيان  اتجاهات الفكر بشكل  جذري، عبر عملية " إقناع قسري" على شكل جرعات تمارس ضد الفرد والجماعات، تؤكّد أن أمريكا وإسرائيل والغرب يستخدمون أسلوباً ــ تكتيكياً ــ ضد وعي الجماهير المستهدفة من خلال استقراء واقعهم  ودراسته بشكل مكثّف على مدى سنين طوال، ودمغ هذا الوعي بأكاذيب وأباطيل مستمرة لجعل الحقائق أفكاراً مغايرة يتبناها الضحية.  

هذي المشاريع الخطيرة التي تقودها دول ومؤسسات حكومية تخضع لمعايير دقيقة في علم النفس الاجتماعي وتطبّق بحذافيرها كأي أجندة هامة لدى تلك الدول؛ ومن العائلات الشهيرة التي تموّل وتسيطر على جزء كبير من هذه المشاريع، هي عائلة روتشيلد اليهودية الشهيرة التي تسيطر على 80 % من اقتصاد العالم وبنوكه، إضافةً إلى أسهم كبيرة في جميع وسائل الإعلام الغربية وبعض الوسائل العربية؛ تشاركها عائلة روكفلر  في شيطنة الحقائق واستغلال الأمم ونهب الثروات، خاصةً منها الثروات الباطنية.

فالحروب المدمرة  التي نشهدها الآن داخل الشرق الأوسط وخاصةً في سورية، وبعد أن تفكّك العراق ووضع اليمن بين أنياب الضباع، هي جزء كبير من مشاريع غسيل الأدمغة بفعل الصدمات المباشرة وإذلال وقتل الشعوب وتهجير أكبر عدد ممكن منها، كي  تذعن  للمخططات الصهيونية التي تُنَفّذ بمباركة ومساعدة عربية  ــ إيرانية ــ  لطمس الهوية الأصلية والحضارة التي وجدت قبل وجود هؤلاء القتلة والمرتزقة الذين يعملون لديهم.

شارك برأيك